عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض الكتاب خفايا الحرب اللبنانية في الفترة الممتدة منذ عزم بشير الجميل الاستيلاء على السلطة حتى الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ثم مقتل الرئيس الشاب، وما تلا ذلك من مجازر في صبرا وشاتيلا.

وقد عمل المؤلف مراسلا لإذاعة فرنسا في بيروت لنحو 15 عاما عايش في أثنائها تلك الفترة. ويعتمد في كتابه هذا على وثائق غير منشورة كانت بحيازة الفرقاء على الساحة، وكان قد صدر له من قبل كتاب "جدار شارون" الذي فقد بسببه وظيفته في إذاعة فرنسا الدولية نائبا للمدير.


- الكتاب: أسرار حرب لبنان
- المؤلف: ألان مينارغ
- عدد الصفحات: 479
- الناشر: المكتبة الدولية، بيروت
- الطبعة: الأولى 2006

انقلاب بشير الجميل ونهايته
بدأ بشير الجميل العمل على الوصول إلى السلطة في لبنان بمساعدة مجموعة تحيط به من القادة والمستشارين، كانت تجتمع سرا وبأسماء مستعارة في دير سيدة البير الواقع على مرتفعات بلدة الزوق.

وكان يقود هذا المجلس شارل مالك أستاذ الفلسفة ووزير الخارجية اللبناني وأحد المشاركين في صياغة ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، وكان يشكل مرجعية الجميل في الشؤون الدولية، وزاهي البستاني المفوض العام في الأمن اللبناني، والذي أشرف على بناء الجهاز الاستخباري لمليشيات الكتائب، وسليم الجاهل رئيس محكمة التمييز في بيروت، وأنطوان نجم المنظر الأيديولوجي، وجوزيف أبو خليل، وجان نادر، وجورج فريحة الأستاذ بالجامعة الأميركية في بيروت، ومجموعة من القادة العسكريين للكتائب المارونية، مثل ميشال عون، وهو غير الجنرال ميشال عون الذي تولى منصب قائد الجيش ورئيس الدولة لبعض الوقت، وسمير جعجع، وإيلي حبيقة، وفادي أفرام، وفؤاد أبو ناصر، وبطرس خوند.

وكان بعض أعضاء اللجنة يمضون أسابيع متواصلة يقيمون في عزلة تامة في الدير يعدون الدراسات والتقارير والأفكار، ثم اجتمعت اللجنة اجتماعها الرئيسي يوم 27 سبتمبر/أيلول 1980 لمناقشة التقارير والدراسات المعدة بخط اليد وبنسخة واحدة تلافيا للتسريب.

كان ثمة حاجة إلى معونة دولية، وبالطبع فقد كانت إسرائيل هي المرشح المفضل لأنها تشارك الكتائب الهدف نفسه في هذه المرحلة على الأقل، وهو تصفية المنظمات الفلسطينية في لبنان.

يعود أول اتصال حقيقي بين الدولة العبرية والمسيحيين اللبنانيين إلى الحرب الأهلية الأولى عام 1958 عندما طلب رئيس الجمهورية آنذاك كميل شمعون المساعدة من جنرال الجيش الإسرائيلي إسحاق رابين قائد الجبهة الشمالية لإسرائيل، فزوده رابين بشاحنة محملة بـ500 بندقية هجومية، ولكن شمعون عزل من الرئاسة ووضعت العلاقات مع تل أبيب على الرف.

"
بشير الجميل بدأ العمل على الوصول إلى السلطة في لبنان بمساعدة مجموعة تحيط به من القادة والمستشارين كانت تجتمع سرا وبأسماء مستعارة في دير سيدة البير الواقع على مرتفعات بلدة الزوق
"
ثم استعادت هذه الصلة بعض الحيوية ابتداء من سبتمبر/أيلول 1975 بعد هجوم على قريتين في الجليل نفذه فدائي فلسطيني، فتوجه جورج عدوان زعيم مجموعة التنظيم المسيحية القومية إلى سفارة إسرائيل في باريس والتقى بدافيد كمحي، وكان الهدف الأساسي للقاء هو التزود بالسلاح.

