عرض/إبراهيم غرايبة
يناقش هذا الكتاب حالة ما بعد نضوب النفط التي يراها المؤلف قادمة في المستقبل القريب، ويستعرض خيارات رئيسة متاحة للمجتمعات الصناعية في العقود القليلة القادمة.

والنتيجة كما يرى الكاتب هي الحروب والانهيارات الاقتصادية والكوارث البيئية بسبب هروب القيادة الأميركية إلى احتلال الأمم الأخرى، أو إستراتيجيات جديدة لتوفير الطاقة وتقنينها لتخفيض معدلات استهلاكها القائمة حاليا.

- الكتاب: غروب الطاقة
- تأليف: ريتشارد هاينبرغ
- ترجمة: مازن جندلي
- عدد الصفحات: 215
- الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت
- الطبعة: الأولى/2006

نهاية عصر الطاقة الرخيصة
تراكمت الدلائل على أن الإنتاج العالمي من النفط يقترب من أوجه التاريخي، إذ كان النفط أرخص وأنسب مصدر للطاقة اكتشفه البشر حتى الآن.

وقد عود الناس أنفسهم في البلدان الصناعية على مدى القرنين الماضيين على نظام يتوفر فيه المزيد من طاقة الوقود الأحفوري، وتزايد عدد سكان العالم بسرعة كبيرة لاستغلال هذا الرزق الذي أتاهم من حيث لم يحتسبوا.

ووجدت الأمم الصناعية نفسها معتمدة على نظام اقتصادي مبني على افتراض أن النمو أمر طبيعي ولازم، وأنه يمكن أن يستمر إلى الأبد، ولكن هذا الافتراض يوشك أن يتهاوى الآن، لأن الدلائل تتراكم بسرعة على أن الوفرة النفطية قد انتهت.

لقد بلغ النفط في الولايات المتحدة أوجه عام 1970، وبدأت منذ ذلك التاريخ تستورد كميات متزايدة منه سنة بعد سنة، وبلغ اكتشاف النفط أوجه في العالم في حقبة الستينيات من القرن العشرين.

وسيبدأ العالم ابتداء من 2010 تقريبا مواجهة أن الباقي من النفط في جوف الأرض أقل جودة وأصعب استخراجا، وسيبدأ ضخ النفط بالتناقص، وسيبلغ الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي أوجه في حدود 2020، أما الفحم فقد بدأ بالفعل يدخل في مرحلة التناقص وتراجع الجودة.

أما الطاقة المتجددة المستمدة من الرياح والشمس فهي لا تشكل سوى جزء يسير لا يذكر من الطاقة التي يحصل العالم عليها.

مع أن هناك مصادر أخرى كثيرة للطاقة، مثل الطاقة النووية والنفط الثقيل والرمال النفطية، ولكنها مكلفة استخراجا ومعالجة.

وفي حالة التحول إلى مصادر بديلة للطاقة فإن المجتمعات الصناعية بحاجة إلى إعادة صياغة وتصميم، وسيحتاج ذلك إلى استثمارات هائلة.

وفي مقالة بعنوان "لنخطط الآن لعالم بلا نفط" يقول وزير البيئة البريطاني الأسبق مايكل ميكر: "يواجه العالم خيارا صعبا، إذ لا يمكنه مواصلة السير على درب الاستهلاك المتصاعد للنفط الذي يسير عليه الآن، محاولا الاستيلاء على ما هو متاح من إمدادات نفطية متبقية، بالقوة العسكرية إن لزم الأمر دون تجنب الاستنزاف المضطرد للقوة العالمية على الإنتاج، أو أن يتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، ومعايير أكثر صرامة لكفاءة استغلال الطاقة، وخفض مضطرد لاستعمال النفط، وقد يشتمل المسار الأخير هذا على استثمار جديد ضخم في تكنولوجيات توليد ونقل الطاقة".

وفي كتاب "أزمة الطاقة الأخيرة" يقول اقتصادي النفط أندرو ماك كيلوب "تخيل أننا صرنا في العام 2035، وذلك لنفهم على نحو أفضل المأزق الذي نحن فيه، ففي تلك السنة سيكون إنتاج النفط قد هبط بنسبة 75%، وسيكون إنتاج الغاز قد هبط بنسبة 60%، وتكون قد اختفت مقاطعات نفطية كبحر الشمال، ولم يبق منها أي أثر لمناطق إنتاج، وسيكون إنتاج الولايات المتحدة من النفط والغاز قد انعدم عمليا، وسيكون سقف إنتاج البترول قد تدنى حتى في بلدان هي من كبار البلدان المنتجة للنفط كالعربية السعودية وروسيا.

وفي الجانب الآخر من الصورة فقد تنامى الاستهلاك العالمي الكلي من الطاقة المستمدة من مصادر أخرى مثل الفحم والغاز الطبيعي والوقود النووي والمساقط المائية.

