عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض الكتاب لمؤلفه مايكل ديرتوزوس مدير مختبر العلوم في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا اتجاها راديكاليا جديدا لتقانة المعلومات، والطريقة التي يمكن بها استخدامها حتى نجعل نظم الحاسوب في خدمة الناس.

وينظر إلى مستقبل الحاسوب والتكنولوجيا من خلال بعد إنساني لتبسيط العلاقة بها وتيسير استعمالاتها، ولتغيير العلاقة بين الأفراد والمؤسسات والحاسوب على نحو يؤنسن التكنولوجيا والحواسيب لتكون أكثر طواعية، ولتسهل حياة الناس بدلا من تعقيدها.

- الكتاب: ثورة لم تنته.. حواسيب محورها الإنسان وما يمكن أن تؤديه لنا
- المؤلف: مايكل ديرتوزوس
- ترجمة: مصطفى إبراهيم فهمي
- مراجعة: وائل معلا
- عدد الصفحات: 343
- الناشر: المنظمة العربية للترجمة، بيروت
- الطبعة: الأولى/2006

خريطة المعرفة الجديدة
تحيط بنا الحواسيب والعجائب الرقمية في منازلنا وأعمالنا وأينما ذهبنا، ونقضي ساعات طويلة كل يوم في خدمتها، فنحن ننتظرها حتى تصبح جاهزة للعمل، وحتى تأخذ صفحات "web" في طبع نفسها على شاشاتنا، وننتظر في إحباط نظام الرسائل والهاتف ليساعدنا، ونضيف تحسينات على البرمجيات، ونصلح الخلل، ونجلس في سكون يثير الجنون عندما تتوقف أو تنهار، وعلينا أن نتحمل حديقة الحيوانات والوحوش هذه في البيوت والسيارات والمكاتب.

فهل حان الوقت لنجعل الحواسيب أكثر بساطة؟ ونجعلها تتكيف مع احتياجاتنا وتخدمنا بحق وتجعلنا منتجين بدلا من أن يكون الأمر عكس ذلك؟ خاصة أنها تتزايد بل تتضاعف.

ففي العام 2015 سوف تصل سرعة الحواسيب الشخصية إلى 50 ضعف سرعتها عام 2000، ثم ستتضاعف سرعتها عشرات آلاف المرات بعد عشر سنوات أخرى، وتتضاعف بذلك سرعة الاتصال بين الحواسيب عبر الشبكات لتتدخل في مجالات واسعة من حياتنا وأعمالنا، ولتندمج في معظم إن لم تكن جميع أدوات العمل والحياة، من الأجهزة المنزلية إلى السيارات إلى الاتصالات والأعمال والمكاتب والحياة اليومية، وهذا ليس جديدا.

ولكن الجديد هو تبسيط برامج العمل ولغاته لتكون أكثر عملية وسهولة، ولنكون أقدر على التحكم بها وإدارتها، وقدرة هذه الأجهزة على التواصل فيما بينها لاسلكيا في البيوت والمكاتب والطرق والمدن وعبر قارات العالم، وستتطور البرامج لتكون غير مقيدة بأجهزة معينة، ليكون الجهاز الواحد قادرا على أداء عدة أعمال كان يلزم عدة أجهزة متخصصة لأدائها (الهاتف والتلفزيون والحاسوب،..)، مثل البث والاتصال والاطلاع على الإنترنت، وأن تكون هذه الأجهزة قادرة على التنقل (محمولة).

وبحلول العام 2010 سيكون أكثر من مليار شخص وحواسيبهم متواصلين معا عبر الإنترنت، يشترون ويبيعون، ويتبادلون المعلومات وخدمات المعلومات، وكل ما يمكن للمرء أن يتخيله من صحف وكتب وأفلام وموسيقى ومسرحيات، والمراجعات والاستشارات الطبية والقانونية والمهنية، وأعمال التسويق والصيانة والعقود والرهن والتأمين والتعلم والتعليم، إنه سوق بلغت قيمته عام 2000 حوالي 200 مليار دولار، ولكنه سيصل قريبا إلى 5 تريليونات دولار سنويا، أي ربع الاقتصاد العالمي.

