عرض/إبراهيم غرايبة
يوضح الكتاب كيف أن المكونات الاقتصادية للعولمة وحركة السلع والخدمات وحركة رؤوس الأموال وسياسات صندوق النقد الدولي تعمل لصالح الأغنياء والمتنفذين والفساد، وأن الضحية الأساسية لهذه السياسات والديناميات هم فقراء العالم الثالث.

ويستشهد بالنجاح الصيني لأن الصين أفلتت من هذه السياسات ودخلت في نظام السوق بحذر وتدرج وبمشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص، في حين أدت سياسات الخصخصة بلا تحفظ إلى انهيارات اقتصادية واجتماعية في روسيا وشرق أوروبا ودول كثيرة في العالم.

- الكتاب: ضحايا العولمة
- المؤلف: جوزيف ستجليتز
- ترجمة: لبنى الريدي
- عدد الصفحات: 334
- الناشر: دار ميريت، القاهرة
- الطبعة: 2006

العولمة تحارب الفقر؟!
لماذا أصبحت العولمة -وهي قوة قدمت خيرا كثيرا- محل خلاف وجدل شديدين؟

لقد ساعد الانفتاح على التجارة الدولية العديد من الدول على النمو بسرعة أكبر كثيرا مما كان يمكنها تحقيقه بطريقة أخرى، وبسبب العولمة يعيش الكثير من الناس في العالم في مستوى أفضل من قبل.

وقللت العولمة الإحساس بالغربة الذي يشعر به أغلب سكان العالم النامي، ومنحتهم إمكانية الوصول إلى المعرفة بقدر كبير لم يكن يصله الأوسع ثراء منذ قرن من الزمن، حتى عندما توجد جوانب سلبية للعولمة، فإن مكاسبها كثيرة.

فعلى سبيل المثال أصبحت بعض السلع الضرورية مثل غذاء الأطفال متاحة في أسواق كثير من الدول وبأسعار أقل من قبل، وقدمت المعونة الأجنبية، وهي مظهر من مظاهر العولمة، رغم كل عيوبها مكاسب للملايين، بطرق غير ملحوظة في كثير من الحالات.

ولكن ثمن العولمة ونتائجها الإيجابية كان خسائر كثيرة تفوق المكاسب، فقد دمرت البيئة وأفسدت العمليات السياسية، وكان التغيير بسرعة لم يتح للبلدان التكيف الثقافي، وتبعها مشكلات التحلل الاجتماعي طويلة المدى، ابتداء من عنف المدن في أميركا اللاتينية، والصراعات العرقية في أجزاء أخرى من العالم، مثل إندونيسيا.

وهي مشكلات ليست جديدة لكن رد الفعل المتزايد في جميع أنحاء العالم ضد السياسات التي تقود العولمة هو التغير ذو المغزى، وعندما تصبح الأزمات المالية شيئا مألوفا، وأعداد الفقراء في تزايد مستمر وليس لديهم وسيلة لتغيير القواعد، ولا تحظى صرخات هؤلاء الفقراء بآذان صاغية من الغرب.

هل العولمة على هذا القدر من السوء والحسن والأهمية في الوقت نفسه؟

إن العولمة أساسا هي اندماج محكم ومتزايد بين الدول والمجتمعات في العالم، وهو اندماج حدث نتيجة الانخفاض الهائل في تكلفة الانتقال والاتصالات، وانهيار الحواجز أمام تدفقات السلع والخدمات، والمعرفة عبر الحدود.

"
يبدو واضحا بعد نصف قرن من تأسيس صندوق النقد الدولي أنه فشل في مهمته، فالأزمات حول العالم أصبحت أكثر عمقا وتكرارا، ولم يستطع أن يحول البلدان الشيوعية إلى اقتصاد السوق
"
ومن المهم لفهم العولمة النظر إلى المؤسسات الثلاث الرئيسة التي تحكمها، وهي صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، ويلي هذه المؤسسات ويدور حولها جيش من المؤسسات الأخرى التي تلعب دورا في النظام الاقتصادي الدولي، من البنوك الإقليمية، وعدد كبير من منظمات الأمم المتحدة، مثل برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة، ولكن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كانا في قلب القضايا الاقتصادية الرئيسة طيلة العقدين الأخيرين، فقد وقعت على عاتق صندوق النقد الدولي المهمة الأكثر صعوبة ألا وهي تأمين الاستقرار الاقتصادي العالمي.

