عرض/فالح الخطاب
إذا كانت قناة الجزيرة رفعت ومنذ أيامها الأولى شعار "الرأي والرأي الآخر", فإن كتاب "الجزيرة وأخواتها" للإعلامي والمذيع في القناة محمد كريشان محاولة عملية في هذا الإطار.

ذلك أن الكتاب -وهو مجموعة مقالات كتبت في مناسبات مختلفة- يأتي في سياق واحد هو الدفاع عن حرية الرأي والتعبير من أي وعاء خرجت.

كريشان وإن بدا شديد الالتصاق بمؤسسة الجزيرة في رؤيته لمسائل حرية الرأي والتعبير، فإنه كان أكثر التصاقا بتلك الحرية في تجلياتها الأوسع باعتبارها قيمة لا يجوز القفز عليها أو إغفالها مهما كانت الأسباب.

- الكتاب: الجزيرة وأخواتها
- المؤلف: محمد كريشان
- عدد الصفحات: 168
- الناشر: اللجنة العربية لحقوق الإنسان، أوراب، الأهالي، باريس
- الطبعة: الأولى/2006

مصداق ذلك يتبين في دفاع الكاتب عن حريات كثيرة لا تتعلق بفضائية الجزيرة التي أصبحت معيارا للحريات الإعلامية منذ ظهورها منتصف العقد التسعيني الماضي، إذ دافع بشدة عن طيف واسع من الموضوعات في إطار حرية الرأي, وهي قضية شديدة التعقيد كشفت الأحداث -خصوصا في الحرب على العراق- خطورتها والقيود الحقيقية المفروضة عليها في إطار أوسع مما كان يعتقد من قبل.

فالكتاب الذي يخصص فصلا مطولا للجزيرة وشجونها التي لا تنتهي, يخصص بالمقابل فصلين كاملين عن قضية الحرية في الإعلامين العربي والدولي.

ولا يفوت قارئ الكتاب ملاحظة أن كريشان المذيع في الجزيرة هو نفسه الصحفي الوفي لمهنته والمدافع العنيد, من خلال مقالات كتبت على مدى سنوات, يجمعها كلها جامع الانتصار لحرية التعبير والصحافة في عدد من الدول العربية, فضلا عن دفاعه عن فضائيات أخرى غير الجزيرة في إطار تلك الحرية.

فمن الدوحة, حيث الجزيرة, إلى ليبيا والجزائر ولبنان والسعودية وتونس وسوريا والعراق والأردن على النطاق العربي, إلى المناقشة النقدية لوسائل إعلامية دولية كقناة الحرة أو التعليق على قضايا مثارة بقوة في ساحة الإعلام الدولي كموضوع "الإرهاب" أو خطف الصحفيين, هي موضوعات هذا الكتاب.

والأهم من كل هذا, ربما, هو القدرة على النقد الذي يوجهه الكتاب, أيضا, للصحفيين خصوصا في الإطار النقابي والعلاقة بنظم الحكم و"المحاسبة الإعلامية" كبديل عن الرقيب الذاتي في معناه السلبي.

تفرد الجزيرة
الفصل الأول من هذا الكتاب يتناول شؤون الجزيرة والظروف التي واجهتها منذ انطلاقتها الأولى, من زاوية حرية التعبير بالطبع. كما يتناول هذه المؤسسة وصحفييها, خصوصا تيسير علوني وسامي الحاج وأطوار بهجت, مرورا بالعلاقة الشائكة والمعقدة لقناة الجزيرة بالولايات المتحدة, وقصف الأخيرة الفعلي لمكاتبها أو ذاك الذي ظل حبيس النوايا وكشفت عنه وسائل إعلام غربية.

وقد يظن كثيرون أن تكرار الحديث عن علوني أو الحاج أو الشهيد طارق أيوب, هو من قبيل الدفاع عن زملاء مهنة أو أبناء مؤسسة وحسب. والأمر ليس هكذا أبدا. فالتركيز على هذه الرموز, هو تركيز على الأشياء ولب القضية: حرية التعبير. ويتجلى هذا الأمر عند تذكر أن الفاعل والمحرض في كل القضايا التي تمس الجزيرة هو واحد وواحد فقط: الولايات المتحدة أكبر الديمقراطيات الغربية.

