عرض/علاء بيومي
تنبع أهمية هذا التقرير من صدوره عن خدمة أبحاث الكونغرس، وهي مركز أبحاث تابع للكونغرس الأميركي يعكف على إمداد الأعضاء بتقارير حديثة عن أهم القضايا المثارة لدى صانع القرار الأميركي بما يمكن أعضاء الكونغرس من بناء قراراتهم على أسس علمية رصينة.

كما تتميز تقارير المركز بدقة معلوماتها وبحرص الباحثين القائمين على تأليفها على الموضوعية القائمة على شرح الرأي والرأي الأخر حتى لو احتوى ذلك على نقد لسياسات الحكومة.

أضف إلى ذلك كون التقرير صادرا حديثا (يوم 21 من يوليو/تموز الحالي) بهدف تزويد أعضاء الكونغرس بأفضل تحليل ممكن للسياسة الأميركية تجاه الأزمة الناجمة عن الهجمات الإسرائيلية على لبنان وعلى الأراضي الفلسطينية.

- العنوان: إسرائيل وحماس وحزب الله.. الصراع الراهن
- المؤلف: جيرمي شارب وآخرون
- عدد الصفحات: 41
- الناشر: خدمة أبحاث الكونغرس، واشنطن
- الطبعة: الأولى/21 يوليو 2006

منهج التقرير

يجب في البداية الإشارة إلى أن التقرير الراهن لا يهدف إلى تقييم السياسة الخارجية الأميركية تجاه الهجمات الإسرائيلية على لبنان وعلى الأراضي الفلسطينية من حيث مدى ارتباط هذه السياسة بمصالح أميركا الإستراتيجية، كما أنه لا يسعى لشرح أسباب هذه السياسة وتأثيرها على مصالح أميركا على المدى البعيد.

في المقابل يسعى التقرير إلى توعية أعضاء الكونغرس بتفاصيل ما يجري حولهم وبدور الأطراف المختلفة في الأزمة الراهنة بما في ذلك الولايات المتحدة، كما يرمي لتحديد دور الكونغرس وللتنبؤ ببعض التحديات التي قد تواجه أميركا ومن ثم صانع القرار الأميركي بسبب الأزمة الراهنة في المستقبل المنظور.

لذا يبدأ التقرير بتقديم خلفية عن أسباب الصراع الدائر، كما يتحدث عن أطرافه وعن مصالح كل طرف، وعن السياسة الأميركية تجاه كل طرف، وعن الجهود الدبلوماسية المبذولة لاحتواء الأزمة، وينتهي التقرير بالحديث عن دور الكونغرس وبمحاولة لاستشراف المستقبل.

مساندة أميركية رسمية لإسرائيل
يتحدث التقرير عن مساندة الحكومة الأميركية لإسرائيل بأسلوب وصفي لا يسعى لتقييم تلك المساندة بقدر ما يسعى لإثبات وجودها، من خلال الحديث عن تصريحات الرئيس الأميركي القائلة إن سبب الأزمة الراهنة هو حزب الله وإن هجماته على إسرائيل تمت بإيحاء من سوريا وإيران.

كما يشير في بدايته إلى "أن العديدين في المجتمع الدولي طالبوا بوقف فوري لإطلاق النار، في حين امتنع المسؤولون الأميركيون عن مساندة هذا الطلب أو المشاركة في دبلوماسية مكوكية، بينما كانت إسرائيل تقوم بحملاتها العسكرية المكثفة لإضعاف حزب الله".

ويتحدث التقرير عن وحدة الكونجرس خلف موقف الرئيس الأميركي في الأزمة الراهنة، كما يشير إلى أن مشاريع القرارات المختلفة التي طرحت بالكونغرس أجمعت على مطالب أربعة وهي "دعم دولة إسرائيل، ودعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ودعم حق إسرائيل في اتخاذ الفعل المناسب لردع العدوان عليها، ومطالبة الرئيس الأميركي بالاستمرار في تقديم الدعم الكامل لإسرائيل في الوقت الذي تمارس فيه إسرائيل حقها في الدفاع عن نفسها في لبنان وغزة".

وتجب هنا الإشارة إلى أن بعض أعضاء مجلس النواب الأميركي قدموا مشاريع قرارات مغايرة تطالب بوقف فوري لإطلاق النار، كما تطالب الإدارة الأميركية بالمشاركة في مفاوضات متعددة الأطراف بدون قيود مسبقة من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط.

وكما ذكرنا من قبل لا يشرح التقرير أسس السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، كما أنه لا يقيمها من حيث تأثيرها على المصالح الإستراتيجية الأميركية، لكن ذلك لا يعني أن التقرير خال من النقد للسياسة الأميركية والإسرائيلية، إذ يحتوي على نقد نابع من سعيه لشرح وجهات النظر المختلفة تجاه الصراع الدائر.

وذلك يجعل التقرير –إذا تمت قراءته بعناية– مصدرا لعدد من الحجج الهامة الناقدة للسياسة الأميركية الداعمة لإسرائيل.