تأسس الصندوق على إيمان بأن هناك حاجة "لعمل جماعي" على المستوى العالمي من أجل الاستقرار الاقتصادي، ولكن بمرور السنوات تغير الصندوق بشكل ملحوظ عما كان في بدايته، فقد تأسس على عقيدة أن الأسواق تعمل غالبا بشكل سيئ، في حين أنه الآن يدافع عن سيادة السوق بحماسة أيديولوجية، وهو الآن لا يقدم أموالا إلا إذا بدأت الدول في تطبيق سياسات مثل خفض العجز في الموازنة أو زيادة الضرائب أو زيادة معدل الفائدة، ما يؤدي إلى انكماش الاقتصاد.

ويبدو واضحا بعد نصف قرن من تأسيس صندوق النقد الدولي أنه فشل في مهمته، فالأزمات حول العالم أصبحت أكثر عمقا وتكرارا، ولم يستطع أن يحول البلدان الشيوعية إلى اقتصاد السوق، فقد تم فرض تحرير السوق رغم أنه لا يوجد أي دليل يثبت أن ذلك يحفز النمو الاقتصادي، فتطبيق نظريات لم يكن ليمثل مشكلة خطيرة.

إن أساس مشكلات الصندوق والمؤسسات الاقتصادية الدولية الأخرى هو التوجيه والسيطرة، أي من الذي يقرر ما تفعله هذه المؤسسات.

وتنشأ المشكلات أيضا من حقيقة "من الذي يتكلم"، ففي صندوق النقد الدولي يتولى ذلك وزراء المالية والتجارة ومحافظو البنوك المركزية، يرتبط كل واحد من هؤلاء ارتباطا وثيقا بمجموعة من أصحاب المصالح الخاصة، داخل بلادهم، وبالتالي يعكس الوزراء اهتمامات رجال الأعمال الذين يريدون رؤية أسواق جديدة تفتح أمام منتجاتهم.

ويمتلك صندوق النقد الدولي نفوذا خاصا في المساعدة الدولية، فمن المفترض أن يراجع موقف الاقتصاد الجمعي للبلد المتلقي للمساعدة، ويتأكد أن هذا البلد يعيش في إطار موارده المالية، وهذه تأتي بالمشكلات على المدى القصير.

فصندوق النقد الدولي يهتم بالتضخم، والبلدان التي تنفق حكوماتها أكثر مما تحصل من ضرائب ومساعدة خارجية ستواجه غالبا التضخم، خاصة إذا مولت عجزها بطبع النقود، لأن معدلات التضخم شديدة الارتفاع تؤدي غالبا إلى انخفاض النمو، وانخفاض النمو يؤدي إلى بطالة عالية، وإذا لم يحقق بلد ما الحد الأدنى من المعايير والسياسات الاقتصادية فإن الصندوق يعلق مساعدته، والمشكلة عندما يحدث ذلك يحذو المانحون حذوه، وعادة فإن الحكومات التي تفشل في إدارة اقتصادها الكلي، لا تحسن إدارة العون الخارجي.

ويتعامل الصندوق مع اقتصادات الدول انطلاقا من فهمه للاقتصاد الأميركي، وهذا يجعله يقدم توصيات مضللة، حتى على مستوى الاقتصاد الأميركي نفسه، فعلى سبيل المثال وضعت تقديرات مفادها أن التضخم سيبدأ في الارتفاع في الولايات المتحدة بمجرد انخفاض معدلات البطالة إلى أقل من 6%، ولكن البطالة انخفضت إلى أقل من 4% ولم يرتفع التضخم، وقدم توصية برفع معدل الفائدة، ولكن مجلس بنك الاحتياطي لم يأخذ بالتوصية، ولكن البلدان الأخرى لا تستطيع تجاهل توصيات الصندوق.

هذا المنهج القائم "مقاس واحد يناسب الجميع" أدى إلى مشكلات كثيرة بسبب تطبيقه دون سماع وجهات النظر المختلفة، ولأنه كان أقرب إلى الإملاءات المفروضة، ثم اعترف الصندوق بخطأ سياساته التي طبقها، مثل فرض تدابير تقشف متطرفة في شرق آسيا عام 1997، وكانت الحكومات تدرك خطورة هذه السياسة، ولكنها لم تقدر على معارضتها.

