عرض/ حسن السرات
مؤلفة كتاب "مغاربة في خدمة فرانكو" مارية روسا دي مادارياغا حاصلة على الإجازة في الفلسفة والآداب بجامعة كومبلوتينسي مدريد، وعلى دبلوم اللغة والأدب العربي من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس، وعلى شهادة الدكتوراه في التاريخ جامعة باريس، واشتغلت كموظفة دولية مدة أربع سنوات باليونسكو.

ولها إلمام واسع ومعرفة جيدة بتاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، ويشهد لها على ذلك عناوين مثيرة لمؤلفاتها مثل "إسبانيا والريف.. أحداث تاريخ شبه منسي"، و"المغاربة وفرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية"، و"خندق الذئب، حروب المغرب".

بالإضافة إلى مقالات متعددة عن العلاقات بين المغرب وإسبانيا نشرت بعدة مجلات إسبانية وأجنبية. وعندما تأزمت العلاقة بين الجارين التاريخيين حول جزيرة "المعدنوس/ تورة" نشرت في جريدة باييس يوم 17 يوليو/تموز 2002 نبذة مركزة عن الصخرة موضع النزاع التي احتلتها إسبانيا، وأوضحت أن إسبانيا لم تمتلك الصخرة قط.

- الكتاب: مغاربة في خدمة فرانكو
- المؤلف: مارية روسا دي مادارياغا
- ترجمة: كنزة الغالي
- عدد الصفحات: 304
- الناشر: منشورات الزمن، الرباط
- الطبعة: الأولى/2006

أكبر خطأ إسباني
ويتحدث كتاب "مغاربة في خدمة فرانكو" عن مشاركة الجنود المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية (1936/1939) التي قادهم إليها الجنرال فرانكو حينما تمرد على الحكومة الشرعية انطلاقا من الأراضي المغربية التي كانت خاضعة للنفوذ الإسباني.

تقول الكاتبة عن كتابها "إنه استمرار، إلى حد ما، لأطروحة الدكتوراه المكتوبة باللغة الفرنسية في الأصل والتي نشرت باللغة الإسبانية تحت عنوان "إسبانيا والريف.. أحداث تاريخ شبه منسي".

وزعت المؤلفة كتابها على فصول تسعة، فتناولت في الفصل الأول دخول الجيش الإسباني إلى المنطقة الشمالية من المغرب المعروفة بالريف، والمقاومة الأسطورية التي خلدت اسم المجاهد المغربي الكبير عبد الكريم الخطابي الذي دوخ الإسبان، ولم يتمكنوا من النيل منه ونفيه إلا بتآمر مع الاستعمار الفرنسي المحتل لباقي تراب المغرب، وخيانة المرتزقة المدنيين والعسكريين.

أما الفصل الثاني فتبسط فيه المؤلفة دمج جيش الاحتلال الإسباني للأجانب وعلى رأسهم المغاربة، لتنتقل في الفصل الثالث إلى تقديم صورة واضحة عن أصول المجندين الأجانب والمغاربة وفرارهم، وسلوكهم، وانتظامهم، ولباسهم، وهو ما أطلقت عليه عبارة "اللفيف الأجنبي أو عرسان الموت".

وتتابع في الفصل الثالث والرابع مراحل الصراع داخل إسبانيا بين الجمهوريين والانقلابيين الفرانكاويين والتجنيد المتسارع للمجموعات المغربية في جيش فرانكو.

وخصصت الفصول المتبقية لمواقف الوطنيين المغاربة من الحرب الأهلية وزج المغاربة فيها، وصور من الحرب الاستعمارية واستغلال عامل الدين لتغرير المغاربة والتلاعب بهم، وتختم كتابها باستعراض المحاولات المغربية لمنع تجنيد مغاربة ضمن جيش فرانكو.

وكانت لتلك المشاركة المغربية مخلفات سيئة وخطيرة على صورة المغرب والمغربي في الذاكرة الإسبانية، فترسبت لدى الجانبين المتحاربين صورة كريهة عن المغاربة الذين شاركوا في تلك الحرب، ومن هنا فإن عنوان الكتاب هو بمثابة تصحيح لصورة "الموروس الذين أتى بهم فرانكو"، و"الموروس" هو المصطلح الشعبي الذي ينعت به الإسبان المغاربةَ.

