عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
يقدم هذا الكتاب قراءة معمقة وموثقة وتفصيلية لأطروحة مشتهرة، وهي الإغفال الغربي المتعمد لمساهمة الحضارة العربية الإسلامية في التقدم الغربي.

ويحاول أن يستكشف إجابات عن السؤال الكبير: لماذا دأب علماء وبحاثة وأكاديميون وسياسيون غربيون على التقليل من دور الإرث العلمي العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية؟

-الكتاب: الدين الخفي للحضارة الإسلامية
-المؤلف: صالح الجزائري
-الناشر: دار الحكمة، لندن
-عدد الصفحات: 526
-الطبعة: الأولى 2006

بيد أنه على هامش التيار الرئيسي للأدبيات الغربية المنكر للمساهمة العربية أو المقلل لها, برزت أصوات غربية منصفة -كما يؤكد المؤلف- أعطت العلماء والمبدعين العرب في العصور الوسطى حقهم ومكانتهم، واعترفت بأن ما أنتجوه شكل الأساس المؤسس لحضارة الغرب. ويقتبس عن عدد كبير من هؤلاء المنصفين مقولات بهذا الاتجاه.

فعلى سبيل المثال يقول لومبارد "عندما كنا في الغرب نعيش في البرية كان الإسلام يشع بالضوء والازدهار".
 
وعلى ذلك ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء: يغوص أولها في "منهجية الإنكار" التي وسمت التعامل الغربي مع الإرث العربي الإسلامي ويحللها ويفند طروحاتها ويفكك آلياتها.

ويبحث الثاني في أصول التأثير الإسلامي على الحضارة الغربية, في حين يفصل القسم الثالث في حقول التأثير واتساعها.

"
عداء أوروبا المسيحية للإسلام وقوته ونهوضه المستمر كان وراء محاولة إنكار المساهمة الإسلامية في الحضارة الغربية
"
لماذا الإنكار وكيف؟
يرى المؤلف أن النظرة الغربية للمساهمة الحضارية العربية الإسلامية في ميدان التقدم الإنساني في قرون الازدهار الإسلامي لم ترتق يوما ما إلى أن تكون موضوعية.

ذلك أن الحكم عليها لم ينطلق من معايير علمية نزيهة، وإنما ارتبطت تلك النظرة بالعلاقة السياسية بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي, وحكمتها عقدة العداء المتبادل.

لذلك وكما يرى المؤلف, فإن عداء أوروبا المسيحية للإسلام ولقوته ونهوضه المستمر كان وراء محاولة إنكار المساهمة الإسلامية في الحضارة الغربية.

وفي مرحلة لاحقة -في قرون الاستعمار الأوروبي- تكرس الإنكار الأوروبي للدور العربي الإسلامي على أسس جديدة.

فهنا تفادى المستعمرون الاعتراف بأي ماض مزدهر للعرب والمسلمين لأن ذلك سيتعارض مع الأطروحة الاستعمارية القائلة بأن أوروبا ترسل جيوشها إلى الشرق المتخلف كي تساعده على التحضر والتمدن.

فإن كان تاريخ الشرق مليئا بالازدهار والتقدم فإن ذلك يعني أن شعوبه ليست بدائية أو متخلفة بالطبيعة, وأنه بإمكانها أن تعاود النهوض.

تعددت آليات إنكار الدور الإسلامي كما يرصدها المؤلف، لكنه يرى أن أهمها تضمن تضخيم الدور الإغريقي في بنية الحضارة الأوروبية الحديثة.

فهنا كانت الآلية هي التغافل عن خمسة قرون من التقدم الإسلامي والحضارة التي جاءت إلى أوروبا وعليها انبنى التقدم الحديث. فكان أن حذف الأوروبيون هذه القرون الخمسة وقفزوا مباشرة إلى "الأصول الإغريقية" للحضارة الأوروبية.
 
ورغم أن تلك الأصول لم تصل إلى الغرب إلا عن طريق العرب والمسلمين الذين ترجموها ونقلوها ثم نقدوها وأضافوا عليها وأنتجوا الكثير بعيدا عنها, فإن كل ما أقر به كثير من الأوروبيين هو أن دور العرب لم يتعدَّ "الترجمة".

وهكذا اختزلت قرون الإبداع العربي الإسلامي في عملية "الترجمة" وحسب. ويرى المؤلف أن كل الإضافات العربية والإسلامية تم إنكارها أو سرقتها ونسبتها إلى الإغريق أو أوروبيي العصر الحديث.

