عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
يعيد أستاذ الأدب العربي في جامعة إكستر البريطانية رشيد العناني طرح السؤال المزمن الذي أقلق المثقفين العرب على مدار قرنين من الزمان: كيف تكون علاقتنا مع الغرب, وكيف نتأثر ونؤثر فيه وإلى أي حد؟

ربما جاز القول إنه لم يواجه العرب خلال القرنين الماضيين مسألة أشد تعقيداً وصعوبة وحيرة من هذا السؤال وتشعباته، إذ ما كف عن تقديم التحدي في وجه أجيال المثقفين والسياسيين العرب عبر عقود, على اختلاف مشاربهم الثقافية وأيديولوجياتهم السياسية والدينية.

- الكتاب: تصورات العرب عن الغرب.. مواجهات الشرق والغرب في الرواية العربية
- المؤلف: رشيد العناني
- عدد الصفحات: 255
- الناشر: لندن, راوتلديج
- الطبعة: الأولى 2006

فمن لحظة أن وطئت جيوش نابليون أرض مصر عام 1798, إلى لحظة وطئت جيوش جورج بوش أرض العراق عام 2001, والعلاقة مع الغرب في التباس بين مد الحروب وجزر التثاقف, يسيل في طريقها دم كثير ويسيل في وصفها حبر كثير.

وكما نقرأ في كتاب العناني الذي يعيد صوغ السؤال والتأمل فيه, فإن الإشكالية التي واجهت المثقفين العرب والمجتمعات العربية على نطاق أشمل هي التالية: الغرب هو المستعمر الباطش, مسير الجيوش الطامعة في جغرافيا المنطقة, ومطلق الحضارة المتحدية لتاريخها, والناهب لخيراتها بلا حساب.

لكن الغرب هو أيضا مصدر الحداثة, والعلم, والمدنية, والتقنية, والتنظيم السياسي والاجتماعي الحديث.. في عواصمه تُصنع السياسات الكبرى التي شكلت وجه البلدان العربية وتحكمت -وما زالت- في حاضرها, وإلى ذات العواصم تتجه جحافل العرب ذهابا وإياباً, تعلماً, وتسيساً, وتثقفاً, ورغبة في الالتقاط والتقليد.

إليه جاء من تحالفوا معه, وإليه جاء من ناضلوا ضده.. في مدنه وجامعاته وجمعياته انتشر قوميو العرب, ويساريوهم, وإسلاميوهم, وملكيوهم, وجمهوريوهم.. كلٌّ اتخذ في هذه الحقبة الزمنية أو تلك موقع قدم, أو منبر صحيفة, أو مقر حزب. وفي اقتصاده وثقافته وسياسته دأب جريان ما يستفز فكر العرب وسياستهم وهويتهم ودينهم.

"
العلاقة مع الغرب منذ القرن الـ18 وحتى القرن الحالي كانت وما زالت ملتبسة وحائرة بين خيارات ثلاثة: الاتباع المطلق والرفض المطلق والاقتباس الانتقائي، وما زلنا نبحث في المسألة المستعصية
"
العلاقة الملتبسة وثلاثة خيارات
هي إذن علاقة ملتبسة أختلطت فيها الكراهية بالإعجاب, المقاومة بالانهيار, والكبرياء بالتسليم. مثقفو العرب -وتلتهم بقية شرائح المجتمعات- وقفوا بين داعية إلى انتهاج نهج الغرب وتقليده نصاً وممارسة, وداعية إلى قطيعة تامة ترفع دروع المناعة الثقافية, وداعية إلى اقتباس ما يتوافق وترك ما لا يتوافق مع "الأصالة والهوية والتراث".

منذ مطالع القرن الثامن عشر وحتى مطالع القرن الحادي والعشرين والدعاة الثلاثة هم ذاتهم, والخيارات الثلاثة هي ذاتها: الاتباع المطلق, والرفض المطلق, وااإقتباس الانتقائي.

قرنان من الزمان والسؤال القلق هو هو, وخلاصات الإجابات هي هي, فشل يتلوه فشل بلا مقدمات ولا تزويق. هشام شرابي المفكر الفلسطيني الذي رحل قبل عامين كتب في سبعينيات القرن الماضي كتابه المهم "المثقفون العرب والغرب", محاولاً استكناه توجهات مفكري ومثقفي ما سمي بعصر النهضة العربية إزاء الغرب.

وبعده تنوعت كتابات كثيرين في نفس الحقل, تبحث جلها في المسألة شبه المستعصية: ما العلاقة التي يجب نسجها مع الغرب, في وقت لم تنحسر عنا جيوشه, ولم تتوقف ضدنا تدخلاته, لكن في ذات الوقت تفاقمت حاجتنا إليه ورغبتنا في التعلم منه.