ويلقي الكتاب ضوءا ساطعا على الأهمية التي يحتلها المغرب بالنسبة لإسبانيا القرن العشرين، وهو يبين الأهمية التي اكتسبها الجيش في الحياة الوطنية الإسبانية بسبب المغرب.

ذلك أنه بفقدان إسبانيا لكوبا سنة 1898، لم يبق لها سوى المغرب كمشروع يدفعها إلى أن تحتل مكانا بين الدول الأوروبية التي كانت تتنافس على تقسيم المستعمرات. وتكونت لدى قادة الجيش عقيدة مفادها أن المغرب شأن خاص بالعسكر دون أي طرف آخر.

يقول الأستاذ محمد العربي المساري، الكاتب والصحافي المغربي والوزير السابق في الحكومة المغربية، وهو يقدم للكتاب في ترجمته العربية: "لقد كانت مشاركة الجيوش المغربية خلال الحرب الأهلية سنة 1936 إلى جانب فرانكو في رأيي، من بين العوامل التي عملت على تأجيج وترسيخ الصورة المتجذرة في المتخيل الجماعي لدى الشعب الإسباني.

بقيت تلك النظرة المرعبة ملتهبة مع مرور الزمن والتي واكبت المواجهات بين المسيحية والإسلام، بالإضافة إلى الأحداث الحربية المتتالية بعد ذلك في أواسط القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كحرب تطوان 1859-1860 ومليلية 1893-1909، ثم حرب الريف 1921-1926، كل هذا ساعد على تأليب الأحزان بصورة حادة بالإضافة إلى أحداث 1936.

إذ حينما كانت مليشيا العمال والفلاحين تدافع باستماتة عن الجمهورية، أي النظام الشرعي الذي اختاره الشعب، برز للوجود أمامها المورو، لكن هذه المرة في عقر دارها وليس فوق تراب أفريقيا".

ولقد تردد على ألسنة الإسبان باستمرار، لو أن الحكم الجمهوري منح الاستقلال، أو على الأقل الحكم الذاتي للحماية الإسبانية للمغرب، ما تمكن فرانكو من استخدام الجيوش المغربية التي ساهمت بقوة إلى جانب جيوش أخرى من "عسكر أفريقيان" وحققت له النصر خلال الحرب الأهلية سنة 1936.

لذلك قال بعض المؤرخين الإسبان: "إن أكبر خطأ ارتكبته الجمهورية الإسبانية هو أنها لم تعلن استقلال المغرب سنة 1931".

"
من الحيل التي اعتمد عليها الاحتلال الإسباني لتجنيد المغاربة وضمان ولائهم وحماسهم، استغلال المشاعر الدينية ضد الكفر والإلحاد والشيوعية، وإغراء المجندين بالجهاد في سبيل الله إلى جانب فرانكو "المؤمن"
"
"جهاد ضد الكفار" مع فرانكو
لقد استدعت العمليات العسكرية بإسبانيا تقوية صفوف الجيش في منطقة الحماية بتجنيد عدد إضافي من المغرب، ولقد انخرط المغاربة بكثافة في صفوف الجيش الإسباني، وكان ذلك بسبب سنوات الجفاف الأولى (1934-1935) وظروف سنوات الحرب الأولى (1937)، الأمر الذي سهل مأمورية ممثلي الاستعمار والحماية.

وبما أن ظروف العيش كانت سيئة في الريف، فقد تجند عدد هام من الريفيين في صفوف فرانكو منذ البداية هربا من البؤس والفقر.

ورغم الظروف الطبيعية والاقتصادية القاسية فقد قام القواد، وهم رجال السلطة الممثلة للاحتلال، بحملات توعية وتحسيس واسعة لتجنيد الريفيين، وحاولوا إقناعهم بأن ذلك "جهاد إلى جانب فرانكو من أجل تطهير إسبانيا والمغرب من الكفار الذين لا رب لهم".

كانت صورة فرانكو تجسد المحرر والمطهر، والجمهوري هم المعتدون الملحدون. وحسب البحث الهام الذي أنجزه الكولونيل خوسي ماريا كاراتي قرطبة بلغ عدد الجنود المغاربة 62271. وقد أبدت قبائل غمارة وجبالة ووسط الريف مقاومة ضد هذه المشاركة، مما حدا بالسلطات الفرانكاوية إلى اتخاذ تدابير تجبرهم على ذلك.