فمثلاً نسب الغرب اكتشاف الدورة الدموية إلى هارفي رغم أنه من المعروف تاريخيا أن ابن النفيس هو الذي اكتشفها. كما أن علوم البصريات التي أبدع فيها ابن الهيثم نسبت في مجملها إما إلى الإغريق أو الأوروبيين.

ونفس الأمر يُقال حول كروية الأرض التي تنسب لكوبرنيكوس وغاليلو فيما كان جغرافيو العرب قبلهم بقرون قد كتبوا عن كروية الأرض وأنها تدور حول نفسها وتدور حول الشمس في آن معاً.

"
الكثير من النظريات التي صاغها علماء عرب ومسلمون لتدحض نظريات علمية إغريقية، قد تم تبنيها من قبل أوروبا الحديثة باعتبارها إرثا إغريقيا في ذاتها
"
بل إن الكثير من النظريات التي صاغها علماء عرب ومسلمون لتدحض نظريات علمية إغريقية، قد تم تبنيها من قبل أوروبا الحديثة باعتبارها إرثا إغريقيا في ذاتها.

الآلية الثانية في طمس المساهمة الإسلامية تتمثل في الإغفال المتعمد والمنظم للدور الإسلامي بما ينشئ تيارا من الأدبيات مع مرور السنين لا يتضمن أية إشارة إلى ذلك الدور, وبذلك تترسخ "حقائق" تاريخية جديدة.

وعلى هذه الآلية تنبني آلية أخرى هي التركيز على صيرورة التطور الداخلي للغرب والإبداع الذاتي بعيدا عن تأثيرات ومؤثرات الحضارة العربية والإسلامية.

ويصبح الغرب مبدعا بالتعريف وبكونه غربا، فعلوم وطب ابن سينا والرازي والبيروني التي قام عليها طب وصيدلة أوروبا الحديثة لم يعد لها أثر في الأدبيات الغربية المتراكمة المليئة بالاقتباسات والإعادات إلى غالينوس والطب الإغريقي الذي لم تعرفه أوروبا إلا عن طريق العرب, كما أنه لم يشكل إلا جزءا بسيطا مما توصل إليه العلماء العرب والمسلمون بشكل عام.

بل إن البيروني -على سبيل المثال- كان قد استهزأ ببعض علوم غالينوس الذي قال إن نوعا من الأفاعي يسبب الموت عن طريق النظر أو الفحيح, وقال: كيف لغالينوس أن يعرف ذلك وقد مات كل من نظر إلى تلك الأفاعي؟

مصادر التأثير الإسلامي
يفرد المؤلف الجزء الثاني من كتابه لمتابعة مصادر التأثير الإسلامي في الحضارة الأوروبية، ويقسمها إلى ثلاثة: الأفراد, والأماكن, والترجمة.

وضمن الأفراد يدرس المؤلف دور العلماء سواء العرب والمسلمين أو الأوروبيين الذين تأثروا بالحضارة الإسلامية وجاؤوا إلى جامعاتها وتعلموا العربية ثم رجعوا إلى الحواضر الأوروبية.

كما يدرج أدوار الرحالة والتجار والطلبة والحجاج في نقل المعرفة العربية الإسلامية إلى أوروبا، فقد كان هؤلاء جميعا بمثابة رسل للحضارة الإسلامية. وُيضاف إليهم دور المترجمين والوسطاء اليهود في الحضارة الإسلامية الذين أتقنوا العربية واللغات الأخرى وترجموا العلوم الإسلامية إليها.

وينقل المؤلف عن مؤرخين أوروبيين وصفهم ليهود الحضارة الإسلامية بأنهم كانوا "مخازن الحكمة العربية", وهم الذين نقلوا تلك الحكمة إلى مدن جنوب أوروبا في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا.

كما أن دور الملوك والأمراء والدواوين السلطانية في نشر المعرفة الإسلامية كان بالغا. فقد اهتم الحكام المسلمون بالعلم بشكل منقطع النظير, وتفاخروا برعاية العلم والعلماء والإشراف على البعثات والإرساليات العلمية وبناء المكتبات ورعاية الترجمات.

أما الأماكن والمناطق التي مثلت مصادر هامة من مصادر التأثير الإسلامي في الحضارة الأوروبية فتشمل كل نقاط التماس الجغرافي التي اختلط فيها العرب والمسلمون بالأوروبيين.

ويسلط المؤلف الضوء على دور الموانئ في شمال وجنوب البحر المتوسط مثل صقلية وجنوا وجنوب فرنسا.