ولكن ماذا سيحدث عندما يكون 50 مليون هندي قادرين عبر شبكة الإنترنت على أداء خدمات متقدمة في المحاسبة والبرمحة والاستشارات العلمية بأجور تقل عن ثلثها في الغرب؟

ولكن ثمة مشكلات تحتاج إلى حل، فالإنترنت لم تصل بعد إلا لأقلية من الناس، وهذا يزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويحرم أغلبية الناس من القدرة على الإفادة من السوق المعرفية والمعلوماتية النامية والمتعملقة، وهذا يقتضي تصميم حواسيب بسيطة وقليلة التكلفة يمكن استعمالها من قبل أي فرد مهما كانت مهاراته محدودة، ويمكن أيضا للفقراء أن يمتلكوها.

والقضية الأخرى الملحة هي تبسيط برامج الحاسوب وتطوير عمله في الوقت نفسه ليكون أكثر ذكاء وأقل تعقيدا.

وبالطبع فقد بدأت تطبيقات كثيرة في هذا المجال، بعضها شائع وبعضها محدود، فأنظمة مثل سطح المكتب وتصفح الشبكة هي استعارة عن نظام مألوف في حياة الإنسان اليومية، ولكنها أنظمة بحاجة أن تدمج معا، ويبدو أن المنافسة التجارية والسياسة أيضا يحولان دون التطوير التقني في هذا الاتجاه.

ويعتمد نجاح هذه الفكرة ووضعها موضع التطبيق على معرفة الإنسان بنفسه، ثم تحويل هذه المعرفة إلى تقانة مطبقة، ولكن معرفة الإنسان بدماغه على سبيل المثال وأعصابه ولغته وعواطفه مازالت غير كافية لينتح تقنية تضاهيها، فيحول الحاسوب إلى خادم ذكي مطيع ومريح.

"
كانت الحوسبة مشغولة ببنية المعلومات بدلا من انشغالها بالمعنى، ولكن الصعود إلى المعنى هو العمود الفقري للخطة الرئيسة للحوسبة المتمحورة حول الإنسان، وهو تحد يواجه مصممي النظم الحاسوبية ومستخدميها، ولا يقتصر على أن يكون في أساس الأتمتة
"
الحوسبة والأتمتة والمجتمع
حين أدخلت الآلات في العمل تخلى الناس عن العمل بأيديهم وأدواتهم البسيطة ليستخدموا آلات أكثر سرعة وإنتاجا، ولكن البريد الإلكتروني على سبيل المثال زاد العناء والمشقة والوقت على الناس، وهنا يكمن جوهر البحث القادم عن حوسبة متمحورة حول الإنسان، فنحتاج إلى نظام حوسبة يضاعف الإنتاجية ويقلل الوقت.

لقد كانت الحوسبة مشغولة ببنية المعلومات بدلا من انشغالها بالمعنى، ولكن الصعود إلى المعنى هو العمود الفقري للخطة الرئيسة للحوسبة المتمحورة حول الإنسان، وهو تحد يواجه مصممي النظم الحاسوبية ومستخدميها، ولا يقتصر على أن يكون في أساس الأتمتة، فهو أيضا في أساس كل قوى الحوسبة التي يكون الإنسان محورها.

هناك طريقتان لذلك تبدوان واعدتين:

  1. التكيف التدريجي.
  2. وشبكة الويب الدلالية.

ويبدأ التكيف التدريجي باتفاقات محلية يصل إليها الأفراد الذين ينتمون إلى مجموعة مشتركة، ويعملون في المنظمة نفسها، ثم تنشأ الاتفاقات بعدها بين المجموعات ذات المصالح المشتركة والشركات التي تنتمي لنفس الجماعة الصناعية.

وأثناء قيام المشترين والبائعين والمتبادلين بأتمتة الإجرءات عبر ساحة سوق المعلومات سوف يرسون مصطلحات مشتركة تخترق طريقها خلال المجموعات، وسوف تنتشر وتتنامى المصطلحات الأكثر استخداما بينما تذوي وتموت المصطلحات الأقل استخداما.

وهكذا فإن صعود المعنى سيواصل السير بطريقة تدريجية، وسيحدث أحيانا تقطع في الانتشار التدريجي للمصطلحات الشائعة نتيجة الحقن "الدكتاتوري" لمصطلحات "عالمية" تأتي من منظمات كبيرة جدا يؤدي نفوذها الواسع إلى تأكيد تبنى مصطلحاتها على نطاق واسع.

وهكذا فإن الأتمتة من خلال المصطلحات المشتركة يعني واقعيا إنجاز اتفاق بشري بين مجموعة من المساهمين، وهذا أصعب بكثير من التقانة اللازمة لتداول هذه الاصطلاحات، ولكنه أمر سيحدث تدريجيا، لأن الربح الناتج عنه تعاظم الإنتاجية سوف يحفز الناس على القيام به.