ويميل كثير من الناس إلى افتراض أن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لنضوب النفط ستكون أكثر ضررا وخطرا على الأميركان من غيرهم على الأقل في المستقبل القريب، فقد ساعد النفط الولايات المتحدة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين على أن تكون أغنى وأقوى دولة في العالم.

وبعد حرب 1973 ثم سقوط نظام الشاه في إيران عام 1979 صاغ الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ما يعرف حتى اليوم بعقيدة كارتر، التي تقول إن الولايات المتحدة الأميركية ستستعمل قوتها العسكرية للمحافظة على منفذ لها إلى احتياطات نفط الشرق الأوسط.

ولاشك أن التاريخ معقد، وقد لا يصح أن ننسب كوارث الولايات المتحدة الأميركية الاقتصادية والجيوسياسية إلى نضوب النفط.

ولكن من الواضح أن التاريخ الأميركي الحديث قد اتسم بالاعتماد المتزايد على الطاقة والتدني المتواصل للقدرة على سد الديون، فالآثار الاقتصادية والجيوسياسية لنضوب النفط ليست آثارا افتراضية، بل هي تاريخ مدون مسطور.

وتسلط وثيقة أخرجتها CIA مؤخرا إلى العلن الضوء على بعض أهم الأحداث الجيوسياسية في الربع الأخير من القرن الماضي.

وكانت هذه الوثيقة وعنوانها: "أزمة النفط الوشيكة" قد صدرت في مارس/آذار عام 1977 وتوقعت قرب بلوغ النفط في الاتحاد السوفياتي أوجه في زمن أقصاه أوائل الثمانينيات، وخلص واضعو الدراسة إلى القول إنه خلال العقد القادم يحتمل أن يجد الاتحاد السوفياتي نفسه عاجزا عن إمداد أوروبا الشرقية والغرب بالبترول والغاز بالمعدل الحالي، بل قد يضطر إلى التنافس للحصول على نفط أوبك لاستعماله الخاص.

ولكن يبدو أن الإدارة الأميركية استخدمت تلك المعلومات للضغط على الاتحاد السوفياتي ودفعه إلى الإفلاس، مثل إغراق السوق بالنفط الرخيص، وإشعال الحروب في مناطق نفوذه.

"
بما أن موارد الطاقة تصبح أكثر ندرة مع الوقت يبدو من المحتمل أن ينشب صراع في المستقبل بين الولايات المتحدة وأمم الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب أميركا
"

الدم مقابل النفط
كيف ستكون استجابة العالم لنضوب موارد الطاقة في العقود المقبلة؟ من الإجابات الممكنة على هذا السؤال سيكون احتدام الصراع والتنافس على ما تبقى من موارد، فالمفهوم القائل بأن ندرة الموارد تؤدي في الغالب إلى احتدام التنافس له أساس راسخ، وعليه الكثير من الشواهد الموثقة.

وقد نشبت في السنوات القليلة الماضية صراعات دموية بسبب الموارد في مناطق مختلفة من العالم، مثل إقليم آتشه في إندونيسيا وتشاد ودارفور وجنوب السودان ونيجيريا وفنزويلا والجزائر وكولومبيا وبابوا غينيا، والقائمة طويلة جدا، ولكن ربما يكون العراق أوضح الأمثلة على حروب النفط.

لقد كان غزو العراق بالطبع حدثا فريدا، عجلت بوقوعه ظروف محددة، وتورط فيه لاعبون سياسيون فريدون، صحيح أنه من المهم أن نفهم الحدث نفسه بدقة والسياق الذي وقع فيه، لكن من المهم أيضا أن نستحضر إلى الأذهان صورة الاتجاهات الأوسع.

ولنعد لحظة إلى الوراء، ولنلق مرة أخرى نظرة على الصورة الكبرى فإلى أي مدى بدل غزو العراق أشكال الصراعات على الموارد التي يمكن أن تندلع في العقود القادمة؟

إن العراق في الواقع هو الرابط الذي تلتقي عنده أنواع مختلف النزاعات، بين الأمم المستهلكة (مثل فرنسا والولايات المتحدة الأميركية) وبين الأمم الصناعية الغربية والمجموعات الإرهابية التي لم تكن في العراق من قبل، لكنها تلعب الآن دورا متعاظما في المنطقة، وفيما بين الفرقاء العراقيين أنفسهم من الشيعة والسنة والأكرد، وكذلك بين أمة مستهلكة قوية وأمة منتجة أضعف منها ومزعجة لها.

يمتلئ التاريخ وبالأخص في الحقبة الاستعمارية بأمثلة من الصراع بين الأمم المستهلكة والمنتجة للنفط، فالتدخلات الأميركية في إيران وفنزويلا وكولومبيا هي من هذا النوع.

وبما أن موارد الطاقة تصبح أكثر ندرة مع الوقت يبدو من المحتمل أن ينشب صراع في المستقبل بين الولايات المتحدة وأمم الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب أميركا، ويحق حتى لكندا أن تشعر بالقلق من الغزو لأن التنافس يحتدم على موارد الغاز الطبيعي المتضائلة في شمال أميركا.

