عرض/مؤسسة المستقبل للدراسات والإعلام
يشكل هذا الكتاب مراجعة فلسفية لواقع القيادات في إسرائيل والتي كادت تتخلى عن يهوديتها وصهيونيتها وربما هويتها الإسرائيلية في ظل التطورات الحضارية التي تعيشها إسرائيل عبر السنوات التي مضت.

- الكتاب: رسالة للقائد (اليهودي الصهيوني الإسرائيلي)
- المؤلف: يحسكل درور
- عدد الصفحات: 230
- الناشر: المجلس الصهيوني, إسرائيل
- الطبعة: الأولى/2005 

وهو رسالة عتاب وتوجيه إلى القيادات (البراغماتية) في إسرائيل والتي يطالبها أن تعود إلى يهوديتها وصهيونيتها وتحافظ على هويتها الإسرائيلية في ظل صراع حضاري واضح المعالم في المنطقة، مشيرا أن هذه القيادات انحرفت باتجاه التعامل البراغماتي السياسي الذي يبحث عن المصلحة الخاصة في ظل تنامي الأيديولوجيات والقوميات ومعادلات الصراع الجديدة.

ويؤكد الكتاب أن انحراف القائد في إسرائيل عن يهوديته وصهيونيته سيؤدي إلى حالة من الانهيار والاندثار في ظل الصراع الديمغرافي القائم في المنطقة والذي تعتبر فيه إسرائيل الخاسر الأكبر.

ويركز الكتاب على أهمية البعد الديمغرافي الذي ما زال عنوانا للمعركة بين اليهود والعرب في إسرائيل بل في المنطقة كلها، مشيرا أن إسرائيل أخفقت كثيرا في هذا الجانب فلا زال الملايين من اليهود مشتتين في دول العالم وإسرائيل عاجزة في إقناعهم واستجلابهم للعيش والسكن في إسرائيل.

إضافة إلى تركيز الكتاب على مذبحة الانقراض اليهودي التي يتعرض لها اليهود جراء اندماجهم في دول العالم وزواجهم وزواج أبنائهم وبناتهم من غير اليهود وهذا بدوره يساهم في انقراض السلاله اليهودية في العالم في ظل تنامي الإثنيات والأيديولوجيات والثقافات الأخرى في المنطقة.

القيادة والمأساة

"
انحراف القيادة عن أصالة الصراع وتفرغها للمغانم الحزبية الشخصية حرف مسار الصراع وأثر على مستقبل الدولة بحيث بات يذود عن حماها أناس ليسوا بأمناء على المستقبل اليهودي
"
يشير الكتاب إلى إخفاقات كثيرة تسبب بها قادة إسرائيل، وهذه الإخفاقات ليس بالضرورة أن تكون عسكرية بقدر ما هي اجتماعية ودينية وسياسية وثقافية انعكست على واقع الشعب اليهودي وتطلعاته في إسرائيل.

ويعزو الكتاب السبب في هذا الإخفاق إلى التحلل الديني والتراثي والأخلاقي لدى القيادات اليهودية في إسرائيل والتي شكل الصراع الذاتي الشخصي الجزء الأكبر منها في ظل صراع أيديولوجي مستفحل في المنطقة الأمر الذي يهدد إسرائيل ككيان في وجودها ومستقبلها.

ويرى المؤلف أن انحراف القيادة عن أصالة الصراع وتفرغها نحو المغانم الحزبية الشخصية حرف مسار الصراع وأثر على مستقبل الدولة بحيث بات يذود عن حماها -كما يشير الكاتب- أناس ليسوا بأمناء على المستقبل اليهودي، فمنهم متحللون من الدين وعصفوا بصهيونيتهم وبات عملهم السياسي بعيدا عن الأخلاق والتراث اليهودي الذي جاءت به تعاليم التوراة. وأصبح الهم الأكبر للقيادات الإسرائيلية أن تكون أولا في موقعها وبرجها العاجي. على حساب الأجيال وأيديولوجية الشعب.

ولهذا يؤكد الكتاب أن نهج هؤلاء القادة يدفع نحو المأساة وليس الخلاص، ويرى أن مقومات رجل الدولة الناجح الذي بمقدوره أن يحافظ على مستقبل إسرائيل تتمثل في الجوانب التالية:
1-انتماء يهودي صادق.
2-ولاء صهيوني نشط.
3- عمق اجتماعي وثقافي مرن.