عكس "الاستشراق"
عناني يكرس جهدا ضخما هذه المرة لاستكناه أوجه السؤال وجوانبه المختلفة عبر دراسة تصورات وتمثيلات الأدباء والروائيين العرب للغرب: كيف صوروا الغرب والغربيين في رواياتهم, وأية أدوار أعطوها لهم, وكيف تعاملوا مع هذا الغرب المعقد متعدد الأوجه.

نحن هنا إذن أمام قراءة معاكسة لقراءة إدوارد سعيد في كتابه الشهير "الاستشراق"، فسعيد انهمك في تصورات الأدباء والروائيين والفنانين الغربيين عن الشرق وكيف تخيلوه وكتبوا عنه, بل وأحياناً كيف اختلقوه، ف حين يريد العناني تفكيك الصورة التي رسمها الأدباء العرب عن الغرب, وكيف تبلورت وإلى ماذا آلت.

"
على مدى الامتداد الزمني الطويل الذي يتسع لقرنين يقسم الكاتب رؤى الكتاب والأدباء العرب وفق تصنيف نوع ومضمون ودوافع المواجهة بشكل مفيد لا يلتزم بالحقب الزمنية بشكل صارم امتدت إلى ست مواجهات
"
ست مواجهات
يبحر العناني في رحلته مع الكتاب والأدباء العرب مبتدئا مع عبد الرحمن الجبرتي مؤرخ غزو نابليون لمصر -والذي رأى أنه يختلف عن غزو العثمانيين والمماليك المسلمين في السابق- ويتابع رحلته للوصول إلى روايات حنان الشيخ وأهداف سويف وغيرهما كثير مما هو راهن.

وعلى مدى هذا الامتداد الزمني الطويل الذي يتسع لقرنين يقسم العناني رؤى الكتاب والأدباء العرب وفق تصنيف نوع ومضمون ودوافع "المواجهة" بشكل مفيد لا يلتزم بالحقب الزمنية بشكل صارم.

المواجهة الأولى هي مواجهة ما قبل الاستعمار, أي قبل وصول نابليون إلى المشرق العربي وفيها يتعرض لإنتاج أدباء من مثل عبد الرحمن الجبرتي, أحمد فارس الشدياق, رفاعة الطهطاوي, محمد بيرم التونسي, نيقولا الترك, فرانسيس مراش وعلي مبارك.

في هذه المرحلة كانت النظرة السائدة بين الأدباء العرب إزاء الغرب هي نظرة إعجاب وتقدير، فقد رأوا في الغرب نموذج التمدن والحضارة والعقلانية وكلها ترجمت على شكل تطور علمي وتقني وسياسي مبهر. وكانت الرغبة المعلنة والخفية في الكتابات العربية تدور حول اقتباس حضارة الغرب ونقلها إلى الشرق.

المرحلة الثانية هي مرحلة الاستعمار وكيف انعكست على رؤى الكتاب والمثقفين العرب وانتقلت وسجلت في آدابهم. ومن الأسماء التي تناول إبداعاتها العناني في هذه المرحلة: جرجي زيدان, يحيى حقي, محمد حسين هيكل, حسين فوزي, شكيب الجابري, أحمد أمين, توفيق الحكيم, طه حسين, لويس عوض, سهيل إدريس.

في هذه المرحلة اختلط الإعجاب الذي برز في المرحلة الأولى مع النقمة والنقد بسبب احتلال البلدان العربية والسيطرة عليها من قبل الدول الاستعمارية الغربية. ويمكن القول إن هذه المرحلة شهدت بداية التعقيد الحقيقي للنظرة إلى الغرب في الأدب العربي, ومع تقدم السنين شهدت هذه المرحلة نزوعا نحو المواجهة والنقمة واضمحلالا أكثر لجانب الإعجاب الأولي.

المواجهتان الثالثة والرابعة تصفان مرحلة ما بعد الاستعمار, أي حقبة الاستقلال الوطني: الأولى اتسمت فيها كتابات الأدباء العرب بحس افتخاري ضد الاستعمار وكيف هزم وانسحب من البلدان العربية, والثانية اتسمت أدبياتها بتواضع أكثر حيث الاعتراف بالهزيمة والفشل في مواجهة الغرب ومكافحته, وفي إقامة دول ناجحة.

وللاستدلال على توجهات هاتين الحقبتين يتوقف العناني عند الروايات والكتابات التي أنتجها عدد من المثقفين العرب مثل: يوسف إدريس, فتحي غانم, عبد الحميد جودة السحار, الطيب صالح, سليمان فياض, وليد حجار, خيري الدهبي, حنا مينة, محمد أبي سمرا, فؤاد يازجي, وفؤاد قنديل.