خلاصة الحجج السابقة التي يمكن قراءتها بين سطور التقرير هي أن الدعم الأميركي لإسرائيل قائم على عدد كبير من المتناقضات من شأنها تقويض إستراتيجية أميركا الرامية إلى مكافحة الإرهاب، وتقويض الدور الأميركي في إحلال السلام بالشرق الأوسط، إضافة إلى تعقيد مواقف أطراف الصراع الدائر بالشرق الأوسط.

"
السياسات الإسرائيلية والمساندة الأميركية لها يفقدان أميركا وإسرائيل معا الدعم الدولي المطلوب لوضع حل دولي مناسب للأزمة
"
تناقضات السياسة الإسرائيلية
التناقض الأول ينبع من صعوبة تحقيق الأهداف الإسرائيلية ذاتها الساعية إلى "تدمير قدرة حزب الله على مهاجمة أهداف إسرائيلية" حيث يرى التقرير أن الهدف السابق لن يتحقق من خلال الهجمات الجوية الإسرائيلية وحدها.

كما أن تدمير قدرات حزب الله الهجومية يتطلب مشاركة قوات برية ولو محدودة في عمليات داخل الحدود اللبنانية.

أكثر من ذلك يرى التقرير أن نجاح العمليات العسكرية الإسرائيلية لن يحول دون عودة حزب الله بسبب طبيعته التنظيمية، وبسبب ما يتمتع به من دعم محلي.

ويستبعد التقرير إمكان أن تقوم إسرائيل بغزو واسع للبنان على غرار غزو عام 1982، وهو غزو لو تحقق قد لا يقود إلى القضاء الكلي على حزب الله.

كما يقول في مكان آخر إن إسرائيل تأمل في أن يقود هجومها على لبنان إلى دفع مزيد من اللبنانيين إلى الضغط على حزب الله لتغيير ممارساته، والاستجابة لمطالب إسرائيل.

ولكن التقرير يعود ليشير إلى أن الآمال الإسرائيلية السابقة تخاطر بتقوية الروابط المشتركة بين الفصائل اللبنانية في معارضتهم للتصرفات الإسرائيلية.

التناقض الثاني يكمن في أن السياسات الإسرائيلية والمساندة الأميركية لها يفقدان أميركا وإسرائيل معا الدعم الدولي المطلوب لوضع حل دولي مناسب للأزمة، إذ يرى التقرير أن مبادرة حزب الله بالهجوم على إسرائيل أعطت إسرائيل "فرصة لحصد التعاطف والدعم الدولي".

ولكنه يشير إلى أن السياسات الإسرائيلية سرعان ما جلبت نقد المجتمع الدولي بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وأطراف دولية أخرى عديدة رأت أن السياسات الإسرائيلية لا تتناسب مع حجم التحدي الذي تعرضت له إسرائيل.

كما يوضح التقرير في مكان أخر أن "غالبية الحكومات الأوروبية تعتقد أن أميركا قريبة أكثر من اللازم من إسرائيل، بشكل يعيق عملية السلام والاستقرار الدولي".

ويضيف أن بعض المراقبين الأوروبيين باتوا يؤمنون بأن "أميركا فقدت تأثيرها في المنطقة بسبب حرب العراق ودعمها لإسرائيل الذي عقد قدرة أميركا" على أن تلعب دور الوساطة لدى الدول العربية.

"
من تناقضات السياسة بأميركا أنها ضغطت على سوريا للخروج من لبنان ولخفض نفوذها داخله، وهي في نفس الوقت تطلب منها التدخل لممارسة النفوذ على حزب الله لوقف هجماته على إسرائيل، وتخطط للإطاحة بحكومتها
"
تناقضات السياسة الأميركية

إضافة إلى ما سبق يرى التقرير أن موقف الإدارة الأميركية تجاه عدد من الدول العربية الرئيسية المعنية بالصرع الدائر، متناقض ويأتي على رأس الدول لبنان ذاتها.

ومن ذلك أن الولايات المتحدة تدعم لبنان سنويا بمعونات اقتصادية تقدر بحوالي 35 مليون دولار سنويا في المتوسط منذ عام 2000، وهي مساعدات تأتي ضمن إستراتيجية الإدارة الأميركية لنشر الديمقراطية.

هذا إضافة إلى العلاقات السياسية الإيجابية التي تربط الحكومة اللبنانية بأميركا، وتوجه الشعب اللبناني الإيجابي نحو الغرب خلال الحرب الباردة، والوجود الملحوظ للأقلية اللبنانية الأميركية.

في المقابل تدعم أميركا الهجمات الإسرائيلية على لبنان بحجة أنها تخدم سياسة أميركا الساعية لمكافحة الإرهاب، وهي هجمات من شأنها إضعاف الديمقراطية اللبنانية النامية، مما يضع أهداف الإدارة الأميركية الإستراتيجية في موقع التناقض مع بعضها.