ويرى أن هذه الأسس بمقدورها أن تحافظ على الكيان اليهودي الصهيوني بعمق ودراية قريبة من الهدف الأصيل المبني على حفظ التراث والثقافة اليهودية التي تجذر السلوك اليهودي عندها سيكون القائد السياسي في إسرائيل يتمتع بضوابط أخلاقية وقومية تدفعه لكي يحافظ على مستقبل الشعب اليهودي ولا يجعله رهينة لأمزجة القادة السياسيين الذي يبنونه ويهدمونه وهم غير مبالين لمشاعر الشعب اليهودي.

ولهذا يركز المؤلف في كتابه الذي يعتبر بمثابة رسالة أن على القائد اليهودي أن يحافظ على انتمائه بصدق وان يجدد ولاءه للصهيونية ويعمق انتماءه الاجتماعي والثقافي.

الحرب الديمغرافية

"
نجاح السلام في المنطقة ونجاح إسرائيل في إبرام اتفاقيات سلام مع الفلسطينيين سيرسخ الشعب اليهودي في إسرائيل، بل سيزيد من إقبال اليهود على الهجرة إلى إسرائيل
"
يعيش الشعب اليهودي أزمة ديمغرافية تتمثل في فشل القيادات الصهيونية واليهودية باستجلاب الملايين من اليهود الذين يعيشون خارج إسرائيل، ويشير الكتاب إلى أن إسرائيل تتطلع إلى السلام الشامل المستند على اتفاقيات معها ومع جيرانها ووجود علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية مع غالبية دول العالم العربي.

ورغم كل ذلك أخفقت الدولة اليهودية بإقناع يهود العالم من العودة إلى إسرائيل ويرى المؤلف أن إسرائيل إذا ما أرادت أن تحافظ على تفوقها الأمني وقوتها الوطنية فلا بد أن تكون قوية ديمغرافيا أيضا.

ولهذا يطالب المؤلف بضرورة زيادة عدد الإسرائيليين عن طريق التهويد ووسائل أخرى لكي يشكل اليهود الأغلبية، ولهذا يرى أنه بالإمكان أن يصبح عدد سكان إسرائيل من اليهود في عام 2040 تسعة ملايين يهودي، لا بل يؤكد أنه لا بد من ضرورة ارتفاع عدد السكان اليهود في داخل إسرائيل وخاصة الجليل والنقب ليصبحوا يشكلون 80% من عدد سكان الدولة.

ويرى الكتاب أن إسرائيل ورغم كل التحديات التي حاولت أن تحد من قدوم اليهود إليها فإن هناك نحو الثلث يعيشون خارجها موزعين على دول أوروبا وأميركا وغيرها من دول العالم.

ويعرض الكتاب العديد من الأسباب التي تحد من إقبال اليهود نحو الهجرة إلى إسرائيل وذلك بسبب تدهور الأحداث وتصاعد العمليات العسكرية الإرهابية كما يصورها الكاتب إضافة إلى عدم نجاح القيادة الإسرائيلية في صنع سلام في المنطقة.

ويرى المؤلف أن نجاح السلام في المنطقة ونجاح إسرائيل في إبرام اتفاقيات سلام مع الفلسطينيين سيرسخ الشعب اليهودي في إسرائيل. لا بل سيزيد من إقبال اليهود في الهجرة إلى إسرائيل ويرى أن السبب الثاني في عدم إقبال اليهود على الهجرة القوانين الإسرائيلية الضيقة لا سيما قانون (من هو يهودي) الذي يعتبر كل من لا يندرج من أم يهودية ليس بيهودي.

ولهذا يطالب الكاتب الحركة الصهيونية أن تعمل على توجيه القيادات السياسية -وخاصة الشابة فيها- للعمل على ترسيخ اليهود في إسرائيل حتى يحافظ اليهود على حجمهم الديمغرافي في ظل التحديات القائمة.

