عرض/إبراهيم غرايبة
يقدم هذا الكتاب وجهة نظر مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأميركية حول غزو العراق وإدارته بعد الاحتلال، ومؤلفه هو بول بريمر المسؤول الأميركي الأول في العراق.

يعرض هذا الكتاب تفاصيل الخلافات والنقاشات بين المسؤولين والجنرالات الأميركان، والمفاوضات مع القادة العراقيين الناشئين أثناء سعيهم لتشكيل الإدارة والحكم في العراق.

- الكتاب: عام قضيته في العراق
- المؤلف: بول بريمر ومالكولم ماك كونل
- المترجم: عمر الأيوبي
- عدد الصفحات: 496
- الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت
- الطبعة: الأولى 2006

الفوضى
وصل بريمر إلى بغداد يوم 12 مايو/أيار 2003 ليعمل مشرفا على شؤون العراق بوصفه المبعوث الشخصي للرئيس بوش إلى هناك، بمساعدة عدد من السفراء والجنرالات الأميركان.

وكانت الأمور قبل بريمر موكولة إلى مكتب إعادة إعمار العراق برئاسة الفريق المتقاعد جاي غارنر. وكانت وظيفة هذه المؤسسة الإشراف على إصلاح وتشغيل البنى والمؤسسات والمرافق العراقية، وخاصة تلك التي تعرضت للضرر مثل حقول النفط والمستشفيات والطرق وشبكات الاتصال، ومواجهة احتمالات النزوح الجماعي وما تتطلبه من إغاثة وإيواء.

ويبدو أنه لم تكن ثمة خطة للعمل في العراق بعد الحرب، بل لم يكن ثمة تصور لما بعد الحرب، وكل ما أتيح لبريمر الاطلاع عليه يدل على أفكار وتصورات حول مستقبل العراق بعد صدام حسين.

وكانت الحالة التالية للحرب بالنسبة للأميركان مجهولة وغير مستعد لها، ولم تحدث هجرات ولا مجاعات كما كان متوقعا، إذ اختار الجيش العراقي القتال بعيدا عن المدن، وزودت الحكومة العراقية المواطنين العراقيين بمؤن من المواد الأساسية تكفي لثلاثة أشهر.

فكان التخطيط الأميركي برأي بريمر لمواجهة ظروف طارئة لم تحدث، ووجدت الإدارة الأميركية نفسها في مواجهة فراغ عسكري وأمني وإداري وسياسي، وحدثت على الفور أزمة مالية ونفطية، وتدهورت الحالة الأمنية، وتعرض كل شيء للنهب.

وبعد وصوله بأيام قليلة أصدر بريمر قرارا بحل الجيش وجميع المؤسسات ذات الصلة بالأمن الوطني وكل التشكيلات العسكرية، وأنهيت خدمات جميع المنتسبين إلى الجيش العراقي، وأعلن إنشاء جيش عراقي جديد من الجيش القديم والمليشيات الكردية والشيعية.

وكان يعاون بريمر من الجانب العراقي مجلس مكون من سبعة أشخاص هم جلال الدين الطالباني، ومسعود البرزاني، وإبراهيم الجعفري، وعبد العزيز الحكيم، ونصير الجادرجي، وإياد علاوي، وأحمد الجلبي. وقد وصفهم أحد مساعدي بريمر بأنهم معتادون على رؤية أنفسهم معارضين أكثر من اعتيادهم على اتخاذ القرارات.

دخل بريمر في خلاف مع بعض أعضاء مجلس السبعة وخاصة الجلبي والحكيم والطالباني، ثم استبدل بمجلس السبعة مجلسا موسعا من 25 عضوا بأغلبية شيعية.

ودخل العراق في مرحلة من المقاومة المسلحة غير مسبوقة، كان الجنرالات ينسبونها إلى البعثيين ومجموعات من الجهاديين الأجانب الذين تلقوا تدريبا في سوريا ولبنان، وتعرضت خطوط النفط للتدمير، وواجه العراق في غياب وضعف الموارد حالة من الإفلاس والعجز.

"
رغم أن السيستاني رفض مقابلة أي أحد من قوات التحالف في العراق فإنه -حسب بريمر- كان متعاونا مع الإدارة الأميركية، ولكن على نحو لا يريده أن يكون موضع نقد ومهاجمة أمثال مقتدى الصدر
"
الرقصة السياسية
تزايد الخطر في العراق بعد مجموعة من الأحداث الكبرى، مثل تدمير مقر الأمم المتحدة ومقتل مندوبها في بغداد سيرجيو دي ميلو، ومقتل محمد باقر الحكيم زعيم المجلس الأعلى الشيعي وميليشيات بدر التابعة له، وعقيلة الهاشمي إحدى النساء الثلاث في مجلس الحكم، وهي شيعية علمانية ودبلوماسية محنكة، وأخيرا رئيس مجلس الحكم المؤقت عز الدين إسماعيل.