من الحيل التي اعتمد عليها الاحتلال الإسباني لتجنيد المغاربة وضمان ولائهم وحماسهم، استغلال المشاعر الدينية ضد الكفر والإلحاد والشيوعية، وإغراء المجندين بالجهاد في سبيل الله إلى جانب فرانكو "المؤمن".

تنقل الكاتبة شهادات تاريخية نشرت في الصحافة الإسبانية يومذاك حول مسار تجنيد المغاربة واستغفالهم بالدين، ومن الشهادات التاريخية شهادة مجنديين مغربيين يعترفان فيقولان: "يأتي الأهالي إلى إسبانيا بدون حماس رغم الوعود بأنهم سيقتلون اليهود ويستعيدون مسجد قرطبة بعد الإعلان عن استقلال المغرب. جاء إلى إسبانيا 40 ألفا منهم.. حينما تجندوا أعطوهم 4 بسيطات، أما الآن فلا يحصلون على أي شيء، وكل ما يبعثونه لأسرهم إنما هو ما حصلوا عليه من النهب والسرقة".

وروج الفرانكاويون للذهاب لإسبانيا بفكرة قتل اليهود، وذلك للقضاء على "اليهود الماسونيين الماركسيين". وقليل هم المغاربة الذين كانوا يفهمون معنى الماسونية والماركسية في ذلك الوقت. بعبارة موجزة كان هؤلاء يعنون "الكفار".

معارضة الملك والوطنيين
أبدى زعماء الحركة الوطنية المغربية والملك محمد الخامس نفسه معارضتهم لدفع المغاربة في أتون صراع إسباني خالص ولا يجلب للمغرب ولا للمغاربة أي مصلحة، بل على العكس فإن آثار التجنيد ستظهر لاحقا وسيصعب القضاء عليها.

تستشهد الكاتبة بتصريحات الملك محمد الخامس في إحدى المناسبات الوطنية المغربية حيث قال: "نسجل بأسف وحزن الحرب التي تطحن بلدا جارا لنا، والتي يصل تأثيرها بموجب اتفاقية الحماية إلى جزء من ترابنا، ومما يعمق حزننا بالإضافة إلى الآلام والمصاعب التي يتكبدها رعايانا هناك، الأسى الذي نحسه لانخراطهم في حرب ليست موجهة ضد عدو لحكومة تربطنا بها علاقة، بل على العكس من ذلك تماما. وسجلنا بارتياح موقف فرنسا التي سعت في كل المراحل إلى تجنيب رعايانا الدخول في هذه المعركة العسكرية".

وفي المقابل، وكما يقع دائما في كل صراع، تقدم المؤلفة الوجه الآخر للخونة والمتعاونين مع الاستعمار المستعدين لتزييف صورته وإضفاء الصبغة الدينية عليه والدعاية لأخوة بين الذئب والحمل.

ومن نماذج رجال السلطة المؤيدين للفرانكاوية، تعرض المؤلفة لخالد الريسوني باشا العرائش وتسوق أقواله الدعائية لصالح فرانكو، ومنها "مسلمون وإسبان نقاتل كلنا من أجل قضية واحدة في سبيل الله من أجل إحلال السلام والأمن والاستقرار والثقافة والحضارة، إسبانيا والمغرب متحدان كرجل واحد من أجل القتال حتى الانتصار".

وهكذا سيجد المجندون المغاربة أنفسهم بين نيران مختلفة، نيران التطاحن الإسباني الداخلي على الحكم والاتهامات المتبادلة بين الفريقين، ونيران الرفض المغربي الشعبي والرسمي لتجنيدهم وعرابي الترحيل تحت أي ذريعة وبكل وسيلة.

"
ربطت صور المغاربة "المورو" بكل الأعمال البشعة لأنها في نظر الإسبان لا يمكن أن يمارسها إلا متوحشون، وحينما مورست في المغرب كان ينظر إليها على أنها طبيعية لأنها ضد "همج"، لكنها لم تقبل في إسبانيا لما مورست في بلد "متحضر" ضد أناس "متحضرين"
"
وحشية "المورو"
خلفت الحرب الأهلية الإسبانية صورة سيئة جدا للمغربي عند الفئات الشعبية الإسبانية، ويتوقف الكتاب قبل ذلك عند تقنيات القتال لدى المغاربة.

