عرض/إبراهيم غرايبة
يبحث الكتاب في مرحلة ما بعد العولمة، ويحدد متطلبات النجاح على صعيد الشركات والدول والأفراد، ويوضح سبب انهيار نظريات الاقتصاد السابقة، ويلقي الضوء على عالم جديد تقوده "الدول الإقليمية" والبرامج الاقتصادية الجديدة وليس الدول التقليدية أو علوم الاقتصاد التقليدية.

ويقدم رؤى إزاء تأثيرات أحوال جديدة غير مسبوقة ومراكز العمل المستقبلية ومراكز النمو الجغرافية، ونشوء مجتمعات الإنترنت، ودور القادة في عالم بلا حدود.

- الكتاب: الاقتصاد العالمي للمرحلة التالية
- المؤلف: كينشي أوهمي
- عدد الصفحات: 336
- الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت
- الطبعة: الأولى/2006

عالم جديد ومتحول

تحاول دول وشركات عدة اليوم التكيف مع الاقتصاد العالمي باعتباره واقعا يزداد قوة وانتشارا، وبدأت دول مثل فنلندا وأيرلندا برامج تعليمية لتأهيل مجتمعاتها مع متطلبات هذا الاقتصاد.

وقد أتاحت دول مثل الهند والولايات المتحدة للولايات والحكومات المحلية فرص العمل والانفتاح على الاقتصاد العالمي مستقلة عن الحكم المركزي.

وقد ساعدت فرص اختراق الحدود تقنيا وتقدم وسائل الاتصالات والمواصلات على تداخل الاقتصادات واعتمادها على بعضها.

لقد بدأ العالم يشهد تحولات كبرى وراديكالية منذ منتصف الثمانينيات، مثل تحولات الاتحاد السوفياتي (البيروسترويكا والغلاسنوست) وثورة الحاسوب والاتصالات، ونشأ تبعا لذلك اقتصاد جديد مختلف عن السابق بدرجة كبيرة.

وقد واجهت الولايات المتحدة في تلك الفترة تحديات كبيرة بسبب العجز الكبير في ميزانيتها، إلى درجة أن مفكرا مثل بول كنيدي تنبأ بإفلاسها منتصف التسعينيات.

ولكن بيل كلينتون قاد في أوائل التسعينيات سياسة اقتصادية جديدة مكنت الولايات المتحدة من التكيف بسرعة مع التحولات، واستيعابها بل وقيادتها أيضا.

وبدأت شركة ميكروسوفت التي أسسها بيل غيتس تحول العالم والاقتصاد والتعليم والثقافة، وكانت أنظمة النشر والتوزيع التي أنتجتها الشركة أساسا في التقدم العلمي والاقتصادي الجديد، وتسيطر أيضا على الأسواق.

وأحرزت الصين تقدما اقتصاديا غير من وجهة العالم ومركزه، وتحولت الصين من بلد فقير إلى سابع اقتصاد في العالم، وربما تحتل في العام القادم المرتبة الخامسة.

أين ستذهب النظريات الاقتصادية التي نظمت الاقتصاد العالمي طوال القرون الماضية، عندما كانت الخدمات قطاعا ضئيلا في الاقتصاد لا يكاد يذكر، وعندما كان الثراء يعتمد على الذهب والفضة، وعندما دخلت العملة الورقية في القرن التاسع عشر اعتبرها كثيرون سرقة ترعاها الدولة؟

يبدو أن معظم الدول مدمنة على ممارسة السياسات الاقتصادية القديمة، فمازالت اليابان على سبيل المثال تقدم إعانات كبيرة لمزارعي الأرز، ولكن مازال الأرز الياباني غالي الثمن بعشر أضعاف الأرز الأسترالي.

ولم تفد الحماية قطاع الزراعة، وكان المستفيد الوحيد من الدعم هو شركات البناء والمقاولون والموظفون في حين أن المزارعين يتناقصون، ولم يعد يعمل في الزراعة سوى كبار السن.