وبالطبع كان ثمة تطبيقات مفيدة للصندوق، ولكنها سياسات لم تضمن حدوث تغيرات مفيدة وعميقة، ولا حسن استخدام وإدارة الأموال، وفي كثير من الأحيان كان الصندوق ينسحب تاركا البلد في حالة فقر أكثر ومديونية أكبر، ومزيد من الثراء للصفوة الحاكمة.

سياسات اقتصادية تساؤل وشكوك
كانت نصيحة واشنطن عبر الثمانينيات والتسعينيات هي التقشف المالي والخصخصة وتحرير السوق، ومع الزمن أصبحت هذه السياسات غاية في حد ذاتها بدلا من أن تكون وسائل لنمو أكثر.

"
الخصخصة لم تجلب في أغلب الأحيان المكاسب التي وعدت بها، وخلقت مشكلات جديدة، وغالبا ما تكون طبقت على حساب العمال والمستهلكين
"
ورغم أن سياسات إجماع واشنطن صممت استجابة لمشكلات أميركا اللاتينية، عندما كانت تعاني عجزا ضخما، تعامل صندوق النقد والبنك الدوليان بوجوب مواصلة الخصخصة بأسرع ما يمكن في الدول الشيوعية سابقا، ووضعت درجات لقياس التقدم على أساس الخصخصة.

وكانت النتيجة أن الخصخصة لم تجلب في أغلب الأحيان المكاسب التي وعدت بها، وخلقت مشكلات جديدة، وغالبا ما تكون طبقت على حساب العمال والمستهلكين.

وأقر صندوق النقد الدولي أنه أسهم في الأزمات العالمية لعقد التسعينيات، وأنه قد ينزل الخراب ببلد صغير ناشئ، فكان من المفترض أن يعزز تحرير التجارة بإجبار الموارد على الانتقال من الاستخدامات الأقل إنتاجية إلى الأكثر إنتاجية، لكن تحريك الموارد لن يثري أي بلد، وبالطبع فإن عملية التحرير تزيد من عدم الاستقرار عند مباشرتها قبل الأوان، وقبل إقامة مؤسسات مالية قوية، وكان الفقراء دون غيرهم يدفعون كلفة عدم الاستقرار.

ويفترض أن الخصخصة وتحرير السوق تخلق المناخ المناسب لجذب الاستثمارات الأجنبية، ويحقق هذا الاستثمار النمو على افتراض أن المشروعات الأجنبية تجلب الخبرة التقنية وإمكانية الوصول إلى الأسواق الأجنبية، وتنشئ فرص عمل جديدة، وقد نجحت مثل هذه الفكرة بالفعل في سنغافورة.

ولكن الاستثمارات الأجنبية عملت على وأد طموحات رجال الأعمال الصغار الذي كانوا يأملون بتطوير صناعات وطنية، مثل صناعة المشروبات الغازية والآيس الكريم المحلية التي انتهت أمام موجة الكوكاكولا والبيبسي ويونيلفر التي هيمنت على الأسواق المحلية.

وكانت البنوك الأجنبية أقل استجابة بكثير لسياسات البنوك المركزية لمواجهة التضخم، وفي غالب الأحيان فقد وقعت اتفاقيات مجحفة بحق البلدان النامية، بسبب الفساد والرشوة التي تقدم للمسؤولين المتحالفين والشركاء مع الشركات والاستثمارات الأجنبية، فقد تحملت حكومات من موارد الدولة وضرائب مواطنيها نفقات الكهرباء والبنى التحتية لأجل شركات أجنبية.

الطريق إلى المستقبل
عندما قررت روسيا تحرير التجارة، أغلقت أميركا السوق أمام صادراتها من الألومنيوم واليورانيوم، وكأنها بذلك تعطي دروسا واقعية عن مخاطر رأسمالية الأصدقاء، ولم يكن نجاح البلدان التي لم تلتزم بوصفات صندوق النقد الدولي مصادفة، فقد كانت هناك صلة واضحة بين السياسات التي اتبعت والنتائج، مثل النجاح في الصين وبولندا.

فقد استخدمت الدولتان إستراتيجيات بديلة لتلك التي كان ينادي بها إجماع واشنطن، فكانت بولندا هي أنجح تجربة بين بلدان أوروبا الشرقية، أما الصين فقد حققت أسرع معدل نمو بين كل الاقتصاديات الكبرى في العالم خلال الـ20 عاما الماضية، عندما أطلقت العنان لعملية تدمير "بناءة" بإزالة الاقتصاد القديم وإنشاء اقتصاد جديد.

