عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
هذا الكتاب يقدم جواباً صارخاً وفاجعاً على السؤال التالي: لماذا لا يفهم الساسة الغربيون والرأي العام الغربي القضايا العربية والإسلامية كما هي على أرض الواقع؟ ولماذا تتكون لديهم صورة مخالفة تماماً لذلك الواقع وغالباً سلبية عن الأفراد والمجتمعات والمنظمات والقضايا في المنطقة العربية والإسلامية؟

والغريب بشأن الكتاب أنه صادر عن دار نشر محترمة هي دار جامعة ييل للنشر.

ورغم أنه يطفح بالمغالطات والأخطاء والأفكارالمسبقة ولا علاقة له بالأكاديمية والبحث الموضوعي كما سنرى أدناه, فإن دينس روس المبعوث الأميركي للشرق الأوسط لسنوات طويلة بين 1988 و2000 يصفه بأنه كتاب قيم جداً ويدعو صناع القرار في واشنطن إلى قراءته للاستفادة مما فيه عندما يصوغون سياساتهم إزاء الشرق الأوسط.

وإذا كان صناع القرار هناك يبنون سياساتهم وإستراتيجياتهم على كتب ودراسات كدراسة ماثيو ليفيت عن حماس، فإن هذا يفسر التوجهات الكارثية التي تنتج عنهم وعن سياساتهم.

مؤلف الكتاب شغل مناصب استخباراتية في الولايات المتحدة في إدارة جورج بوش, وعمل قبلها في مكتب التحقيقات الاتحادي, ويعمل حاليا كباحث ومدير لقسم دراسات الإرهاب في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى. 

- الكتاب: حماس.. السياسة والعمل الخيري والإرهاب في خدمة الجهاد
- المؤلف: ماثيو ليفيت
- دار النشر: دار ييل للنشر، واشنطن
- عدد الصفحات: 314
- الطبعة: الأولى 2006

هدف الكتاب -كما تشير المقدمة- واضح لا لبس فيه، وهو إثبات أن حماس حركة إرهابية ولا فرق بين أجنحتها السياسية والاجتماعية والدينية والعسكرية, فكلها إرهابية وكلها يجب أن تحارب.

وللوصول إلى هذا الهدف فإن المؤلف يستخدم كماً كبيراً, وإن كان ذا قيمة علمية قليلة من المعلومات الأمنية الآتية من ملفات الاستخبارات الأميركية والأردنية والإسرائيلية.

ويوظف هذه المعلومات في فصول الكتاب التسعة التي تبدأ بتناول أصل حماس وتأسيسها ثم إستراتيجيتها في "الدعوة", انتقالاً إلى "الإرهاب وقيادة حماس السياسية", ثم "الجهاد الاقتصادي", و"لوجستيات الإرهاب", وصولاً إلى العمل الخيري لحماس وكيف تستخدم "الإرهاب", وكيف تحصل على دعم الدول العربية والإسلامية لتحقيق أهدافها.

ويختم المؤلف حملته التحريضية بفصل عنوانه "هل ستضرب حماس الغرب؟"، موحياً بأن احتمال تنفيذ عمليات عسكرية من قبل حماس في الدول الغربية صار من شبه المؤكد.

فصل الأسباب عن الظواهر
كتاب ليفيت ينتمي من ناحية منهجية إلى تيار متصاعد في القراءات الغربية الخاصة بالحركات الإسلامية وحركات العنف السياسي بشكل عام، لا يكترث بأسباب ظهور هذه الحركات وتبنيها للعنف ولا يهتم بأهدافها النهائية, ويركز في المقابل على وسائلها.

وهذه المنهجية هي في الواقع استخباراتية بحتة وليست سياسية براغماتية، فضلا عن أن تكون أكاديمية أو قائمة على التحليل الاجتماعي للظواهر.

فالمقصود هو مواجهة أمنية وتفادي الغرق في تفاصيل الأسباب: يجب قمعهم بدل فهمهم.

فمحاولة فهم الأسباب ودراسة الأهداف التي تعلنها هذه الحركات ليست سوى مضيعة للوقت وتؤدي إلى غلبة النظرية المعيارية القيمية, ومواجهة السؤال فيما إن كانت الأسباب المنتجة لهذه الظواهر منطقية, وأهداف تلك الحركات عادلة.

وللهروب من هذا السؤال فإن الطريق القصير هوالتركيز على وسائلها: العنف و"الإرهاب".
 