وفي 26 مايو/أيار 1982 إبان الاجتماع الأسبوعي للجبهة اللبنانية، استقر الرأي على ترشيح الجميل للرئاسة، ووافق المكتب السياسي على هذا الاختيار، وطلب بيار الجميل أن يكون هذا الاختيار بالإجماع وقوفا وبرفع اليد، فنفذ الجميع هذا بمن فيهم أمين الجميل الذي تخلى بذلك علنا عن نيته في ترشيح نفسه للرئاسة، وكلف جورج سعادة أمين السر العام بإعلام الإسرائيليين بذلك، ومستفيدا من الظرف للطلب إليهم بالتدخل بهذا العرض عند الدول الأوروبية التي كانت تقاطع تقريبا قائد القوات اللبنانية.

وفي هذا السياق أعلن أمام الموساد بأن بشير سيضطر ربما –حسب مشروع زاهي البستاني- لانتقاد الدولة العبرية، فكانت ردة فعل المخاطب الإسرائيلي حادة، وفي اليوم الثاني باشرت القوات الإسرائيلية قصف بيروت وبدأت عملية سلام الجليل.

وبعد انقضاء 10 أيام على بدء الغزو الإسرائيلي، وفي 16 يونيو/حزيران 1982 عقد اجتماع سري في مقر السفير الأميركي أبلغ فيه فيليب حبيب بشير قرار الولايات المتحدة دعم ترشيحه لانتخابات الرئاسة، إلا أن المحيطين به كانوا يرون أن السبيل الدستوري ليس متناسبا مع الوضع. وبعد إجراء الانتخابات وإعلان فوز المرشح الوحيد الذي نددت بانتخابه سوريا، بدأ بشير الجميل العمل على تشكيل الحكومة.

وفي غرة سبتمبر/أيلول 1982 التقى بشير رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، ونقلت مصادر إسرائيلية أن الرجلين بحثا مستقبل العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية وإمكانية عقد معاهدة صلح كتلك المعقودة مع مصر.

"
في 14 سبتمبر/أيلول 1982 اغتيل بشير الجميل، وكان اغتياله زلزالا حقيقيا بالنسبة إلى القوات اللبنانية، وانتخب أخوه أمين الجميل خلفا له
"
وبعد اللقاء بأسبوعين تحديدا اغتيل بشير الجميل، وكان اغتياله زلزالا حقيقيا بالنسبة إلى القوات اللبنانية، وانتخب أخوه أمين الجميل خلفا له.

وابتدأت حرب نفوذ صامتة وبلا رحمة بين الرئيس أمين الجميل والقوات اللبنانية، ودخل في مفاوضات مع الإسرائيليين أدت إلى توقيع اتفاق 17 مايو/أيار 1983، وأقرت الحكومة الإسرائيلية هذه الاتفاقية كما صوت لصالحها أغلبية نواب البرلمان اللبناني، لكن أمين الجميل امتنع عن نشرها ولم تنفذ قط، فسحبت إسرائيل قواتها فجأة من جبال الشوف متعمدة ترك المليشيات المسيحية والدرزية وجها لوجه، ووقعت مجزرة وأرهقت المعارك القوات اللبنانية، وتآكلت من الداخل بفعل التحاق جزء منها بأمين الجميل، وبدأت تفقد نفوذها شيئا فشيئا.