"
يحتاج العالم المتقدم إذا أردنا تحقيق عولمة ذات بعد إنساني أن يتحمل نصيبه من إصلاح المؤسسات الدولية التي توجه العولمة، وتجعلها في خدمة المليارات من البشر الذين فشلت العولمة بالنسبة لهم
"
وبحثا عن الاستقرار والنمو فتحت الصين المجال واسعا للمنافسة وفرص العمل، وبإدراكها أهمية الاقتصاد الجمعي فإنها لم تخلط بين الوسائل والغايات، ولم تغال في مكافحتها للتضخم، ولم تسارع في خصخصة الشركات المملوكة للدولة، ولكن أهمية تلك الشركات تضاءلت مع إقامة شركات جديدة.

لقد برهنت الصين وبولندا على أن هناك إستراتيجيات بديلة، وأن المحيط السياسي والاجتماعي والتاريخي يختلف بالنسبة لكل بلد، وأن السياسات الاقتصادية يصممها أشخاص على صلة حقيقية بهموم بلادهم واحتياجاتها بعيدا عن النماذج النظرية الجاهزة.

العولمة لم تنجح بالنسبة لفقراء العالم والبيئة والاستقرار السياسي، فهل نواصل التخطيط للمستقبل بالتخلي عن العولمة؟

ذلك ليس معقولا ولا مرغوبا فيه، فنجاح بلدان شرق آسيا قد اعتمد على العولمة، فالحل يكمن بالدور الرئيس للحكومات، وذلك في تأمين "العدالة الاجتماعية"، فتقدم تعليما عالي النوعية للجميع، وتقيم الحكومات الناجحة جزءا كبيرا من البنية التحتية، مثل النظام القانوني، وهو النظام المطلوب لكي تعمل الأسواق بشكل فعال، كما عليها توفير شبكة أمان للفقراء، وتشجيع التكنولوجيا، بدءا من الاتصالات عن بُعد، والزراعة والمحركات النفاثة والرادار.

لا يمكننا التراجع عن العولمة ولكن كيف نجعلها تعمل بشكل جيد؟

لا بد أن يكون هناك مؤسسات دولية عامة للمساعدة في وضع القواعد اللازمة، التي تعتمد فيها على العمل الجماعي العالمي المرغوب، مثل قضايا الصحة العالمية، وانتشار الأمراض شديدة العدوى كالإيدز، وقد نجحت منظمة الصحة العالمية بالفعل في استئصال بعض الأمراض، مثل الجدري.

والعون الإنساني الدولي صورة من العمل الجماعي الذي ينبع من تقاسم التعاطف مع الآخرين، فالمهمة الرئيسة للبنك الدولي هي استئصال الفقر، ولا يتحقق ذلك بتقديم العون الإنساني في وقت الأزمة، لكن بمنح البلدان إمكانية النمو والاعتماد على النفس، فالعولمة عززت الحاجة إلى عمل جماعي عالمي، وأهمية المنافع العامة العالمية.

لقد أقر صندوق النقد الدولي بأخطائه في أزمة شرق آسيا، والإقرار بالأخطاء وإدراك المشكلات يحرز تقدما كبيرا في إصلاحات النظام المالي الدولي.

ويقترح المؤلف أخيرا مجموعة من الإصلاحات الرئيسة المطلوبة:

  • الاعتراف بأخطار تحرير سوق رأس المال.
  • إصلاح عمليات الإفساد والتجميد.
  • اعتماد أقل على عمليات الإنقاذ المالي.
  • تحسين تنظيم وضبط العمل المصرفي، من حيث التصميم والتنفيذ، سواء في البلدان المتقدمة أو النامية.
  • تحسين إدارة المخاطر التي تنشأ من جراء التقلب السريع لأسعار الصرف.
  • تحسين شبكات الأمان.
  • تحسين رد الفعل في مواجهة الأزمات.

ويحتاج العالم المتقدم إذا أردنا تحقيق عولمة ذات بعد إنساني أن يتحمل نصيبه من إصلاح المؤسسات الدولية التي توجه العولمة، وتجعلها في خدمة المليارات من البشر الذين فشلت العولمة بالنسبة لهم.

المصدر : الجزيرة