"
حين يتحول جنرالات الاستعمار الجديد إلى مرجعيات تحدد ملامح الإعلام المقبول في العالم من الآن فصاعدا لا يعود للحرية أي معنى
"
وفي تناوله لما يسميه "الغضب على الجزيرة" يقول كريشان "إلى وقت قريب لم تكن قناة الجزيرة عرضة إلا لردود فعل رسمية عربية تتراوح من العتب الخفيف أو القوي إلى الغضب وصولا إلى المقاطعة أو إغلاق المكاتب.. أما الآن فقد امتدت الملاحظات إلى المعسكر الغربي وأساسا الولايات المتحدة بسبب أسلوب المحطة في تغطية الحرب ضد الإرهاب".

وموقف واشنطن من "الجزيرة" يحتاج إلى وقفة بالفعل. والكتاب يقول بأوضح صيغة ممكنة إن" التحريض وبث الكراهية والصلة بالإرهابيين هي التهم المعلبة الجاهزة الآن لكل من لم يختر الترويج الإعلامي للاحتلال في العراق وأطروحاته وفضل القيام بعمله الصحفي بكل نزاهة نقلا للوقائع وليس طمسا أو تزيينا لها".

ومن هنا فإن قصف مكاتب الجزيرة في أفغانستان والعراق "ليس خطأ بالتأكيد, فمن أعلن مرارا عن تبرمه وضيقه الشديد من تغطية لا تبرر مسلكياته ولا تتبنى كذبه لن يتورع عن محاولة إخماد الأصوات "الناشزة". ويضيف " ليس خطأ بالتأكيد, فحين يتحول جنرالات الاستعمار الجديد إلى مرجعيات تحدد ملامح الإعلام المقبول في العالم من الآن فصاعدا؛ لا يعود للحرية أي معنى".

ولكنه يعود لتقرير حقيقة لا أروع منها حين يقول "في النهاية لا شيء أكثر تحريضا من الحقيقة نفسها, فهي في ذاتها تحمل مدلولها البديهي والصحفي.. وهل هناك ما هو أكثر تحريضا من الاحتلال نفسه".

لو كان الأمر يتعلق بغير السياسة لكان لقناة الجزيرة شأن آخر.. فالقناة, وبما عرف عنها من جرأة في الطرح, وجدة في الأسلوب الذي كسر الرتابة الإعلامية التقليدية الرسمية, كان ينبغي أن تكون الأكثر تقديرا في الأوساط التي طالما عابت على الإعلام العربي تبعيته للسلطات الرسمية.

غير أن للسياسة أحكامها, وللإستراتيجيات السياسية نهجها الصارم. فالديمقراطية التي تشن من أجلها الحروب, ليست هي الديمقراطية التي نعرفها من الكتب أو من خلال نظمها المنتشرة في دول المركز, بل هي تلك الديمقراطية/الأداة التي يجب أن تكون خطوة أخرى في طريق التغيير السياسي وفق سياقات غربية لا علاقة لها كثيرا بالديمقراطية التي تعيشها عواصم المركز.

الجزيرة عربيا

"
الغضب العربي قاد إلى تبني مشاريع تلفزيونية مرتجلة للرد على "الجزيرة" أو منافستها أو حتى السعي لإفراغها من كوادرها الصحفية كما دفع مسؤولي البلد الغاضب إلى رفض التعامل مع المحطة أو الظهور على شاشتها
"
لئن تركت علاقة الجزيرة بالولايات المتحدة تداعيات كانت حرية الرأي ضحيتها الأولى بحكم النفوذ الأميركي الكبير وعصاه الغليظة, فإن تلك العلاقة بالإعلام الرسمي العربي لم تكن لتمثل قصة أخرى مختلفة.

ويقول الكتاب في هذا الإطار "ليس مطلوبا أن يعشق الجميع قناة الجزيرة فلهذه المحطة, كأي شيء آخر في العالم, معجبون وكارهون, وربما هذه هي نكهة المحطة الأولى فهي مثيرة للجدل ولا تترك أحدا على الحياد".

فالجزيرة وبعد فترة قصيرة من الإشادة والثناء, عادت لتشكل صداعا مزعجا عابرا للحدود في إطار العولمة العربية, قبل أن ينتقل ذلك الصداع للعولمة في نطاقها الأوسع والمعروف.