ورغم  توقف الإعانات لمزارعي التوت فإن صناعة الحرير اليابانية مزدهرة جدا، وضخت الحكومة اليابانية عام 2003 أكثر من مائتي مليار دولار لأجل دعم الدولار وتخفيض الين، ولكن بقي الدولار ضعيفا وظل الين قويا.

"
العالم يشهد تحولات كبرى وراديكالية منذ منتصف الثمانينيات، مثل تحولات الاتحاد السوفياتي وثورة الحاسوب والاتصالات، نشأ تبعا لها اقتصاد جديد مختلف عن السابق بدرجة كبيرة
"
وكان المستفيد الوحيد هو الخزينة الأميركية، وأما دافع الضريبة والاحتياطي الياباني فقد تعرضا لإرهاق شديد، وقد وقعت الحكومة اليابانية في هذا الفخ لأنها كانت تتخذ قراراتها بناء على بديهيات علوم الاقتصاد القديمة ومن خلال الذهنية الاقتصادية للدولة القومية لتصدير الصناعات، وليس منح المستهلك فرصة الاستمتاع بالين القوي.

ولكن في النموذج الاقتصادي الجديد فإنه للمرة الأولى في تاريخ الإنسانية لم يعتمد الازدهار والغنى على الثروة الموجودة، فلم يعد النموذج البريطاني القائم على الصناعة والفحم الحجري أو النموذج الأميركي القائم على الموارد الطبيعية والابتكار مصدر الثروة.

ولكن نماذج النجاح اليوم تبدو في فنلندا وأيرلندا على سبيل المثال، حيث استطاعت هاتان الدولتان قليلتا عدد السكان والنائيتان وبعد مجاعات وأوبئة مدمرة، بناء اقتصاديات مزدهرة ومتقدمة.

الاقتصاد الجديد
لقد ترسخت الأنظمة الاقتصادية عبر مسيرة الدولة الحديثة ونشأت حول الدولة كثير من السياسات والتشريعات مثل الحماية والجمارك والضرائب وتوجيه الاقتصاد والاستيراد والتصدير، ولكن الدول القومية أخرت التطور الاقتصادي، فالاقتصاد يقوم على المناطق وليس على الأمم، ففي الصين على سبيل المثال هناك تقدم اقتصادي كبير في بعض المناطق، وهناك فقر وتخلف في مناطق صينية أخرى.

وشهدت الدولة القومية تحديات جديدة في عالم الاتصالات والعولمة جعلت مراقبة الحدود عملية مختلفة عما كانت في السابق، فالتجارة والاقتصاد يتحرك عبر الإنترنت والفضاء بعيدا عن السلطات، ويتبع ذلك بطبيعة الحال استقلال الاقتصاد عن الدولة والنظام السياسي.

وتمكن على سبيل المثال ملاحظة أن مدينة مثل دبي المزدهرة اقتصاديا، هي مدينة يقوم ازدهارها على منظومة من الشركات والأعمال حول العالم، ويشغل بناها مجموعة كبيرة من الموظفين والعاملين من جميع أنحاء العالم، وهذا التنوع نفسه موجود في سنغافورة ويفسر سبب نجاحها.

هذا التطور الاقتصادي يؤدي إلى تشويه محتوم للدولة القومية لصالح الإقليم، وفي الواقع فإن علم الاقتصاد والتكنولوجيا يقومان بتقوية مقياس جديد للطبيعة الجغرافية السياسية.

وتمثل الهند نموذجا دراسيا في التباينات الاقتصادية والسياسية في الدولة الواحدة، ففي مدن مثل بنغالور وحيدر أباد تجد مراكز تجارية كبيرة ومشروعات اقتصادية وتقنية متقدمة ومزدهرة، تقود وظائف الأعمال التي تتم في الخارج بهدف تقليص كلفة الإنتاج على حساب الشركات الأميركية والأوروبية.

وقد أصبحت بعض أقاليم الهند جزءا من الشركات العالمية، ومن المدهش أن إحدى الحكومات المحلية التي يسيطر عليها حزب شيوعي هي التي كانت وراء هذه التحركات.