"
أحد أهم الطروحات الرئيسية في كتاب ليفيت أن ليس ثمة جناح عسكري وآخر سياسي في حماس, هناك حماس واحدة وهي حماس الإرهابية
"
حماس كلها إرهابية
أحد أهم الطروحات الرئيسية في كتاب ليفيت هي أن ليس ثمة جناح عسكري وآخر سياسي في حماس, هناك حماس واحدة وهي حماس الإرهابية.

فالسياسي والثقافي والديني والاجتماعي هم جميعاً في خدمة ما يراه ليفيت "الإرهاب الفلسطيني" الذي تطلقه حماس. والقيادة السياسية لحماس مسؤولة عن عمليات التفجيرات في المدن الإسرائيلية بنفس الدرجة التي يتحمل فيها جناح حماس العسكري عز الدين القسام تلك المسؤولية.

ويكتب ليفيت بنفس تحريضي واضح أنه من غير المعقول ترك القيادات السياسية لحماس تتنقل في العالم وحصر المطاردة والتركيز على قياداتها العسكرية.

يحشو المؤلف كتابه بمعلومات تفصيلية وفائضة عن الحاجة بشأن نشاط سياسي حماس خارج فلسطين في حقل جمع التبرعات وتحويلها إلى الداخل, ويتابع الكثير من الملفات والقضايا الأمنية خاصة في الولايات المتحدة القائمة حول اتهام أفراد بأن لهم علاقة بحماس وأنهم كانوا مسؤولين عن تحويل أموال إلى جمعيات خيرية.

ويظن المؤلف أنه عن طريق حشد تلك المعلومات العادية التي تشير إلى أن مئات الألوف من العرب والمسلمين والفلسطينيين كانوا يرسلون تبرعات إلى الجمعيات الخيرية الفلسطينية عن طريق منظمات إسلامية في أميركا، فإنه يثبت أن حماس كانت تعمل بشكل إرهابي في الساحة الأميركية.

والعمل الخيري الذي يوصف بأنه أحد أهم جوانب قوة حماس لأنه يستقطب لها شعبية كبيرة, ليس سوى غطاء "للإرهاب".

فحماس تستخدم رياض الأطفال والمساجد وجمعيات رعاية الأيتام من أجل تخزين الأسلحة والتدريب العسكري, وإخفاء المطاردين من "الإرهابيين". وهي تستخدم الجمعيات الشبيهة خارج فلسطين لتمويل صفقات السلاح وسوى ذلك.
 
"
حماس جندت للقاعدة بعض العناصر في قطاع غزة منهم الإنجليزي ريتشارد ريد الذي اتهم بأنه كان يحاول تفجير طائرة أميركية بقنبلة مزروعة في حذائه
"
حماس والقاعدة
يفاجئنا المؤلف بأن حماس قريبة جدا من القاعدة وأن خطوط  تمويل المنظمتين متقاربة إن لم تكن واحدة. وهو يعلم بالطبع أن ربط حماس بالقاعدة يعني شطبها عن صناع القرار الغربيين وفي أوساط الرأي العام الغربي بشكل عام.

ويضخم المؤلف من أية إشارة عابرة هنا أو هناك ويعتبرها دليلاً دامغاً على "الأرضية المشتركة" لحماس والقاعدة. بل إنه يتحفنا بمعلومة أن حماس قد جندت للقاعدة بعض العناصر في قطاع غزة منهم الإنجليزي ريتشارد ريد الذي اتهم بأنه كان يحاول تفجير طائرة أميركية عن طريق قنبلة مزروعة في حذائه.

كما يورد المؤلف تسجيلات استخباراتية مبنية على التنصت لمحادثات ولقاءات مثل الشيخ اليمني المؤيد، تتضمن إشادة بحماس وإشادة بالقاعدة، ويستنتج منها أن المنظمتين تقومان بنفس العمل.

وخلاصة مقولاته هنا هي أنه رغم حرص حماس على الابتعاد "علنياً"عن القاعدة فإنها قريبة منها، ولا يستبعد وجود تعاون تنظيمي وصلات قوية بين الطرفين.

وحتى إن لم يتواجد هذا, فإنه سيحدث قريباً على الأغلب في المستقبل القريب.

حماس كإمبراطورية للشر
كتاب ليفيت يرسم صورة لحماس وكأنها إمبرطورية شر عالمية تمتد من فلسطين إلى البلدان العربية, إلى أوروبا, إلى الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية.

وفي كل هذه المناطق ترتكب كل ما قد يخطرعلى البال من جرائم، فهي متورطة في الاتجار بالمخدرات، وتزوير بطاقات الاعتماد والسرقة, وتزييف الوثائق والمنتجات, وتهريب السجائر والتهرب من الضرائب, وسرقة وصفات حليب الأطفال لتصنيعها من دون رخصة.