فقد أجمع المؤرخون الذين تناولوا الحرب الأهلية بالدراسة أن المغاربة كانوا متعودين على القتال في الفضاء، وكانوا لا يعرفون كيف يتحركون إذا ما دارت رحى المعارك في أماكن مغلقة كشوارع المدن أو بها مباني.

ويصف الكتاب حيل "المورو" و"الخطة الغادرة لقوات المورو" و"مكائد المورو" في المعارك. فقد كان المورو واللفيف يشكلون رأس رمح المعركة في بدايتها بكل ممارسات التقتيل والنهب والسفك.

كان المغاربة المنتمون للجيش الإسباني "عسكرا" على الخصوص رغم وجود بعضهم رقيبا، لكن عدد الضباط كان منهم قليلا جدا، وقد كان المغربي الوحيد الذي حصل على درجة عالية في جيش فرانكو هو محمد بن أمزيان بلقاسم الذي تابع دراسته بالأكاديمية العسكرية للمشاة بطليلطلة.

وتقول المؤلفة في هذا السياق "يشاع على الدوام أن جبروت المغاربة وتقتيلهم في إسبانيا إنما كان انتقاما لما حصل لهم في المغرب، وبسحقهم "للحمر" الإسبان إنما ينتقمون من العدو الغاصب عموما. لقد أطلقوا العنان لحقدهم وكراهيتهم وقتلوا بكل وحشية تلبية لرغبة الانتقام في صدروهم وإشفاء غليلهم من كل ما مورس عليهم".

وتعلق على ذلك قائلة "قد يكون ذلك صحيحا، لكن الجنود المغاربة ما كانوا ليرتكبوا كل ذلك العنف وكل تلك الجرائم لولا مباركة وأوامر مسؤوليهم، حيث وافق سلوكهم هوى رؤسائهم الذين كانوا يعتبرون الحرب ضد "الجمهوريين" امتدادا للحرب ضد "المورو المتمرد" في الريف. وهكذا بقيت سلوكات القوات المغربية الوحشية عالقة بأذهان الإسبان، وأفظعها التنكيل والبتر كجذع الأنف وقطع الأذن والخصيتين..".

ربطت صور المغاربة "المورو" بكل الأعمال البشعة لأنها في نظر الإسبان لا يمكن أن يمارسها إلا متوحشون. وحينما مورست في المغرب كان ينظر إليها على أنها طبيعية لأنها ضد "همج"، لكنها لم تقبل في إسبانيا لما مورست في بلد "متحضر" ضد أناس "متحضرين" لم يتم التعامل بنفس المقياس مع الريفيين "المتوحشين" والإسبان "المتحضرين".

الصورة والصورة المعاكسة
بذلت الكاتبة جهدا كبيرا جدا في إبراء المغاربة من الصورة السيئة التي يحملها جيرانهم الشماليون عنهم، لكنه يبقى جهدا فرديا ومحاصرا في ظل طغيان الهاجس السياسي بين المتنافسين الإسبان، خاصة الحزب الاشتراكي الحاكم حاليا، والحزب الشعبي المطاح به في الانتخابات الأخيرة.

وكلما توترت العلاقات بين المغرب وإسبانيا تتجدد الحياة في الأحداث التاريخية البعيدة بين البلدين وتسترجعها الأذهان، ويصعب إبعادها والتعامل مع الحاضر بسماحة الأندلس وتسامحها.

وإذا كانت الفئات الشعبية الإسبانية تحمل تلك الصورة البشعة عن المغاربة الذين لا يبذلون جهدا يذكر لتحسين صورتهم، فإن المغاربة أيضا يحملون صورة قبيحة عن الإسباني مقارنة مع المستعمر الفرنسي، وذلك ما يقتضي من المغاربة الحفر عن هذه الصورة وأصولها والسعي نحو تحسين الصورتين معا، صورة المغربي في ذهن الإسباني وصورة الإسباني في ذهنية المغربي.

المصدر : الجزيرة