كيف وافقت الحكومة الشيوعية في الصين على رعاية المناطق المزدهرة وتشجيعها، في حين أن مناطق أخرى قريبة منها ترزح تحت وطأة الفقر؟

يعود ذلك إلى التفويض الذي يتمتع به حكام المقاطعات للتصرف.

"
ترافق هذا النمو الاقتصادي السريع أزمات كبرى مثل الهجرة والتلوث والصراع العرقي، إذ لا يعني التقدم الاقتصادي أن الوضع مثالي، ولكن هذه المشكلات تشكل تحديات يمكن مواجهتها
"
وبالطبع فقد رافقت هذا النمو الاقتصادي السريع أزمات كبرى مثل الهجرة والتلوث والصراع العرقي، فلا يعني التقدم الاقتصادي أن الوضع مثالي، ولكن هذه المشكلات تشكل تحديات يمكن مواجهتها أيضا.

وستشكل هذه المواجهة أنظمة اجتماعية واقتصادية مع الزمن تكون أكثر استجابة وتكيفا مع التحولات السريعة الجارية، ولكن يبقى سؤال مطروحا بإلحاح، وهو بأي حق يتمسك الإقليم بالثراء الذي أنتجه، وإلى أي حد يمكنه مشاركة الدولة الأم في الازدهار؟

فما من إقليم يستطيع حل مشاكله بنفسه أو يستطيع أن يستغني عن التعاون والمشاركة مع الأقاليم الأخرى، وتحتاج الدول والأقاليم إلى مرونة واسعة وتسويق مشروعاتها ومنتجاتها وخدماتها.

واليوم يمكن ملاحظة ماركات عالمية وثقافة أعمال عالمية تنشئ طبقة عالمية متشابهة في الثقافة واللغة والمصطلحات والسلوك أيضا، ووجود بطاقات وبرامج الصرف المؤتمنة حول العالم، وبطاقات الائتمان، وبرنامج موقع الأقمار الصناعية العالمية لتوفير المعلومات للسائقين والمسافرين ورجال الأعمال وتوفير فرص الأمان والتعقب.

وتلعب عملية القيام بأعمال خارج البلاد الهادفة إلى تقليص كلفة الإنتاج دون أن يؤثر ذلك على جودة المنتج، دورا جديدا ومتناميا في الاقتصاد العالمي الجديد.

ويتم ذلك بطريقتين: نقل مراكز ومواقع العمل أو نقل العمليات الوظيفية إلكترونيا عبر البحار إلى دول وأقاليم أخرى مثل الهند والصين، كما فعلت جنرال إلكتريك وأمازون وسيتي بنك وغيرها من الشركات العالمية العملاقة.

وتزدهر اليوم في الهند شركات تقدم خدماتها إلى ما وراء البحار، وهي خدمات مهنية في البرمجة والمحاسبة والطب بتكاليف أقل منها في الغرب أو اليابان أو الخليج العربي.

فتكلفة تدقيق برامج الحاسوب في بريطانيا تصل إلى مائة ألف جنيه، يمكن تحقيقها في الهند بكفاءة مهنية عالية بثلاثين ألف جنيه.

وتزدهر أيضا الأعمال من خلال المنازل، ويمكن الاستفادة من فروق التوقيت لتأمين خدمات متواصلة على مدار الساعة.

وتفيد أعمال المنازل أيضا في أعمال إضافية يجري التعاقد بشأنها دون تفرغ، ويمكن أن تشارك فيها الزوجات وربات المنازل.

إعادة تأليف الحكومة
كانت الحكومات تعتبر نفسها دائما مخزنا للقوى، ولكنها اليوم تفقد كثيرا من قواها، ففي العالم اللامحدود ستكون الحكومة المركزية القوية شيئا من الماضي.

وقد تحاول بعض الحكومات التمسك بوهم قواها غير أنها ستبدو سخيفة نوعا ما، وكلما حاولت استخدام أدواتها التي لم تعد تعمل تبدو أكثر ضعفا وإثارة للشفقة.