كما أنها تعمل على تمويل نفسها وعملياتها عن طريق سرقة حقوق الملكية الفردية في سوق الإعلام وغير ذلك.

وتصل قائمة الاتهامات الموجهة لحماس من قبل ليفيت إلى أن أفرادا منها كانوا متورطين في جرائم تصنيع زيوت مغشوشة في الولايات المتحدة.

أما في فلسطين فمن الغرائب التي يسوقها ليفيت في كتابه ليصدم بها القارئ الغربي هي كون حماس تمارس كل أنواع القسوة و"الإرهاب" الفكري والاجتماعي والعنف الجسدي ضد الفلسطينيين الذين لا يخضعون لها.

فعلى سبيل المثال نقرأ أن حماس مارست التخويف ضد سكرتيرة كانت تعمل في إحدى المؤسسات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية بغية الحصول منها على معلومات أمنية.

وعندما رفضت السكرتيرة ضغوط حماس قررت الحركة تهديدها وممارسة تخويف مباشر ضدها وضد عائلتها وصل حد الضرب الجسدي.
 
وعلى صعيد آخر فإن حماس مارست تهديدات ضد المسيحيين الفلسطينيين بسبب عقيدتهم، وكانت السبب في هجراتهم إلى الخارج.

وقائمة التهم تطول أكثر، ويجد المؤلف حرية كبرى في سوق ما يريد من تهم دون إثباتات خاصة لقارئ غربي لا يدري أين هي فلسطين أصلاً.
 
"
هناك دول مثل السعودية وليبيا وإيران تدعم إرهاب حماس بالمال والمساندة, وهناك دول أخرى مثل قطر ولبنان واليمن تقدم تسهيلات لإرهاب حماس
"
"إرهاب" حماس الدولي
يكرس المؤلف أكثر من فصل ليرسم صورة عن شبكة "الجهاد المعولم" التي تقودها حماس والمنخرطة فيها, بما في ذلك الدول الداعمة لإرهاب حماس.

ففضلاً عن شبكات الجمعيات الخيرية الإسلامية التي لم يترك ليفيت واحدة منها دون أن يتهمها بالإرهاب, هناك دول مثل السعودية وليبيا وإيران تدعم "إرهاب" حماس بالمال والمساندة, وهناك دول أخرى مثل قطر ولبنان واليمن تقدم "تسهيلات لإرهاب" حماس.

وكل ذلك سيؤدي بحسب المؤلف إلى نتيجة واحدة مؤداها أن إرهاب حماس سيضرب في عمق الولايات المتحدة وفي قلب أوروبا، وأن بعض "السذج" -كما يقول المؤلف- من السياسيين الغربيين وخاصة في أوروبا يعتقدون أن حماس لن تغير سياستها الملتزمة بها لحد الآن والقاضية بحصر الصراع في أرض فلسطين.

والغريب في هذه النقطة هي أن المؤلف يزايد على الإسرائيليين أنفسهم ويختلف مع تقديرات خبراء إسرائيليين عسكريين يقولون إنه يستبعد عمليا أن تغير حماس إستراتيجيتها وتتبنى عمليات خارجية.

أين إسرائيل واحتلالها؟
على امتداد صفحات الكتاب وفصوله السبعة ليس هناك ذكر للاحتلال الإسرائيلي.

وليس هناك شرح للقارئ لماذا نشأت حركة حماس وضد من؟ ولماذا نشأت بقية الحركات الفلسطينية الأخرى؟
 
تبدو حماس وكأنها حركة إرهابية عمياء نزلت من كوكب آخر ليس لها هدف إلا قتل المدنيين الإسرائيليين والاستمتاع بذلك.

يغيب الاحتلال الإسرائيلي ووحشيته، ومعاناة الفلسطينين جراء ذلك الاحتلال الذي يدفعهم لتبني أقصى أساليب الدفاع عن النفس.

وإن حدث واضطر المؤلف للإشارة إلى عمق الإحباط والفقر وفقدان الأمل في أوساط الفلسطينيين، فهي تعود إلى فشلهم وفساد سلطتهم وتعثر مجتمعهم, وكأنهم لا يعيشون تحت احتلال عسكري قهري.

هذا الكتاب الذي لا يصمد أمام أية قراءة موضوعية ومنصفة, ولا يمكن نسبته إلى الكتب ذات القيمة لا من ناحية دقة المعلومة أو حصافة التحليل, ويطفح بالتحريض والمواقف المسبقة، سيساهم -للأسف الشديد- في تشكيل رؤية ونظرة كثير من صناع السياسة الأميركية إزاء حماس والفلسطينيين في الوقت الراهن.

المصدر : الجزيرة