عرض/ محمد مورو 
قيمة هذا الكتاب لا ترجع إلى موضوعه وهو القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء –رغم أنه موضوع شديد الأهمية- ولا إلى مادته التي تتسم بالدقة واللغة القانونية، ولا إلى المؤلف وهو مؤرخ مصري معروف ومفكر إسلامي قومي، وقبل ذلك فهو أحد أهم رجال القانون في مصر، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الدولة في مصر سابقاً, ولكن الأهمية ترجع إلى توقيت صدور الكتاب.
 
فالكتاب صدر في أوج تصاعد الأزمة بين الحكومة المصرية من جهة ونادي القضاة المصري الذي يمثل 90% من القضاة تقريبا، وهو هيئة يتم اختيار مجلس إدارتها عن طريق الانتخاب وليس التعيين، بالإضافة إلى من وقف مع القضاة من محامين وصحفيين وحركات سياسية واجتماعية ومؤسسات مجتمع مدني..إلخ.
 
بين المجلس الأعلى ونادي القضاة 

- الكتاب: القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء
- المؤلف: طارق البشري
- عدد الصفحات: 96
- الناشر: مكتبة الشروق الدولية, القاهرة 
- الطبعة: الأولى 2006 

الصراع في شكله الخارجي وحسب رواية الحكومة يدور بين تنازع اختصاصات كل من نادي القضاة من جهة, والمجلس الأعلى للقضاء الذي يترأسه وزير العدل من جهة أخرى، ومن ثم فهو -أي المجلس- في رأي النادي ومجلس إدارته يمثل السلطة التنفيذية إلى حد ما، وهو ما يتعارض مع الاستقلال القضائي. كما يرى النادي أن المجلس محاولة لانتزاع قانون يحقق للسلطة القضائية استقلالها، ويحقق لها إشرافا حقيقيا على الانتخابات التي أوكل الدستور لهم الإشراف على إجرائها وإعلان نتائجها.

ولكن هل مطلب نادي القضاة بالإشراف على الانتخابات باعتباره ضمانة حقيقية للديمقراطية نوع من ممارسة السياسة التي يحظر القانون على القضاة ممارستها؟

إن أحد أهداف كتاب المستشار طارق البشري الذي نحن بصدده هو الإجابة على هذا التساؤل, حيث يرى "أن القضاة حين يصرون على إشراف حقيقي على الانتخابات وكل ما يتصل بها حتى نهايتها لا يعتبر ذلك منهم اشتغالاً بالسياسة، وإذا اعتبرت هذه المطالب اشتغالاً بالسياسة كما يفهم مما صدر عن مجلس القضاء الأعلى، فلابد من اعتبار عملية الإشراف على الانتخابات التي أوجبتها عليهم المادة 88 من الدستور اشتغالاً بالسياسة أيضاً، لأن هذا الإشراف هو أصل المطالبة".

ويضيف المستشار البشري في الفصل الذي جاء بعنوان "نادي القضاة وما يطالب به للإصلاح الديمقراطي" قوله إن "على السلطة التنفيذية ألا تعرقل هذا الأمر وألا تخل بفاعلية الإشراف من حيث كونه لابد أن يحقق الحياد والاستقلالية والنزاهة. والمبدأ القانوني الذي يعرفه جميع المشتغلين بالقانون أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وطبقاً لهذا الأمر فإن ما طالب به القضاة في هذا الشأن يعتبر مطالب يتوجها نص الدستور طبقاً لمقتضى هذا النص".

"
الأهمية القصوى لمشروع التعديل الذي يقدمه القضاة من خلال ناديهم ليس بحسبانه مطالب لفئة اجتماعية، ولكن لأنه يتصل بصميم التنظيم الديمقراطي والدستوري للدولة
"
تعديل قانون السلطة القضائية

يتطرق الكتاب إلى المطلب الثاني للقضاة وهو تعديل قانون السلطة القضائية بما يحقق استقلال القضاة، وهو المطلب الذي دارت حوله صراعات ومفاوضات بين نادي القضاة والحكومة.
 
المؤلف يرى "أن الأهمية القصوى لمشروع التعديل الذي يقدمه القضاة اليوم من خلال ناديهم ليس بحسبانه مطالب لفئة اجتماعية مهما كان سمو مرتبتها ومنزلتها، ولكن لأنه يتصل بصميم التنظيم الديمقراطي والدستوري للدولة المصرية"، أي أن المطلب يدخل في صميم مستقبل الإصلاح السياسي في مصر ويحقق في نفس الوقت مبدأ الفصل بين السلطات.
 
وقد سرد في هذا الصدد كيف أن وزير العدل -وهو جزء من السلطة التنفيذية- يسهم بدور كبير في إدارة القضاء، وضرب المؤلف العديد من الأمثلة في هذا الصدد، وخلص إلى أنه من الضروري أن يدار القضاء من داخله وبرجاله وأن يتم فك وثاق التبعية بين سلطتين دستوريتين تقف إحداهما وهي السلطة القضائية رقيباً للمشروعية على الأخرى.
 