ولم يتطور صعود المعنى على الشبكة بعد لغات الويب المعتادة بسبب صعوبة توصل الناس والمنظمات لاتفاقات بينهم، ولأن التكوين الاقتصادي للويب الذي يوفر الدخل لمعظم مواقع الويب من خلال الإعلان، والأتمتة فيها تهديد رئيس للإعلان، ذلك أن القدرة التقنية على الوصول إلى المعلومات المطلوبة يعني تجاوز الإعلانات الفخمة التي تمول الموقع.

فلماذا سيتحمل مالكو مواقع الويب المعطيات المترفعة التي تجعل الأتمتة ممكنة؟ لن يحدث ذلك إلا إذا كان الدخل المكتسب من الأتمتة يفوق الدخل المفقود من الإعلان.

ولكن ألن تؤدي الإنترنت والأتمتة والتقانات الحاسوبية إلى زوال وظائفنا؟

بالطبع فإن تحولا كبيرا سيحدث في الوظائف كما حدث من قبل في الثورة الصناعية، وسيكرر التاريخ نفسه، فتختفي وظائف وتظهر أخرى جديدة، وستكون الوظائف المفقودة هي التي تستطيع الآلة القيام بها.

وعلى سبيل المثال فقد بدأ الحاسوب يقوم بمجموعة كبيرة من الأعمال التي كانت تؤدى بشريا، مثل تسجيل أسعار الأسهم، وسمسرة الأوراق المالية، وحسابات البنوك الشخصية، وطلبات القروض، ومطالبات التأمين، والاستمارات المكتبية، وحجوزات الفنادق والسفر، ومعرفة حالة الطقس وحركة المرور، وتبادل المعلومات الأساسية مع الهيئات الحكومية.

وهناك قوتان بشريتان تحددان ما سيحدث مع أتمتة الوظائف البشرية، هما:

  • النزوع للبحث.
  • والبقاء.

وستدفعنا نزعتنا للبحث تجاه أتمتة أكبر، إذ نواصل ابتكار مقاربات جديدة تخفف أعباءنا، إلا أننا إذا بالغنا في هذا الطلب وتنازلنا عن سلطتنا للآلات بدرجة أكثر مما ينبغي فإن غريزتنا الأخرى القديمة كل القدم وهي غريزة السيطرة سوف تكون على أهبة الاستعداد لمحو أي شيء يهدد بقاءنا، بما في ذلك الأتمتة.

وسوف ينبثق من هاتين القوتين المتعارضتين توازن جديد يقوم بين المهام التي نحتفظ بها لأنفسنا وتلك التي نفوضها لآلاتنا، وهذا التوزيع الجديد للعمل بين البشر والآلات سوف يتحدد بواسطة عصر المعلومات، كما أنه سوف يحدد هذا العصر.

"
يحتاج التطبيق النهائي لثورة المعلومات أن تنتشر على نطاق العالم، وأن تصل فوائدها وتطبيقاتها إلى الفقراء كما الأغنياء، وهناك عقبات غير الحواسيب والاتصالات يجب حلها مثل التعليم واللغة والطاقة ووسائل النقل ورأس المال والقصور الذاتي للحكومات والثقافة
"
إنهاء الثورة التي لم تنته
تسعى الحوسبة المتمحورة حول الإنسان وربما يحدث ذلك مع حلول العام 2020 إلى تطوير قدرة الحواسيب لتقوم بمجهودات يقوم بها الإنسان نفسه اليوم، مثل قراءة المعلومات وتصنيفها وفرزها وتلقي الطلبات وإجابتها دون مجهود يدوي وذهني كبير يقوم به الإنسان، وتكامل الأنظمة والبرامج بعضها مع بعض.

وسيكون بمقدرو حوالي 20% من السكان في العالم العمل والتواصل مع الإنترنت، وسيكون ربع الاقتصاد العالمي قائما على المعلوماتية وشبكاتها، ولن نعود نشعر بتقانة المعلومات المتداخلة في حياتنا، وسوف نوفر نسبة كبيرة من الوقت الذي كنا نبذله في ما أصبحت الحواسيب تقوم به.