القيم اليهودية

"
يجب على رئيس الحكومة ومسؤولي المعارضة وأعضاء الكنيست والشعب الإسرائيلي العمل على تعميق فكرة أن إسرائيل دولة يهودية صهيونية خاصة بالشعب اليهودي
"
يشير الكتاب إلى انحدار في ميول الجيل الجديد وخاصة الشباب في إسرائيل نحو القيم اليهودية والصهيونية وذلك بسبب فراغ الساحة اليهودية من زعماء روحيين صادقين ذوي قيمة سلوكية عالية مقبولة في المجتمع ولدى الشعب اليهودي إضافة إلى تمتعها بمكانة دولية.

ورغم أن القانون ونظام الحكم في إسرائيل يتوافقان مع الطابع اليهودي الصهيوني للدولة كونها دولة الشعب اليهودي، فإن الجيل اليهودي المعاصر جيل يتطلع للتقدم في الرقي والتكنولوجيا وليست تراثية أو قومية أو دينية تصب في صالح إسرائيل.

ويؤكد المؤلف على هذه الحقيقة في فصل كامل بعنوان(البوصلة الأخلاقية اليهودية والصهيونية من خلال القيم الإنسانية) حيث يصور في هذا الفصل أن الأخلاق والقيم اليهودية في تراجع وفي أزمة ولهذا فإن التحدي يكون في الحفاظ على يهودية الدولة والأجيال.

ويرى المؤلف أن انحراف القادة في إسرائيل نحو الحزبية الضيقة والبحث عن المصالح الذاتية من خلال سياسة صراع الأحزاب والتنافس الانتخابي أدى إلى تراجع في الفكر والفلسفة اليهودية الصهيونية ولهذا استغل المؤلف كتابه ليوجه من خلاله رسائل إلى قادة إسرائيل حيث يقول "يجب على رئيس الحكومة ومسؤولي المعارضة وأعضاء الكنيست والشعب الإسرائيلي العمل على تعميق فكرة أن إسرائيل دولة يهودية صهيونية خاصة بالشعب اليهودي".

ويستعرض الكتاب ميول الشبيبة اليهودية في إسرائيل والتي تأثرت بالغرب وحضارته وبات الدين والقومية في إسرائيل بالنسبة لها دربا من الخيال والأساطير ولهذا يدعو المؤلف هذه الشبيبة لضرورة التمسك بالقيم والأخلاق اليهودية والصهيونية ذات القيمة العالية التي تؤدي إلى قوة وثورة نحو الأصالة التي مسخها السياسيون المعاصرون.

ولهذا يشكل هذا الكتاب كما يقول المؤلف ميثاقا بل وثيقة تحفظ للشعب اليهودي ثقافته وصهيونيته وأخلاقه التوراتية التي سرعان ما عصف بها السياسيون من أجل مصالحهم الخاصة.

الدولة النووية وخيار السلام

"
إسرائيل دولة نووية حققت الحماية والأمن للشعب اليهودي، وهي تتحمل المسؤولية عن مستقبله وتعزيز مكانة اليهود في الشتات، والقوة تفرض على إسرائيل العمل على بناء سلام شامل في المنطقة لأن الذي يبني السلام هو القوي وليس الضعيف
"
يشير الكتاب وبكل وضوح إلى أن إسرائيل دولة نووية حققت الحماية والأمن للشعب اليهودي، وهي تتحمل المسؤولية عن مستقبله وتعزيز مكانة اليهود في الشتات، ويرى الكاتب أن هذه القوة تفرض على إسرائيل العمل على بناء سلام شامل في المنطقة، لأن الذي يبني السلام -بحسب ما يطرح الكتاب- هو القوي وليس الضعيف.

لذلك يؤكد المؤلف أن ولوج عملية السلام هو معركة بل هو جزء من التحدي في ظل تنامي العنف والإرهاب والعمليات التفجيرية، لذلك ينبغي على إسرائيل أن تحافظ على تفوقها الأمني والعسكري لان ذلك سيحافظ على عملية السلام ويدعمها لا بل سيضع حدا للإرهاب في المنطقة.

