عرض/إبراهيم غرايبة
كيف يستطيع الناس أن يبنوا السلام بعد نزاع عرقي عنيف؟ هذا السؤال بدا أكثر إلحاحا وأهمية بعد انهيار النظام السياسي العالمي وعدم نشوء نظام بديل، مما أتاح لزعماء طامحين وفاسدين العيش على الريبة والخوف والتلاعب بالأحقاد والخلافات العرقية والدينية، كما هو ملاحظ اليوم في شرق أوروبا وجنوب آسيا وأفريقيا وأخيرا في العراق.

ويعرض هذا الكتاب دراسات نظرية وتجارب عملية لمنظمات دولية وإقليمية ووطنية في إعادة بناء مجتمعات مزقتها الحروب والصراعات الإثنية، مثل البوسنة والهرسك ورواندا.

- الكتاب: تخيل التعايش معا
- المؤلف: مجموعة من المؤلفين
- تحرير: أنطونيا تشاير ومارثا ميناو
- المترجم: فؤاد السروجي
- عدد الصفحات: 431
- الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع، عمان
- الطبعة: الأولى/2006

أفكار لبناء التعايش والمصالحة
يعتبر كل سياق من العنف الداخلي فريدا بطبيعته، ولكن ثمة مسائل متكررة تبدو مشتركة في جميع النزاعات الداخلية، ويمكن أن يتم التخطيط لها والتعامل معها من أجل التغلب على الأحقاد في جميع النزاعات، ومن ذلك:

* أنماط حركة اللاجئين التي تصحب النزاعات العرقية، وما يحتاجون إليه من طعام ومأوى وحماية وإعادة توطين.

* عمليات إصلاح وإنشاء وتشغيل البنى التحتية، مثل النقل والصرف الصحي ومياه الشرب والكهرباء والاتصالات.

* الإيواء والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية.

* الإدارة والتشغيل وإعادة النظام والأمن، وإنشاء وتشغيل المدارس والمؤسسات الخدمية المختلفة.

* إنشاء الموارد والاستثمارات.

ويبقى التحدي الصعب هو إعادة السلام لمجتمع يخوض حربا مع نفسه، وتبقى المصالحة تشكل فكرة تحمل معها المراوغة والإهانة بالنسبة لشعب مازال يعاني من صدمة مقتل أحبائه أو تعذيبهم أو اغتصابهم، فالتعايش يعني أكثر من العيش جنبا إلى جنب، لأنه يتضمن درجة من التفاعل والتعاون عبر خطوط الانقسام العرقي.

وقد تجعل بعض جهود المساعدة والإصلاح الأمور أكثر سوءا، فالمحاولات الخرقاء وغير الناضجة قد تسبب الأذى أكثر مما تسبب الخير.

فهناك عوائق وتوجهات وعوامل مساعدة يجب إدراكها بعناية في بناء عمليات السلام والتعايش، مثل الفساد والمصالح، وأهمية الفنون والتعليم والتنمية الاقتصادية والمجتمعات المدنية والحكم المحلي ونزع السلاح، وللدين والثقافة والمعتقدات أيضا دورها في الصراع والمصالحة.

لقد أظهر مسح الصراعات والمشروعات التي أقيمت للتعامل معها صعوبات كامنة ليس من السهل إدراكها وتحليلها في عمليات تخفيف التشدد والأحقاد وتحسين العلاقات بين جماعات تورطت حديثا في النزاع العرقي.

ومثل هذه المشاريع قد تذهب سدى إذا أهملت الأسباب الكامنة وراء النزاعات العرقية، ويجب أن تستهدف الجهود الواعدة والواقعية جذور المشكلات، مثل الأخطاء السياسية والتوزيع غير المنصف للموارد.

وبالطبع فإن الوقت عنصر أساسي في تطبيق التغيرات المطلوبة، فهو كفيل بشفاء الجروح الناتجة عن هذه المظالم، وتستطيع الجهود الموجهة من القمة إلى القاعدة تعزيز التعايش.

فما بين الحد الأقصى للنزاع المفتوح والحد الآخر من الاندماج والتكامل طريق طويل ملتو يحتاج إلى استكشاف وتحليل، وقد يؤدي تجاوز بعض المراحل أو تجاهلها إلى تقليص فرص النجاح.