ومن الحروب والصراعات المحتملة ما يقع بين الأمم الغنية بالموارد، لأن الجماعات المتنافسة ستتبارى فيما بينها للفوز بحصة من الثروة، وقد دارت صراعات وحروب أهلية حول الموارد القابلة للتصدير في أنغولا والكونغو وميانمار وبيرو وكمبوديا، ويحتمل أن تنشب صراعات أهلية على موارد الطاقة في العراق وكولومبيا.

وعندما يحصل شح في الموارد يصبح الصراع بين المستهلكين أكثر احتمالا، فقد ذهبت ألمانيا إلى الحرب مرتين في القرن العشرين للحصول على مستعمرات لها وأراض وموارد للطاقة، والصين اليوم هي ثاني أكبر مستورد للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، وسيأتي وقت تكون كمية النفط فيه غير كافية لتلبية طلب الأمتين معا، وسيكون الصراع بينها محتملا.

وقد تكون للصراعات على الموارد آثار جانبية تشمل الضائقة الاقتصادية وتدمير البنى التحتية، وتبديد الثروة القومية في الإنفاق العسكري، والقمع السياسي الداخلي.

"
إذا كانت البشرية تريد أن تتجنب الصراع الذي لا يرحم على موارد الطاقة المتضائلة فسيحتاج الأمر إلى بذل جهود متسقة لوقف النمو الاقتصادي لصالح التحول إلى موارد الطاقة البديلة
"

إطفاء الأضواء
تتطلب الحيلولة دون انفجار الفقاعة الاقتصادية العالمية درجة غير مسبوقة من التعاون الدولي لتثبيت عدد السكان والمناخ والمياه الجوفية والتربة، وإذا كانت البشرية تريد أن تتجنب الصرع الذي لا يرحم على موارد الطاقة المتضائلة فسيحتاج الأمر إلى بذل جهود متسقة لوقف النمو الاقتصادي لصالح التحول إلى موارد الطاقة البديلة، ويتعين على جميع الأمم الحد من استهلاك الطاقة.

لا يشكل النفط والغاز والفحم الموارد الوحيدة التي تحتاج إلى عناية، فهناك أيضا الماء العذب والتربة والبيئة، وتحتاج الحركة الاقتصادية أن تنفصل عن السوق العالمية وتتحول من العالمية إلى التوطن محليا.

ويتعين على الدول الصناعية بخاصة تغيير نمط العيش فيها نحو التواضع في الأهداف المادية، وتثبيت عدد السكان ثم الإقلال من عددهم.

وإذا نظرنا إلى الطبيعة كحالة أو نموذج يصلح للفهم والتحليل فإننا نجد أن الحيوانات البرية تمر كما يمر الإنسان بمراحل ثلاث: يفاع وتكاثر في النسل، ثم زيادة في التكاثر، ثم موت تدريجي بسبب المجاعة والأوبئة والقنص والتنافس مع بعضها.

ويشير ريتشارد ويلكنسون في كتابه "الفقر والتقدم" إلى أن الظروف الاجتماعية والبيئية المستقرة تميل إلى إنتاج مجتمعات بشرية ذات كبح ذاتي، بينما تجلعها الديناميكية غير المستقرة للتجارة الصناعية العالمية تتخلى عن سلوكيات ثقافة الكبح الذاتي التي لديها، وهذه ليست معلومات مطمئنة، فآخر ما توصف به بداية القرن الحادي والعشرين هو الاستقرار.

فالكوكب يفقد بسرعة أمثلة النظم البيئوية التي بلغت الذروة دون أن تمس، ويتعين علينا أن نغير كثيرا في سلوكنا ونمط حياتنا وتفكيرنا، وأن نفعل ذلك بسرعة، وهذا أمر شاق وباهظ التكاليف بكل المقاييس.

ولكن هناك في الجانب الإيجابي أننا طورنا ثقافات معقدة قائمة على اللغة، وقد يساعد ذلك على التغيير الثقافي، خاصة أن الثقافة القائمة على اللغة تستطيع أن تتغير بسرعة.

ولكن دعوة تخفيض استهلاك الطاقة والموارد وتخفيض النمو الاقتصادي والسكان تبدو انتحارا سياسيا لأي زعيم سياسي، على الأقل في الولايات المتحدة الأميركية، فهل ستنحط الحياة البشرية إلى مجرد وجود بيولوجي؟

لقد طور الناس قبل الصناعة تقاليد شفهية سمحت لهم بإقامة مجتمعات محلية ونسج شبكة احتياجات ومصالح، أما الفترة الصناعية فقد مزقت الثقافات التقليدية لتحل محلها حفلة استهلاكية عالمية.

وهكذا مع لفظ الحضارة الصناعية لأنفاسها الأخيرة سيكون من المنطقي بالنسبة لنا أن نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الطبيعة والمعارف العلمية والموسيقى والفن والفلسفة بما يمدنا وذرياتنا بأسباب الحياة.

المصدر : الجزيرة