تأتي بعد ذلك السياسة الأميركية تجاه سوريا، حيث يشير التقرير إلى أن أميركا ضغطت على سوريا للخروج من لبنان ولخفض نفوذها داخله، هي في نفس الوقت تطلب منها التدخل لممارسة النفوذ على حزب الله لوقف هجماته على إسرائيل.

هذا إضافة إلى موقف الإدارة الأميركية الرامي إلى تغيير النظام السوري، في الوقت الذي تجد فيه نفسها مضطرة للتعامل معه لعلاج الأزمة الراهنة.

أضف إلى ما سبق تناقض الموقف الأميركي تجاه عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، حيث تشير التقارير إلى المنحى البطيء الذي اتخذته الإدارة الأميركية تجاه مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية رغم تحذير حلفاء أميركا من أن غياب التقدم في مفاوضات السلام قد يؤدي إلى صعود الجماعات المتشددة.

وبرغم ذلك استمرت الإدارة الأميركية في سياستها الداعمة للموقف الإسرائيلي وفي عدم الضغط لتنفيذ أي من مبادرات السلام التي أطلقتها، حتى أن الإدارة لم تعين مبعوثا دائما للسلام بالشرق الأوسط كما فعلت الإدارات السابقة.

أما بالنسبة لموقف حكومات الدول العربية وعلى رأسها مصر والسعودية والأردن التي اتخذت موقفا أوليا حمل حزب الله تبعات الوضع الراهن بسبب مبادرته بالهجوم على إسرائيل والتي اعتبرتها تلك الحكومات مغامرة غير محسوبة، فيرى التقرير أن موقف تلك الحكومات قابل للتغيير.

وهو قابل للتغيير في حالة استمرار الهجمات الإسرائيلية لفترة طويلة، وخاصة مع تشدد الموقف الأميركي المساند للسياسات الإسرائيلية، وتحت ضغوط الرأي العام العربي المعارض للهجمات الإسرائيلية، وحرص الحكومات العربية على إيجاد "حل سريع للصراع" يجنب لبنان مزيدا من الخسائر البشرية ومزيدا من الدمار بالبنية التحتية.

هناك أيضا تعارض إضافي داخلي نابع من أن الهجمات الإسرائيلية قد تعد خرقا لقوانين صادرات الأسلحة الأميركية التي تفرض استخدام الأسلحة الأميركية عند تصديرها إلى دول أخرى في أغراض دفاعية.

وهنا يشير التقرير إلى أن إسرائيل وضعت نفسها في أكثر من مرة بموقف خارق لتلك القوانين، ولكن التقرير أيضا أشار إلى أن الإدارة الأميركية لن تقدم في غالب الأمر على تنفيذ تلك القوانين ضد إسرائيل إرضاء للمطالب المحدودة المنادية بذلك.

"
الكونغرس قد يطالب بفرض عقوبات على حزب الله أو حماس أو سوريا أو إيران في المستقبل المنظور ردا على الأزمة الراهنة
"
دور الكونغرس واستشراف المستقبل
بالإضافة إلى موقف الكونغرس الأميركي المساند لإسرائيل، يشرح التقرير لأعضاء الكونغرس بأنهم قد يطالبون في المستقبل بزيادة المساعدات الأميركية لإسرائيل للمساعدة في تكلفة إعادة إعمار ما دمره القصف الإسرائيلي.

كما يشير أيضا إلى أن الكونغرس قد يطالب بفرض عقوبات على حزب الله أو حماس أو سوريا أو إيران في المستقبل المنظور، ردا على الأزمة الراهنة.

أما بالنسبة للمستقبل، فيخشى التقرير من أن يؤدي الصراع الراهن إلى تهديد مصالح أميركا في حالة تطوره في واحد من السيناريوهات الثلاثة التالية.

أولا: توسع الحرب إلى بلدان أخرى في الشرق الأوسط بسبب امتداد الحرب لسوريا أو نشوب صراعات بين الطوائف اللبنانية أو ثورة الفلسطينيين بالضفة الغربية، وهي عوامل قد تزيد فرصة وقوعها -كلما طالت- مدة الصراع الراهن، كما يرى التقرير.

ثانيا: تعرض أميركا لهجوم على أراضيها من قبل حزب الله أو جماعات شرق أوسطية أخرى، مشيرا إلى اعتقاد بعض المسؤولين الأمنيين الأميركيين بأن حزب الله لا يهدف إلى مهاجمة أميركا، ولكن التقرير يدعو في نفس الوقت للحذر وإلى تنبه سلطات تنفيذ القانون الأميركية في الفترة الراهنة.

ثالثا: يخشى التقرير من أن تقود الأزمة الراهنة إلى ارتفاع أسعار النفط بسبب نشوب صراعات تؤثر على أمن الخليج وهو مصدر 22% من الاستهلاك العالمي اليومي للنفط، أو إقدام دولة أو أكثر على إعلان حظر جزئي أو كلي على صادراتها النفطية، مما قد يؤثر على أسعار النفط بالارتفاع في هذه الفترة الصعبة.

المصدر : الجزيرة