هناك النزاع والتعايش وبداية التعاون والتعاون والاعتماد المتبادل والاندماج، ففي مرحلة النزاع يكون الشعار هو مقولة "العداء هو الخيار الوحيد"، و تسود مشاعر الازدراء والحقد والغضب والزهو والريبة.

وفي مرحلة التعايش يكون ثمة استعداد للعمل العدائي عند الحاجة لذلك، ويسود الحقد والغضب والريبة، وفي بداية التعاون تستمر العداوة والريبة ولكن ثمة استعدادا لتحييدها، ويكون العمل فيه كثير من الاضطراب والازدواجية.

وفي مرحلة التعاون يتكون الوعي والإدراك لمخاطر العداوة وأضرارها، وتتشكل مشاعر حذرة للتراحم، وفي مرحلة الاعتماد المتبادل يسود الاعتقاد بحاجة الأطراف جميعها إلى بعضها البعض، ويتقبل الماضي بثقة حذرة، وفي مرحلة الاندماج يتكون شعور في المجتمع بأنه يتكون من شعب واحد، وتسود مفاهيم التضامن والثقة والمودة.

"
مشاريع التعايش تهدف إلى نقل رؤية مختلفة للمجتمع تنقل الأعراف الاجتماعية الانعزالية إلى التسامح والتعايش والتعاون
"

الإستراتيجيات والرؤى والمشاريع والتقييم
ثمة خوف حضاري يفسر لماذا يتصرف الجيل الثاني من الناجين من الإبادة الجماعية وكأنهم قد شهدوا واقعيا تلك المذابح التي ارتكبت قبل أن يولدوا.

وفي تجربة بناء التعايش بعد الصراع بين الهوتو والتوتسي في أفريقيا الوسطى ظهر دعم لوجهة النظر القائلة بأن بذل الجهود النظامية لمساعدة أناس أكثر، خاصة الفقراء فقرا مدقعا وحل بعض مشكلاتهم بطريقة سلمية يمكن أن يساهم في إيجاد مناخ تخف فيه التوترات الاجتماعية، وتتعزز فيه الأنفس، ويتوقف العنف.

وقد كان معظم المستفيدين من البرامج في رواندا من الأميين الذين لم يدخل أحدهم غرفة صف مدرسي من قبل، لذلك كان من أكثر المظاهر غير العادلة في برامج المجموعة هو تصميم وتعديل منهج أو توجه قادر على الوصول إلى الأميين والمهمشين.

وسيكون لبرامج تقديم المهارات والأفكار للفئة المهمشة في المجتمع تأثير على الحركة الاجتماعية داخل المجتمع الرواندي وتوضيح للمسافة بين الأقوياء والضعفاء والحدود التي يجب على جهود التعايش العمل ضمنها.

كان المشاركون يتلقون التدريبات أملا في استثمار مهاراتهم الجديدة في الفرص الاقتصادية التي يمكن الحصول عليها بعيدا عن هيمنة السلطات والأثرياء والمتنفذين في المجتمعات المحلية، وكان عليهم لأجل ذلك تعلم كيفية حل النزاعات على ملكية الأراضي.

ربما كان ممكنا تقديم التدريب والمهارات والفرص الاقتصادية ولكن هدم الفجوة بين الأغنياء والفقراء بدا هدفا بعيد المنال إن لم يكن مستحيلا، في ظل شح الموارد والتقاليد السلطوية والعنف الوحشي وتزايد أعداد السكان.

فقد كانت الحياة قبل وقوع العنف أشبه بسجن لا مهرب منه تجتمع فيه أحوال الفقر والوضاعة لتخلق إحساس بالفشل، ولكن السؤال كم هي المسافة التي قطعها الروانديون منذ ذلك الوقت، وفي أي اتجاه؟

وفي جنوب شرق أوروبا (قبرص والبوسنة والهرسك وكوسوفو) استثمرت موارد مالية وسياسية وإنسانية هائلة من أجل إعادة تجميع المجتمعات المنقسمة هناك وتنظيمها من خلال التنمية الاقتصادية والمشاريع المشتركة المتعلقة بالتعليم والتوظيف والفنون والرياضة، وتوظيف مهارات حل النزاعات في التدريب والحوار والمداخلات النفسية من أجل إتاحة المجال للجيران كي يعودوا إلى العمل مرة أخرى ويتكيفوا مع الصدمة التي وقعت والأذى الذي حصل.