الموقف العربي والدولي
تحولت الحرب الأهلية في لبنان إلى حرب إقليمية أيضا بتدخل كل من سوريا وإسرائيل في الساحة، فإسرائيل رفضت نصب الصواريخ السورية في لبنان، وبدأت الكتائب بقيادة بيار الجميل وابنه بشير تصعد عسكريا وسياسيا باتجاه إعادة النظر في الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان، ومنع التواجد الفلسطيني المسلح في بيروت والمدن والأماكن المأهولة، وفي الوقت نفسه تلتزم لبنان ألا تكون مصدرا للخطر على سوريا. ولأن الجيش اللبناني -برأي قوات الكتائب- غير قادر على ممارسة دوره وضمان الأمن في لبنان، فإن قوات الكتائب ستتولى هذه المهمة بنفسها في المناطق التي تسيطر عليها.

كانت الخطة الكتائبية تبدو تقسيما للبنان بين جنوب تسيطر عليه إسرائيل ووسط تسيطر عليه الكتائب والقوات المسيحية وشمال وغرب لحلفاء دمشق، وفي المقابل فقد اقترحت سوريا على لسان نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام وثيقة عمل من شأنها أن ترضي الجميع برأي الحكومة السورية، وهي عبارة عن معاهدة مؤسسية سياسية اقتصادية ثقافية بين لبنان وسوريا لا أكثر ولا أقل.

"
سياسيا كان لبنان ملجأ المعارضين السوريين، فبيروت كانت ملاذهم بعيدا عن قبضة النظام السياسي وبطشه، وقد كانت جميع التغييرات العنيفة للنظام السوري بين عامي 1949 و1970 -بما في ذلك حركة حافظ الأسد "التصحيحية"- تنطلق من لبنان
"
وفي هذه الأثناء كان المبعوث الأميركي فيليب حبيب يضاعف جولاته بين القدس وعمان والرياض ودمشق وبيروت محاولا خفض التوتر السوري–الإسرائيلي، والتوتر السوري-اللبناني.

وحاولت الرئاسة اللبنانية والكتائب أيضا تهدئة القلق السوري حول التحالف مع إسرائيل، وأرسلت مع حبيب رسالة موقعة من بشير الجميل وموجهة إلى الرئيس السوري حافظ الأسد تقول إن القوات اللبنانية لا تريد تقسيم لبنان ولا تؤيد إنشاء دولة مسيحية، وإنها ملتزمة بألا يكون لبنان قاعدة للهجوم على سوريا، وفي الوقت نفسه يجب العمل المشترك على ترميم سيادة لبنان وأمنه. وتعهد حبيب بنقل الرسالة مقابل التزام القوات اللبنانية بعدم القيام بعمل عسكري، والتعهد بأن تعمل فقط في سياق سلمي.

كانت سوريا تنشر 20 ألف جندي من قواتها في لبنان، ولم تكن دمشق التي تحولت إلى مركز لعدد من الأحزاب السياسية اللبنانية، تخفي طموحها بأن تتحكم بالسلطة السياسية في بيروت.

لقد رأى حافظ الأسد أن لبنان يشكل الخاصرة التي يمكن عبرها تهديد سوريا على المستوى الإستراتيجي، فوادي البقاع الممتد بمحاذاة الحدود الغربية لسوريا ومرتفعات الباروك وصنين المطلة على دمشق، تشكل ثغرة هامة.

وعلى المستوى السياسي كان لبنان ملجأ المعارضين السوريين، فبيروت التي تبعد عن سوريا 60 كلم فقط كان الوصول إليها كافيا ليجعل المعارضين والهاربين بعيدين عن قبضة النظام السياسي وبطشه، وكانت أيضا قريبة جدا لمواصلة العمل السياسي، وقد كانت جميع التغييرات العنيفة للنظام السوري بين عامي 1949 و1970 بما في ذلك حركة حافظ الأسد "التصحيحية" تنطلق من لبنان.

وثمة موضوع آخر خلافي بين دمشق وبيروت، وهو حرية الصحافة اللبنانية والعربية المتخذة من بيروت مقرا لها، وقد كان شارع الحمراء في بيروت مقرا لـ37 وكالة أنباء و448 صحيفة مطبوعة، فقد كان لكل نظام سياسي ولمعارضته -أيضا- صحيفته التي تصدر في بيروت، وقد أسس فيها حافظ الأسد نفسه صحيفة الشرق عام 1977.