ويرى الكاتب أنه لا بد من التركيز على بناء علاقات حسن جوار مع الدول العربية والإسلامية في إطار اتفاقيات سلام ناجحة لخدمة الأجيال، وإلا فإن عكس ذلك سيكون تنامي العنف والإرهاب والتطرف، ويوجه الكاتب ومن خلال صفحات كتابه رسالة إلى قادة إسرائيل القدامى والمحدثين تشير إلى ضرورة الاهتمام بالأجيال.

فالخيار النووي وخيار القوة والتسلح ضرورة لكنه لا يكفي في نشر الاجتماع السياسي والعلاقات مع العرب والفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة فكما الخبرة والتطور والتكنولوجيا واستجلاب الخيار النووي يخدم الشعب فإن العزيمة والقوة في البحث عن العيش الكريم للأمة والشعب اليهودي هو مطلب هام ومركز بما يخدم الأجيال, لأنه لا يعقل بتاتا أن تعيش إسرائيل ورغم ما تملك من قوة في واقع عدائي تكون فيه منعزلة عن الواقع الذي يحيط بها.

إلا أن الكتاب ورغم ما يطرح من أفكار حول التعايش مع الآخرين من أجل الحفاظ على القوة، يركز على ضرورة قيام حكومة إسرائيل ومسؤولي المعارضة وأعضاء الكنيست والشعب كله في تعميق فكرة أن تكون إسرائيل دولة اليهود والصهاينة فقط. أي خاصة به خشية من تنامي الصراح الديمغرافي إضافة إلى ضرورة الاهتمام بالشعب اليهودي في الشتات ومحاولة إغرائه للحضور والعيش في إسرائيل مع التأكيد على الحفاظ على الديمقراطية والاهتمام بالأقليات.

توصية إلى الحركة الصهيونية

"
ينبغي على الحركة الصهيونية أن تلملم شتات الشعب اليهودي من خلال مؤتمراتها وتوصياتها ونشاطاتها المحلية والعالمية، علما أن ذلك لا يتم إلا بالتواصل والتوافق ما بين القادة الصهاينة والقادة اليهود في الدولة وخارجها
"
اختتم الكاتب كتابه بتوصية إلى الحركة الصهيونية التي ينبغي عليها أن تلمم شتات الشعب اليهودي من خلال مؤتمراتها وتوصياتها ونشاطاتها المحلية والعالمية، وأكد الكاتب أن ذلك لا يتم إلا بالتواصل والتوافق ما بين القادة الصهاينة والقادة اليهود في الدولة وخارجها، وضرورة البعد عن الخلافات الداخلية الخاصة.

ويؤكد الكاتب على ضرورة التحدي الوجودي لليهود في المنطقة من أجل مواصلة سلالة الأجيال ولهذا على القائد اليهودي الصهيوني أن يدرك ذلك وأن يحافظ على جوهر القانون ونظام الحكم وأن يكون ذلك متوافقا مع الطابع اليهودي الصهيوني كون الدولة خاصة باليهود.

ويوصي الكاتب القادة أيضا في الحفاظ على الجيل الجديد، وتعبئة هذا الجيل بالمثل والقيم والتعاليم اليهودية، حتى يتسنى لهذا الجيل أن يكون جزءا من معركة الوجود اليهودي في المنطقة, خاصة وأن هناك خشية من تأثر وتطبع هذا الشباب بأفكار الحداثة والمستجدات العالمية التي تفقده حيويته.

الكتاب رسالة فلسفية جريئة خاطبت الجميع من أجل هدف قومي وديني هو إسرائيل واليهودية. ورغم ذلك يشعر القارئ أن هناك إرباكا في النص من كثرة التوجيهات والتوصيات التي أراد المؤلف أن يطلق عليها رسالة، تلك التي تتحدث تارة عن يهودية الدولة وقيمها وتارة أخرى عن السلام، فيما يوجه رسائل أخرى حول الدولة النووية.

حالة الإرباك هذه في مجملها كونت نداء استغاثة وجهه المؤلف للقادة الدينيين والقوميين والأمنيين والعسكريين ويصب في النهاية في هدف واحد، يتمثل في تجميع اليهود متدينين وقوميين يساريين ويمينين من أجل الحفاظ على مستقبل إسرائيل في الصراع العربي الإسرائيلي الذي باتت الديمغرافيا جزءا هاما فيه.

المصدر : الجزيرة