فما الذي سنفعلة بكل هذا الوقت الذي سنوفره؟ هل سنعمل أكثر؟ هل ستساعدنا الحواسيب أن نكون أكثر إنسانية؟ فيزيد التعاون والتواصل بين الناس، وتنشأ ثقافة عالمية متناسقة، أم سنتحول إلى كسالى غير منتجين نعتمد اعتمادا مفرطا على الآلة؟ هل سيصبح الفقراء أكثر ثراء؟ وإلى أي مدى نستطيع أن ننطلق بالحواسيب المتمحورة حول الإنسان في اتجاه تعزيز إنسانيتنا؟

إذا كنت مسرورا بما تقدمه لك السيارات والكهرباء والتقنيات التقليدية فسوف تكون مسرورا أيضا بما تقدمه لك الحواسيب الجديدة، فسوف تتمكن من أداء أعمال أكثر في وقت أقل، خاصة الأعمال المكتبية، وسوف تكون نظم العمل أكثر سهولة وأكثر سرعة ودقة، وسوف تنال التعليم والفائدة والخدمة والمتعة والتسلية بطرائق جديدة أكثر متعة، وسوف تؤدي المنظمات وظائفها بكفاءة أكثر بما في ذلك الحكومات، وسيكون هذا التحول المجتمعي أعمق من التحسن المنفعي المتزايد في الإنتاجية البشرية وسهولة الاستخدام، فهل سيكون حالنا أفضل؟ يعتمد ذلك علينا، فالمسارات والمستقبلات ليست حتمية.

يحتاج التطبيق النهائي لثورة المعلومات أن تنتشر على نطاق العالم، وأن تصل فوائدها وتطبيقاتها إلى الفقراء كما الأغنياء، وهناك عقبات غير الحواسيب والاتصالات يجب حلها، مثل التعليم واللغة والطاقة ووسائل النقل ورأس المال والقصور الذاتي للحكومات والثقافة.

وقد يلزم إطلاق برامج لتدريب الناس حول العالم على المهارات الأساسية الجديدة، فثمة عالم جديد من الحوسبة المتمحورة حول الإنسان يحب أن يعمل من أجل كل البشر، وما لم يحدث اتصال بيني لأغلبية الناس في كوكبنا فلن يستطيع البشر أن يؤدوا ما هو أكثر بفعل ما هو أقل، ولن ينال هذا الامتياز إلا أقلية من الناس.

وستكون التقانة هذه مهمة في الإسهام في كل جهد نبيل، وفي فهمنا لعالمنا بنفس القدر من الأهمية الذي أسهمت به مثل المذهب الإنساني ومازالت مستمرة في الإسهام به، وإذا أبقينا التقانيين منفصلين عن الإنسانيين فإن هذا سيبقينا بعيدين عن اكتشاف المناطق الجدية في حياة الإنسان وتداعياتها.

الناس لديهم حاجة متأصلة إلى الروحانية التي توازن بين شعورنا بالعجز إزاء كثير من الأسرار المحيطة بنا، فهل سيبقى التعليم مقيدا بالقراءة والحساب والعقل؟ ماذا عن الميلاد والصداقة والحب والزواج والطلاق والصراع والموت والهدف؟ كيف سنتغلب على مشكلة الأطفال الذين يلجؤون إلى العنف لدرجة القتل؟ ماذا سنفعل عندما تتمكن الهندسة الوراثية من تغيير شخصية الجنين؟ كيف سنتعامل مع الجرائم العابرة للحدود على الإنترنت؟

لا تستطيع التقانة الخالصة أن تحل هذه المشاكل، كما لا تستطيع ذلك النزعة الإنسانية الخالصة ولا الإيمان الخالص، نحن بحاجة إلى أن نعيد ضمها كلها معا إذا كنا نريد أن نجد طريقنا خلال تلك المتاهة من العالم الذي يتزايد تعقيدا.

سينتج عن التقانات المتمحورة حول الإنسان أن تصبح الحواسيب أكثر قربا منا وتعطينا القدرة على أن نؤدي ما هو أكثر بفعل ما هو أقل، ولكن المعنى الأسمى للتمحور حول الإنسان وفائدته القصوى لنا سيتحددان بما يفعله لإنجاز ما نضعه من أهداف إنسانية، وسيكون حالنا أفضل إذا التمسنا هذه الأهداف باستخدام كل أبعادنا الإنسانية في تناغم، ونحن نقف مرة أخرى في روع (awe) أمام غروب الشمس والعجلة وما قد يكمن وراءهما.

المصدر : الجزيرة