فعلى الحكومات والسياسيين طرح مثل هذه الأسئلة على أنفسهم: هل تشجع الحكومات دوما شعبها على التفكير إيجابيا على صعيد التفاعل مع دول العالم الأخرى؟ هل تمنع البيروقراطية المفرطة الحكومات والأقاليم من أخذ المبادرات؟

هل توجد الحوافز الصحيحة في مكانها لتعزيز المبادرات؟ هل توجه دول العالم رأس المال الحيوي والتكنولوجيا الجديدة والشركات النشيطة إلى بعض الأقاليم لكونها أكثر جاذبية من أقاليم أخرى؟

"
التحول إلى العصر الجديد يتطلب من الحكومات أن تتمتع بالبصيرة لتكوين نظرة بعيدة المدى تملي على كل قطاعات المجتمع كيفية تصرفها لجعل هذه النظرة حقيقة، ولتبيان مدى أهميتها بالإضافة إلى إظهار ما تقدمه لهم
"
هل يمكن خلق عدد كاف من الشركات الناجحة والمنافسة؟ هل توجد سلسلة طلبيات جيدة وواضحة لا يتم اعتراض سبيلها؟ هل يقوم سماسرة في المركز بإعطاء الأوامر المختلفة وإرسال الرسائل المتناقضة؟ هل تعارض أية مجموعة مميزة المصالح أو المجموعات السياسية المبادرات التي تتخذها الأقاليم؟

تقوم اليوم معركة فكرية بين الحكومات القديمة وبين الحكومات الجديدة، ففي الحكومات القديمة يتعلق دور الحكومة بتوزيع الثراء والازدهار، فهي تقوم بحماية الشركات المحلية والشعب والأقاليم التي تعتبر محرومة أو سريعة التأثر، وتقلقها حماية صناعتها الوطنية.

وتقوم الحكومات الجديدة على أساس فكرة مختلفة جذريا عن سابقتها، فهي لا تتدخل في الأعمال بل تسمح لها بالقيام بواجباتها، وتقوم خدماتها الفضلى على جذب رأس المال لتفادي استعمال أموال مسددي الضرائب، واستقبال الشركات التي تقدم فرص العمل بحيث تقلل من الإعانات التي تدفعها الحكومة.

كان ثراء الدول يقوم على القوة العسكرية والاحتلال، وفي الثورة الصناعية قام الثراء على التكنولوجيا، ثم تشكل نموذج اقتصادي يعتمد على ممارسة التجارة مع دول أخرى.

ولكن الوضع اليوم مختلف، فلم تعد مسألة امتلاك الدولة صناعة أو أسواقا محلية مسألة مهمة وأساسية، فالمهم هو امتلاك يد عاملة مثقفة ومتحمسة على صعيد الصناعة واستعمال الحاسوب وتأمين الخدمات المهنية.

وتعتبر هذه الموارد أكثر أهمية من مناجم المعادن والموارد الطبيعية، وهي شرط أساسي للاستثمار والمشاركة في الاقتصاد العالمي الجديد.

وهذا يحول من وظيفة الحكومة إلى الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص من أجل توليد الازدهار، وليس فقط إنشاء البنى التحتية، فقد قامت مشاريع واسعة النطاق تختص بالبنية التحتية الملتبسة الاستعمال واقتصرت فوائدها على تعزيز المتعهدين المحليين ومجموعات أخرى لها مصالح مميزة.

ولذلك فإن التحول إلى العصر الجديد يتطلب من الحكومات أن تتمتع بالبصيرة لتكوين نظرة بعيدة المدى تملي على كل قطاعات المجتمع كيفية تصرفها لجعل هذه النظرة حقيقة، وتبيان مدى أهميتها بالإضافة إلى إظهار ما تقدمه لهم.

وهذه ليست مهمة سهلة، فنحن نعيش اليوم في عالم غير محدود، وصلتنا بالتكنولوجيا عميقة جدا تجعلنا نعيش في متاهة.

وتزداد أهمية وإلحاح الثراء لأن النمو المستقر لمعدل الفائدة لم يعد كافيا لضمانة تقاعد آمن عند انتهاء مدة عملك، فعلى الحكومات أن توفر نظرة تجذب المستثمرين العالميين وتنتج عنها مضاعفات كثيرة.

المصدر : الجزيرة