وبالطبع لم يكن ذلك الصداع ليصيب الجماهير في الوطن العربي, بل تلك النظم التي رأت في الجزيرة "فسادا" يمكن أن يلحق الأذى بالنظام العربي كله, خصوصا في جانبه السلطوي. لا بل تعدى الأمر هذا "التمرد" الإعلامي ليتحول إلى واحدا من عناصر الحرب الباردة العربية, واعتبار أن الجزيرة لا تعدو أن تكون مناكفة نظام عربي محدد لنظم أخرى في جولة من جولات تصفية الحساب مع تلك النظم ولكن عبر الجزيرة.

ويستعرض كريشان ردود الفعل العربية الرسمية الغاضبة على الجزيرة , وهي ردود لا تزال قائمة, رغم مرور وقت طويل على وجود الجزيرة وتحولها لأمر واقع وملموس في المستويين العربي والدولي.

ويقدم الكتاب مقارنة لطيفة بين ردود الأفعال العربية, الرسمية بالطبع, على الجزيرة وتلك الغربية وأسلوب التعامل معها.

فـ"الغضب العربي قاد إلى تبني مشاريع تلفزيونية مرتجلة للرد على "الجزيرة" أو منافستها أو حتى السعي لإفراغها من كوادرها الصحفية والفنية", كما دفع مسؤولي البلد الغاضب إلى رفض التعامل مع المحطة أو الظهور على شاشتها, وصولا إلى سحب اعتماد المراسل أو إغلاق المكتب أو كليهما.

المؤسسة العربية الرسمية, يقول الكاتب, "سارع بعض أعضائها إلى مزيد تأليب الممتعضين في واشنطن بالزعم تزلفا, أن ما تقوم به المحطة يحرض الشارع الذي قد يخرج عن السيطرة لاحقا وأنه, بالتالي, لا بد من وضع حد لهذه العربدة".

أما الغضب الغربي, حسب كريشان, فإنه لم يعم المسؤولين هناك عن إدراك أهمية المحطة ومصداقيتها وشعبيتها الواسعة, وبالتالي سعيهم لـ"اختراقها" من خلال التدافع لإعطاء مقابلات لها من وزراء ورؤساء حكومات وحتى رؤساء دول, من أجل أن تكون وجهة نظرهم موجودة ومدافعا عنها درءا لترك الساحة فارغة لخصومهم.

كما سعى أصحاب القرار في الغرب إلى الانكباب على الأسباب الجوهرية والعميقة التي جعلت "هذه المحطة العملاقة في بلد صغير" تنتشر بهذا الشكل المخيف "حتى يفلحوا, بناء على ذلك, في استخلاص الدروس المناسبة التي يمكن أن تحدد خطة العمل المقبلة.

"
في النهاية لا شيء أكثر تحريضا من الحقيقة نفسها, فهي في ذاتها تحمل مدلولها البديهي والصحفي.. وهل هناك ما هو أكثر تحريضا من الاحتلال نفسه
"
ويورد في هذا المجال تكليف صحيفة "لوموند" الفرنسية, مثلا, صحافيا مهمته انحصرت في الجلوس في مكتبه ومشاهدة برامج المحطة ثم كتابة عمود يومي بعنوان "نظرة على الجزيرة" لا ينشر في الصفحات الثقافية أو صفحة برامج التلفزيون, بل في الصفحات الدولية الرئيسية, وينقل عن أحد كتابها البارزين والدبلوماسي السابق إريك رولو قوله إن "ما فعلته الجريدة الفرنسية العريقة, لم تفعله مع أي تلفزيون من قبل, مهما كان".

هم الحريات
ليس بعيدا عن الجزيرة, وإن كان في إطار رسالتها, تأتي صفحات كثيرة من الكتاب للتعبير عن موقف منحاز بوضوح لقضية حرية الصحافة وما يتعلق بها من مجالات.

ويستعرض الكتاب جملة من القضايا أبرزها قضية إقفال الحكومة اللبنانية لمحطة "أم تي في" إلى اغتيال الصحفي اللبناني سمير قصير أو تصفية الصحافي الليبي ضيف الغزال أو التراجع الخطير لمستوى الحريات الصحفية في الجزائر التي تتوفر على حرية للصحف الخاصة هي "الأفضل في كامل بلادنا العربية".

ولا ينسى كريشان, وهو التونسي, قضية الحريات في بلده, حيث يخصص مقالين من مقالات الكتاب التي تتناول هذه القضية عبر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تونس ودور الإعلام فيها.