ووضع المؤلف عدداً من الاقتراحات, أو بالأحرى تبنى عدداً من الاقتراحات التي تقدم بها نادي القضاة في هذا الصدد، ويرى أن النادي هو المعبر الحقيقي عن القضاة، فهو ليس مجرد نادٍ اجتماعي ييسر لأعضائه الخدمات الاجتماعية والثقافية، وليس نقابة تدافع عن حقوق المنضمين إليها ورعاية أصول المهنة، ولكنه كل هذا وذاك، بالإضافة إلى أنه الهيئة المشخصة لما يمكن أن نسميه الجماعة القضائية.
 
تناقض دستوري ولفظي
وفي فصل بعنوان "ما هي الهيئات القضائية في المفهوم الدستوري"، يناقش المؤلف بلغة قانونية صعبة ومعقدة –بالطبع– ماهية الهيئات التي ينطبق عليها وصف الهيئات القانونية. وبعد مرافعة طويلة وحجج قانونية ودستورية دقيقة يصل إلى وجود خلل فيما يسمى بالمجلس الأعلى للقضاء الذي يقوم على شؤون الهيئات القضائية.
 
ويرى أن هذا التشكيل أحاط هذه الهيئات بسمة الهيئات القضائية، وهو يتكون من رئيس الجمهورية رئيسا للمجلس بموجب قانون تشكيله، ويجمع في عضويته وزير العدل الذي ينوب عن رئيس الجمهورية في رئاسته عند غياب الرئيس، كما يجمع في عضويته النائب العام ورئيس هيئة قضايا الدولة ورئيس هيئة النيابة الإدارية.
 
"
الصراع بين نادي القضاة والمجلس الأعلى للقضاء صراع بين هيئة قضائية هي الأولى، وهيئة لا ينطبق عليها صفة الهيئة القضائية هي الثانية، ومن ثم يكون الممثل الصحيح للقضاة هو النادي فقط
"
ويرى المؤلف أن رئيس الجمهورية مثلاً ليس من عداد الهيئات القضائية حسب توزيع السلطات الواردة في الدستور، بما يعني أن الدستور ذاته لم يشترط أن يكون أعضاء المجلس كلهم ممثلين للهيئات القضائية، والقانون الصادر بتشكيل المجلس يقيم وزير العدل نائباً عن رئيس الجمهورية فيه، ولم يقل أحد في تفسير هذا القانون ذاته ولا في التفريع على أحكامه أو الاحتجاج بنصوصه أن وزير العدل من الهيئة القضائية أو أنه يمثل أياً منها، لأنه وزير عضو في مجلس الوزراء، وهو يقيناً من أفراد السلطة التنفيذية، وهو غير مستقل لخضوعه لرئاسة الوزراء ومجلسهم، وهو يشغل وظيفة سياسية يمتنع على القضاة الاشتغال بها ما بقوا قضاة عاملين، وهو لا يتمتع بضمانة من ضمانات الاستقلال في قراراته، ولا حصانة له من عدم العزل.
 
وهكذا فإن المؤلف ينزع عن المجلس الأعلى للقضاء صفة الهيئة القضائية ومن ثم يكون الصراع بين نادي القضاة والمجلس صراعا بين هيئة قضائية هي الأولى، وهيئة لا ينطبق عليها صفة الهيئة القضائية هي الثانية، ومن ثم يكون الممثل الصحيح للقضاة هو النادي فقط، وهو أمر له دلالته على مستوى ما حدث ويحدث في صراع الحكومة مع القضاة.
 
القضاء المصري ومحنة الانتخابات
إشراف القضاء المصري على الانتخابات مطلب طالما نادت به أحزاب المعارضة المصرية والقوى السياسية المحجوبة عن الشرعية مثل الإخوان المسلمين والشيوعيين وغيرهم وطالبت به شخصيات مستقلة، كما يحظى بالإجماع الوطني واضطرت الحكومة للأخذ به وتعديل الدستور من ثم في هذا الاتجاه. ولكن هل كان كل هذا النضال السياسي لتحقيق هذا المطلب من أجل أن يتحول الموضوع إلى محنة للقضاة؟
 
"
إننا أمام دولة ذات نظام سياسي متكامل وتصورات مستقرة واعتياد سياسي قديم، وأمام مصالح مدعومة ومؤسسة ذات بأس واقتدار، وأمام ما يشبه العقيدة السياسية وهي أن الحكومة والمجلس النيابي والحزب الحاكم هم ثلاثة في واحد
"
يفرد المؤلف فصلاً خاصاً بهذا العنوان ويرى أننا أمام دولة ذات نظام سياسي متكامل، وأمام تصورات مستقرة واعتياد سياسي قديم، وأمام مصالح مدعومة ومؤسسة ذات بأس واقتدار، وأمام ما يشبه العقيدة السياسية وهي أن الحكومة والمجلس النيابي والحزب الحاكم هم ثلاثة في واحد, ثلاثة أشكال ومظاهر لسلطة واحدة ذات إدارة ومشيئة واحدة, هم ثلاثة في الشكل وواحد في الجوهر، وهذا الجوهر لا يضمن وجوده واستمراره إلا عملية سياسية تجري كل خمس سنوات، هي الانتخابات التي يجب أن تكون نتائجها في نفس اتجاه الجوهر، ومن ثم فإن على رجال القضاء أن يكونوا مسؤولين عن سلطة الانتخابات.
 