تفرغ سوريا للبنان
وما إن تحرر النظام السياسي السوري من الضغوط العسكرية الإسرائيلية المباشرة باتفاق فصل القوات في الجولان حتى تفرغ للبنان، وكانت النزاعات بين المليشيات والعمليات العسكرية الفلسطينية ضد إسرائيل تسهل له الأمور.

ونجحت منظمة التحرير الفلسطينية في خلق حالة انشقاق ضمن الجيش اللبناني: جيش لبنان العربي بقيادة الملازم أول أحمد الخطيب، وفي إنشاء كيانات سياسية واقتصادية تابعة أو مؤيدة لها.

كانت دمشق تسعى في البداية لكسب ولاء المسيحيين، ودخلت لأجل ذلك في معركة مع المنظمات الفلسطينية، وسهلت للقوات المسيحية اجتياح مخيم تل الزعتر، ولكن هذه العلاقات الودية مع المسيحيين انهارت عام 1978 وحدثت مواجهات دامية أدت إلى قطيعة نهائية بين سوريا والموارنة اللبنانيين.

ولكن القوات اللبنانية بقيادة بشير الجميل وجدت نفسها بعد اغتياله في حالة فراغ سياسي، فقد أخلت هذه الوفاة بالحالة التي تشكلت من خلال التكامل الفريد بين بيار الجميل وابنه بشير، ولم يعد بيار بعد فقدان ابنه قادرا على قيادة الكتائب وتشكيلاتها السياسية والعسكرية، ولم يستطع أمين الجميل شقيق بشير مواصلة الحالة السابقة.

"
كانت دمشق تسعى في البداية لكسب ولاء المسيحيين، ولكن هذه العلاقات الودية مع المسيحيين انهارت عام 1978 وحدثت مواجهات دامية أدت إلى قطيعة نهائية بين سوريا والموارنة اللبنانيين
"
فقد كانت القوات اللبنانية ضده، وكانت هذه القوات التي تضم أكثر من 20 ألف مقاتل وتنفق على الأقل 12 مليون دولار شهريا وتحظى بدعم الدولة العبرية، تمثل وزنا سياسيا وعسكريا مهما وخطيرا وتبدو سائرة نحو المغامرة والمجهول، ولم يكن للأميركان خطة بديلة لما بعد بشير فقد كان هو رهانهم الأساسي.

وقد التقى أمين الجميل في بيروت بعد مقتل أخيه بالقيادة الإسرائيلية العليا: إسحق شامير وأرييل شارون ودافيد كمحي وقادة الموساد والجيش الإسرائيلي، وأبدى استعداده للعمل على إقامة علاقة وسلام حقيقي مع إسرائيل مع الأخذ بالاعتبار عوامل الوقت والجغرافيا والديمغرافيا في لبنان والمنطقة، وجرى اتفاق على دخول القوات الإسرائيلية إلى لبنان.

وأعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران أنه بناء على طلب الحكومة اللبنانية قررت باريس المشاركة في تشكيل قوة متعددة الجنسيات تكون مهمتها الإسهام في إعادة الأمن واحترام القانون العام.

وفي 21 سبتمبر/أيلول 1982 انتخب أمين الجميل رئيسا رابعا للجمهورية اللبنانية، وكان على أرض لبنان يومذاك 11 جيشا أجنبيا عدا المليشيات العامة والخاصة من كل فئة واتجاه.

وفي 24 فبراير/شباط 1984 تخلى أمين الجميل نهائيا عن الخيار الإسرائيلي وقام بزيارة مثيرة لسوريا، ثم أقصى فادي أفرام بحركة انقلابية عن قيادة القوات اللبنانية.

المصدر : الجزيرة