وفي مقال آخر بعنوان "مأساة الإعلام في تونس" على خلفية الأزمة التي نشأت في أعقاب دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون إلى تونس, يقول كريشان إن تلك الدعوة "كشفت.. مرة أخرى عن عورات الإعلام التونسي الذي بات, بكل أسف ومرارة, من أكثر الإعلام تخلفا وغباء في البلاد العربية والعالم..".

محاسبة إعلامية
رغم أن المحور المركزي لكتاب كريشان يدور حول قضية الحريات الصحفية وضرورة تبوأ الصحفيين لمستوى متقدم من الحرية التي تتيح لهم قول الحقيقة, إلا أنه بدا أيضا حريصا على أن يلتفت أولئك الصحفيون الذين يتابعون كل شاردة وواردة في الحياة السياسية لمراقبة أدائهم هم, بعيدا عن "الانفعالية العاطفية البعيدة عن التغطية المهنية الرصينة الأقدر على النفاذ إلى العقول قبل القلوب".

"
ما يهم الصحفيين الحريصين على حرفيتهم واستقلالية قرارهم هو النأي بأنفسهم وعملهم, قدر الإمكان, عن صراعات سياسية لن تجعلهم سوى كرة في غابة سيقان لا يضيرها كثيرا اللجوء إلى اللعب الخشن
"
ويؤكد في هذا المجال على أن ما يهم الصحفيين الحريصين على حرفيتهم واستقلالية قرارهم, هو النأي بأنفسهم وعملهم, قدر الإمكان, عن صراعات سياسية لن تجعلهم سوى كرة في غابة سيقان لا يضيرها كثيرا اللجوء إلى اللعب الخشن.

فليس هناك شيء أدعى إلى المسؤولية من الحرية, وهو ميزان عدل لا يتأتى لكل أحد ضبطه إلا من خلال قواعد أخلاقية وقيمية وقانونية صارمة تعطي وتأخذ في الوقت نفسه.

وفي عنوان لافت "رؤساء إلى الأبد" ينتقد كريشان أولئك الذين يسعون لتغيير رؤساء الدول في إطار مفهوم تداول السلطة, ولكنهم في المقابل, لا يريدون تطبيق هذا المبدأ على أنفسهم, سواء أكانوا زعماء أحزاب أو حتى رؤساء تحرير صحف.

ويقول إنه "إذا كان تغيير رؤساء التحرير ومجالس إدارات الصحف المصرية تطلب كل هذا الوقت والجدل فكم يمكن أن يتطلب تغيير رئيس الدولة؟!!". ويضيف "وإذا كان مسؤولو ما يسمى بالصحف القومية استمروا بالبقاء في مناصبهم فوق العشرين عاما, فما الداعي لأن يشرع الرئيس بالزهد في الحكم قبل الثلاثين أو الأربعين عاما". والحل, حسب الكتاب, يكمن في "التداول العام على المسؤوليات".

وبوضوح يلخص المشكلة العربية الحالية يقول "نفس "الميكانيزم" الذي يجعل الرئيس لا يريد التزحزح من مكانه, تنقل بأحجام متفاوتة من وسط إلى آخر, بل هي في صفوف أحزاب المعارضة والجمعيات أنكى وأمر لأن من يبقى رئيسا لحزب معارض لعقود لا يمكن له أخلاقيا وسياسيا أن يلوم أعلى هرم الدولة على أنه لا يريد أبدا النزول من هذا الأعلى".

كتاب "الجزيرة وأخواتها" ليس كتابا فلسفيا مثلما أنه ليس كتابا خلافيا أو معقدا بعقد الفكر أو الأطروحات المختلف عليها, بل هو كتاب يدعو ببساطة شديدة إلى تبني المتفق عليه على نطاق واسع: حرية الرأي والرأي الآخر, والدعوة إليه بقوة ودون تردد.

ولعل جوهر هذا الكتاب تتمثل في قول كريشان " إن قمع الحريات الصحافية عندنا مركب: سياسي وأمني وقضائي وغير ذلك. ولكن هذا القمع مآله الفشل في النهاية, لأن السباحة ضد التيار منهكة, فما بالك إذا كان النفس قصيرا رغم كل مظاهر القوة البادية الآن".

المصدر : الجزيرة