يفصل المؤلف في موقع ووظيفة كل واحدة من هذه المدن والمناطق, ويتابع كيف انتقلت علوم العرب والمسلمين عبر العقود وبتناغم وئيد ومدهش.

والمهم في هذه المسألة أن الإقبال على العلوم العربية والاعتراف بها من قبل مجتمعات هذه المدن وقادتها وعلمائها، امتاز بعدم التردد. بل كان ثمة نهم عند كثير من الحكام مثل فريدريك الثاني ملك صقلية بعد انتهاء الحكم الإسلامي فيها في القرن الحادي عشر, والذي كان بلاطه نموذجاً منقطع النظير لتشجيع المعرفة والعلم والاقتباس عن العرب.

"
فريدريك الثاني كان منبهرا بالحضارة العربية وما خلفته مقارنة بظلام أوروبا, وأحاط نفسه بعلماء متبحرين في علوم العرب والتحضر الإسلامي
"
ويذكر المؤرخون أن  فريدريك الثاني كان منبهرا بالحضارة العربية وما خلفته مقارنة بظلام أوروبا, وأحاط نفسه بعلماء متبحرين في علوم العرب والتحضر الإسلامي.

المصدر الثالث من مصادر التأثير الذي يرصده المؤلف تمثل في الترجمة. وفي هذا الحقل الذي كان العرب قد أبدعوا فيه عندما ترجموا العلم الإغريقي, أكملوا مسيرة الحفاظ على العلوم والإضافة عليها عن طريق نقل علومهم من العربية إلى اللاتينية.

ويقول المؤلف إن حركة الترجمة من العربية نشأت أول ما نشأت في طليطلة في القرن الثاني عشر. وقد أدرك المسيحيون الكاثوليك مقادير القوة والمعرفة التي تحتويها العلوم العربية والإسلامية وكيف يمكن الاستفادة منها.

والمفارقة الكبيرة في هذه المسألة أن العلماء والمترجمين الأوروبيين كانوا على إدراك يقين بمقدار تفوق العرب, وأنه من دون استيعاب ونقل ذلك التفوق فإن أوروبا ستظل تعاني من تخلفها.

ويقتبس المؤلف عن أحد المؤرخين الأوروبيين -ويدعى غرانت- قوله "لقد كان العلماء اللاتينيون في القرن الثاني عشر على يقين مؤلم بأن حضارتهم متخلفة بمراحل عن حضارة الإسلام في حقل العلوم الطبيعية والفلسفة.

وقد واجهوا خيارا واضحاً: إما أن يتعلموا من تفوق العرب أو يستمروا في تخلفهم. وقد اتخذوا قرار التعلم وأطلقوا حملة واسعة للترجمة وبأقصى مدى واستطاعة ممكنة.

ولو اعتبر أولئك العلماء أن حضارتهم مساوية لحضارة العرب وأنه لا حاجة بهم إلى الترجمة، لربما ما رأينا الازدهار العلمي الذي وصلته أوروبا فيما بعد".

يورد المؤلف قوائم تحتل أكثر من عشر صفحات كلها عناوين أمهات الكتب العربية التي ترجمت إلى اللغات الأوروبية منذ القرن الحادي عشر والثاني عشر فصاعدا, والتي قد شكلت الجسر الذي وصل أوروبا الحديثة بالإنتاج العلمي العربي وكذلك الإغريقي.

وتتضمن أسماء لكتب عديدة مؤلفوها مجهولون, وكتب معروفة في الطب, والفلك, والرياضيات, والفلسفة, والطبيعة, والمنطق, والعمارة, والفن. وقد ترجمت تلك الأعمال إلى اللاتينية والعبرية, والأسبانية, وغيرها.

ويخلص المؤلف إلى أنه من لا يعترف بمساهمة الحضارة العربية الإسلامية الكبرى في التأسيس لحضارة الغرب التي نراها اليوم فإنه جاحد وغير موضوعي.

والعلماء الغربيون المنصفون الذين أقروا بتلك المساهمة ما زالوا وما زالت مقولاتهم تقع على هامش التيار الرئيسي في العالم الغربي, وإن جهودا علمية وأكاديمية وثقافية هائلة يجب أن تبذل حتى تنتقل تلك المقولات إلى قلب هذا التيار.

وإن مثل هذا الانتقال سيساهم في خلق العلاقة الصحية المأمولة بين الغرب والشرق المبنية على الاحترام وليس الاحتقار.

المصدر : الجزيرة