ولكن الخبرة أظهرت أن العيش بسلام واحترام مع الأعداء السابقين يتطلب تغييرات جوهرية في العلاقات بين المشاركين على مستويات عدة في المجتمع منها الشعبية والوسطى والنخبوية في المواقف العاطفية والنفسية والفكرية للأفراد الذين عاشوا معاناة لا يمكن تصورها، وهم لايزالون يعيشون في رعب من العدو الذي سبب لهم كل هذا الأذى وحقدوا عليه.

ويصعب الفصل بين السياسة والتعايش، إذ أن مشاريع التعايش تهدف إلى نقل رؤية مختلفة للمجتمع تنقل الأعراف الاجتماعية الانعزالية إلى التسامح والتعايش والتعاون.

"
أكثر المعوقات التي لا يستطيع أي تغيير بنيوي أو مؤسسي أن يحلها هي غياب التوجيه السياسي الواضح لدى الدول القوية والمشاركة، إذ ينادي الزعماء السياسيون والمحللون من أجل إعطاء تكليفات متواصلة وإرسال بعثات محددة الهدف من أجل تنظيم التدخلات وتوجيهها
"

عوائق خفية وأخرى بيروقراطية
تتنوع مصادر الكراهية، من الهيمنة السياسية والقمع والتباين الاقتصادي بين المجموعات العرقية، والمبادئ الدينية والسياسية وانسيابها بين القمة والقاعدة أو عبر الروايات المتناقلة بين الأجيال، والعزلة الاجتماعية، وحتى عندما تبدأ سياسة التعايش بإزالة أول مجموعة من الحوافز التي تشجع على استمرار العنف يبقى هناك احتمال وارد باستمرار الكراهية والعداء.

ويمكن أن تتم السيطرة على الحقد والخوف إلى حد ما عندما يعمل أفراد ينتمون إلى عرقيات مختلفة ويتفاعلون مع بعضهم البعض داخل أماكن عملهم.

وفي المدن أو البلدات الأقل اختلاطا بين العرقيات يمكن للطموحات أن تصبح أقل تواضعا بسبب قلة حدة التفاعل، وفي مثل هذه الأماكن يمكن تحقيق نجاح مبكر عبر إعادة إحياء التدفق التجاري بين القرى والبلدات من خلال إنشاء سوق أسبوعي عام.

وعبر قنوات نفسية مشابهة تربط الوظيفة أو العمل بمشاعر الكرامة والإحساس بقيمة النفس، يمكن للتباين الاقتصادي المنهجي أن يطيل أمد الكراهية والعنف، كما أن المساعدات الاقتصادية نفسها يمكن أن تفاقم أو تقوض التباينات التي وجدت سابقا، وبخاصة إذا اتخذت هذه المساعدات شكل مشاريع توظيف، واستطاعت تعديل مستويات المداخيل والمنزلة الاجتماعية بشكل ملموس.

لذلك يجب التعامل مع المنظور المحلي للمساواة والإنصاف بحذر عبر شقين لا يتقاطعان بالضرورة: المحاربون السابقون وضحايا العنف من المدنيين من ناحية، والأغلبيات والأقليات العرقية من ناحية أخرى.

لقد ثبت أن إجراء المصالحة بين فئات متناحرة سابقا ضمن الأمة هو عمل مضن وطويل، وعندما بدأ المجتمع الدولي يتدخل في شؤون الصراعات الداخلية في التسعينات كان يحمل آمالا غير واقعية بتدخل سريع وانسحاب عاجل.

وكانت توقعاته أن تخرج المجتمعات التي يتعامل معها من الدمار الذي حل بها خلال سنوات قليلة، ولكن هذه الحروب الصغيرة أثبتت أنها أكثر صعوبة وتعقيدا.

فعادة ما يتدخل عدد كبير من اللاعبين في كل نزاع، ويقوم هؤلاء بتنفيذ مهمات واسعة ومتنوعة وتحمل مختلف المنظورات وجداول العمل، وغالبا ما يمارسون نشاطات متداخلة ومكررة ومتناقضة، وتنتشر البيروقراطية والحسد بين العديد من المتدخلين.