"
العنصر الأهم والمثير في الكتاب هو تفريق الأدباء في غالبيتهم الكاسحة بين الغرب المستعمر المتوحش وبين الحداثة الغربية والمنجز الحضاري الغربي, ففي الأولى كان موقفهم مقاوماً للغرب المستعمر, وفي الثانية كان متقبلاً وينزع إلى التعلم والاقتباس
"
أما المواجهة الخامسة فقد خصصها العناني لنظرة الأدباء العرب لأميركا, وفيها يحلل كتابات أمين الريحاني, وميخائيل نعيمة, ومحمود تيمور, وفيليب حتي, ورضوى عاشور, وليلى أبو سيف.

أما المواجهة السادسة والأخيرة فقد أتاح لنا العناني فيها الاطلاع على نظرة ورؤية الروائيات والكاتبات العربيات للغرب، فيحلل كتابات كوليت خوري, وغادة السمان, وحنان الشيخ, وأهداف سويف.

في هذه المواجهات جميعاً ثمة عناصر مشتركة وأخرى مختلفة إلى حد جمعت وفرقت بين رؤى الأدباء والمثقفين العرب إزاء الغرب.

ولعل العنصر الأهم والمثير الذي رصده ووثقه العناني في كتابه المهم هو تفريق هؤلاء -تقريباً- في غالبيتهم الكاسحة، بين الغرب المستعمر المتوحش وبين الحداثة الغربية والمنجز الحضاري الغربي.

فبينما كان الموقف قويا ومقاوماً للغرب المستعمر, كان الموقف من الغرب الآخر مغايراً ومتقبلاً وينزع إلى التعلم والاقتباس.

الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية ويعتبر عنصرا مشتركا في هذه الرؤية هو عدم نظرة الأدباء والكتاب العرب إلى الغرب والغربيين نظرة انتقاصية عنصرية وكأنهم من طبيعة بشرية مختلفة، وهي النظرة التي نظر بها كثير من المستشرقين إلى الشرق والعرب وإلى المجتمعات غير الغربية بشكل مجمل.

لكن اختلفت نظرات هؤلاء الأدباء تبعاً للحقب والمراحل الزمنية التي كانوا يعيشونها, وخاصة لجهة وطأة الأستعمار الغربي وتمثلاته في الواقع العربي.

فبينما كانت النظرة في حقبة ما قبل الاستعمار تتصف بالرغبة الفائقة في التعلم من الغرب باعتباره مصدر التنوير والعلم والحضارة, شهدت مرحلة الاستعمار المباشر خفوتاً للأصوات الداعية إلى تقليد الغرب والسير على نهجه.

بل إن القراءات الناقدة للغرب وثقافته وحضارته بكونها حضارة مادية على الضد من حضارة الشرق الروحية القيمية -مثل عصفور من الشرق وعودة الروح لتوفيق الحكيم- هي التي سادت وسيطرت على النهج العام لإدراك الغرب.

لكن في مراحل لاحقة وخاصة ما بعد الاستعمار المباشر وخلال حقب الاستقلال، تطورت نزعة ناقدة للذات ومغرقة في التمثل بالغرب إلى درجة قادت إلى ردات فعل معاكسة.

وتمحورت هذه النزعة حول نقد التخلف العربي والتقاليد وعدم الانعتاق من الأنماط الاجتماعية المعيقة للتطور والانفتاح واعتبار ذلك كله مرتبطا بعدم عقلانية الشرق مقارنة بعقلانية الغرب وإمبريقيته.

"
أنثنة الغرب هي الصورة المعاكسة لأنثنه الشرق فالغرب صُوِّر على أنه أنثى مغوية تريد الإيقاع بالشاب العربي, والشرق صُوِّر على أنه أنثى يأتي الرجل الغربي منجذباً إلى سحرها ليستكشف ما تحت الخمار
"
أنثنة الغرب والشرق
ثمة عنصر آخر مهم هو "أنثنة" الغرب في الأدب العربي ومن قبل الكتاب العرب, أي النظرة إلى الغرب على أنه إنثى. وهنا فإن السرديات الروائية العربية في جزء غير قليل منها صورت الغرب على أنه أنثى مغوية تريد الإيقاع بالشاب العربي, وأنها تمتاز بالقوة والجمال والمكر بحيث إن إناث المجتمع الأصلي يخفن منها ويحسدنها.

وفي نفس الوقت فإن هذا الشاب الذي يأسره جمال وذكاء الحسناء الغربية في مطلع الأمر, لا يلبث أن يكتشف "خواءها" فيعود إلى بنت البلد الأصلية, وهكذا.

وهذه "الأنثنة للغرب" هي الصورة المعاكسة "لأنثنة الشرق" كما اشتهرت في كتابات الاستشراق الكلاسيكي وكما رصدها إدوارد سعيد ويشير إليها العناني.

فهناك كان الشرق قد صور على أنه أنثى غامضة يأتي الرجل الغربي منجذباً إلى سحرها وغرابتها خاصة ليستكشف ما تحت الخمار, فالشرق غامض كأنثاه والغرب مُغوٍ كأنثاه أيضا.

المصدر : الجزيرة