وبعد استعراض الظروف الموضوعية لعمل القاضي في كل من لجنة الانتخابات والمحكمة، يخلص المؤلف إلى صعوبة محافظة القاضي على حياده واستقلاله وشرفه المهني في الانتخابات، خاصة أنه يواجه مؤسسات ومصالح ودولة تتشبث بمواقفها بقوة.
 
ويطرح عدداً من الاقتراحات لتفعيل الإشراف القضائي على الانتخابات وتقليل عوامل الضغط الحكومي عليهم، وهو في هذا الصدد يتفق مع بعض ما جاء في مطالب نادي القضاة وأحياناً يزيد عليها.
 
مصر في مفترق طرق
اختار المستشار طارق البشري أن يضع فصلاً بعنوان "القضاء في مفترق طرق"، ولكن الحقيقة أن الفصل يضع مصر ذاتها في مفترق طرق.
 
يرى المؤلف أن القضاء المستقيم والمقتدر أساس لا يمكن الاستغناء عنه ولا بديل له كي تحل الخصومات داخل الجماعة الحضارية بالوسائل السلمية المشروعة، لأنه به وحده تتحول الخصومات من وسائل استخدام العنف لحماية الحقوق أو اقتضائها إلى وسائل استخدام الحجج والأسانيد الحقوقية التي تعتمد على أحكام وقواعد معروفة سلفاً، وإذا انحسرت الصفتان عن القضاء وعم العلم بانحسارهما فليس معنى ذلك أن ظلماً سيشيع ولا أن حقاً سيهضم فقط، بل معناه الأخطر أن أساساً من أسس تحضر الجماعة قد انهار.
 
إن الأمن الاجتماعي يحتاج إلى نظام قضائي مستقيم ومقتدر، وهذا النظام ليس مطلوباً فقط لكفالة الحقوق ورد المظالم، وإنما هو مطلوب للأخطر وهو كفالة انتظام الجماعة في شؤونها وحفظ القدر الكافي لتماسكها واطراد مسيرها.
 
"
عندما تكون نظم الحكم قوية وتستند إلى مسوغات شرعية سياسية وثقافية فإنها تحترم استقلال القضاء، والعكس صحيح تماماً، فعندما تفقد النظم مشروعيتها تبحث عن ورقة توت تسترها عن طريق قرارات قضائية أو فنية فيحدث الصدام
"
ويفهم من كلام المؤلف أن ما حدث أو يحدث من اعتداء على بعض القضاة بالضرب أو الإهانة أو غيره، أو محاولة الدولة احتواء القضاة والإنقاص من سلطتهم أو تحويلهم إلى مُشاهدٍ شكلي في عملية الانتخاب التي تجري إدارتها بوسائل معينة لا يستطيع القضاة السيطرة عليها، عمل يتسم بأقل قدر من الحكمة لأن ذلك قد يفيد النظام السياسي لحظياً، ولكنه يهدم الكثير من البنية التحتية للجماعة الحضارية، ويكون قد هدم الكثير من نظام الحكم ذاته.
 
ويستعرض المؤلف في فصل السياق التاريخي جزءاً من تاريخ النضال القضائي لتحقيق استقلال القضاء، وأن ذلك كان بفضل جهود الآباء والأجداد الذين حققوا استقلالهم في الأربعينات من القرن الماضي، وأن هذا الاستقلال تعرض لعمليات متكررة من النظم السياسية المختلفة للانتقاص منها: عام 1951 وعام 1968وعام 1969 الذي سمى بعام مذبحة القضاة، وأن النظام الناصري كان يمارس ذلك بوضوح ولكن نظام السادات كان يمارسه بطرق ناعمة وماكرة، مع خطورة تلك الطرق الناعمة على إنسانية ونفسية القاضي (الإفساد من الداخل)، وأن تاريخ القضاء المصري هو تاريخ الصراع بين الاستقلال والاحتواء.
 
أخيرا يخلص المستشار البشري إلى أن نظم الحكم عندما تكون قوية وتستند إلى مسوغات شرعية سياسية وثقافية فإنها تحترم استقلال القضاء، والعكس صحيح تماماً، فعندما تفقد النظم مشروعيتها تبحث عن ورقة توت تسترها عن طريق قرارات قضائية أو فنية، ومن ثم تنتفض الهيئة القضائية للدفاع عن استقلالها فيحدث الصدام.

المصدر : الجزيرة