ولعل أكثر المعوقات التي لا يستطيع أي تغيير بنيوي أو مؤسسي أن يحلها هي غياب التوجيه السياسي الواضح لدى الدول القوية والمشاركة، فالزعماء السياسيون والمحللون ينادون من أجل إعطاء تكليفات متواصلة وإرسال بعثات محددة الهدف من أجل تنظيم التدخلات وتوجيهها.

ولكن الدول التي تتصرف وفق رغباتها وضمن المؤسسات الدولية التي هي عضو فيها تتابع جداول أعمال مختلفة وفقا لمصالحها المختلفة، وتكافح السياسات المتضاربة على فرض هيمنتها ضمن المنظمة الدولية الواحدة وحتى ضمن الحكومة الواحدة.

ولا تملك الآلية التي يتخذ فيها المجتمع الدولي قراراته أية قدرة على إنتاج أكثر من حل وسط يكتنفه الغموض وعدم الوضوح بالنسبة لأفق التدخل وأهدافه.

وتتمثل هذه الاختلافات السياسية الجوهرية من خلال تفحص أي مجموعة من قرارات مجلس الأمن ذات صلة بصراع معين، في أنها تشكل في معظمها حلولا وسطا تغلف على الأغلب خلافات سياسية عميقة.

كما أن الكثير من القرارات كتب من أجل الناخبين المحليين ولا يتلاءم داخليا مع الوضع، وهذا الغموض متضمن في صلب الأوضاع السياسية التي ترزح قرارات المنظمات الدولية وحتى الدول نفسها تحت وطأتها، ولا يمكن علاج هذه الأمور بتقديم النصائح.

"
التحرك نحو ثقافة التخطيط المشترك سيؤدي إلى تعزيز المؤسسات الدولية من أجل وضع خيارات أفضل لأنه سيؤهل هذه المؤسسات لتحقيق تفهم أفضل للقضايا وللتأثير الذي يتركه عملهم
"
صحيح أن القيادة الحكيمة والجريئة على الأرض يمكن أن تحد أحيانا من تأثير أي قرار غير عملي صادر عن مجلس الأمن، ولكن يبقى من الصعب أن تعمل في أجواء فوضى سياسية وسط أزمة متسارعة الوتيرة.

ويرغب المجتمع الدولي في إجراء إصلاحات قليلة الكلفة، كما أنه يفتقر إلى الصبر والمثابرة في ضمان عدم تكرار النزاع مرة أخرى.

ويعتبر غياب التمويل مشكلة رئيسة، وخاصة حين تظهر أزمات جديدة تستنزف الأموال من حروب قديمة، إضافة إلى وجود شح في القوى العاملة المدربة.

قد يشكل التعايش أداة قيمة وفعالة للاستخدام من قبل المجتمع الدولي في عملية المساعدة على رأب الصدع وإعادة إعمار المجتمعات التي مزقتها الحروب الداخلية.

ومبدأ التعايش ليس مبهما ولا صعب الاستيعاب، وتتم اليوم مقاربته عبر التعامل على أساس قضية وراء قضية، ومشروع وراء مشروع، ومن الراجح أن تستمر هذه الطريقة، ولكنها إذا استمرت فإنها ستحد من قوته وقدرة استخدامه، إذ يتطلب الإصرار على ممارسة العمليات التي تزود المجتمع الدولي بشيء أكبر من القدرة على تطبيق سياسة التعايش.

فالتحرك نحو ثقافة التخطيط المشترك سيؤدي إلى تعزيز المؤسسات الدولية من أجل وضع خيارات أفضل لأنه سيؤهل هذه المؤسسات لتحقيق تفهم أفضل للقضايا وللتأثير الذي يتركه عملهم.

كذلك إذا بدأت هذه المؤسسات في الابتعاد عن البنى والأطر الشديدة المركزية التي تقود إدارة الجزئيات، فإنها ستكون في وضع أفضل يؤهلها لتطبيق سياساتها بحساسية، ولكنها ستحتاج في هذه الحال إلى قيادة قوية ودائمة وإلى تدريب مناسب يساعدها على أن تحل محل ثقافة التخندق واستبدالها بثقافة أكثر مرونة وتجاوبا وبراعة.

المصدر : الجزيرة