وفي نفس الفترة بدأ مقتدى الصدر يطلق أتباعه في مقاومة وعمليات مواجهة مع الأميركان والحكومة العراقية المؤقتة.

وأنشئ النظام القضائي في العراق مستقلا عن وزارة العدل وعن السلطة التنفيذية، وبدأت بالفعل عمليات تشكيل قوات الشرطة والجيش، وإن لم يكن إنشاؤها عملية سهلة لأن المجندين بحاجة إلى تدريب مهني طويل ومعقد يتفق مع المهمات الصعبة التي يجب القيام بها، خاصة أن أكثر -إن لم يكن معظم- الذين يمتلكون الخبرات المهنية غير موثوق بهم بسبب سوابقهم مع النظام السياسي البعثي.

وبدأت أيضا عمليات كتابة الدستور العراقي، وكان يفترض أن يؤسس لحياة سياسية ديمقراطية ولحماية الحقوق بعامة وضمان حقوق الأقليات.

كانت خطة العمل مقتبسة من خطة البريطانيين في العراق عام 1925، وذلك بتشكيل مؤتمر دستوري مكون من مجموعة منتقاة من ممثلي العراقيين تقدم مسودة الدستور للاستفتاء العام، وتجرى الانتخابات للتوصل إلى برلمان عراقي يتمتع بالسيادة، ويقوم الائتلاف بتسليم السيادة إلى حكومة منتخبة.

وكان اختيار المجموعة الممثلة للعراقيين عملية صعبة ومعقدة في مجتمع متنوع ومنقسم، وأصر السيستاني في فتوى له صدرت في يونيو/حزيران 2003 على وجوب انتخاب المؤتمر الدستوري، وهي فكرة تؤخر عملية تسليم السيادة إلى العراقيين.

وكان الاقتراح البديل هو تشكيل لجنة تحضيرية دستورية لإيجاد طريقة للتقدم بسرعة، ولكن اللجنة التحضيرية قررت وضع توصية إلى مجلس الحكم بأن ينتخب المؤتمر الدستوري بالاقتراع المباشر.

وهذه الفكرة تحتاج إلى وقت طويل، إذ لم يجر إحصاء منذ عام 1987، وليست هناك حدود للدوائر الانتخابية، ولا توجد أحزاب سياسية وطنية، أو قوانين للأحزاب السياسية، أو قوانين انتخاب، أو قوائم انتخابية.

وهذا يعني تأخير نقل السيادة لمدة سنتين وبالتالي إطالة الاحتلال، وهو ما لا يريده الرأي العام في العراق والولايات المتحدة أيضا.

وازدادت المشكلة -كما يصف بريمر- تعقيدا بموقف السيستاني الغامض الذي يتقلب بين العزلة الروحية والمشاركة المباشرة في العملية السياسية. وهو بنفوذه الكبير على الشيعة يلعب دورا مماثلا لدور البابا في الفاتيكان، فهو وإن كان لا يدير الحياة السياسية اليومية فإنه يمارس نفوذه عبر الولاء الكبير الذي يحظى به والفتاوى التي يصدرها.

لم يكن السيستاني يؤيد قيام دولة دينية مثل إيران، ولكنه بمواقفه وفتاواه السياسية كان يوجه الشيعة العراقيين نحو مواقف تبدو مربكة للأميركيين، مثل معارضته مشاركة دول الجوار في قوات تعمل في العراق، ما أوقف مشروعا لمشاركة الأتراك في قوات التحالف.

ورغم أن السيستاني رفض مقابلة أي أحد من هذه القوات فإنه في الحقيقة -حسب بريمر- كان متعاونا مع الإدارة الأميركية ولكن على نحو لا يريده أن يكون موضع نقد ومهاجمة أمثال مقتدى الصدر.

وكانت الإدارة الأميركية تواجه ضغوطا كبيرة من أجل إحلال قوات عراقية في الدفاع والأمن والحدود بدلا من القوات الأميركية لتخفيف عمليات المقاومة ولمواجهة الرأي العام الأميركي والمشاركة في الانتخابات الرئاسية في وضع مريح للجمهوريين، وتخفيف الانتقادات الحادة التي يوجهها الكونغرس الأميركي.

وبدأ فشل عمليات العثور على أسلحة دمار شامل في العراق يلقى ظلاله على الإدارة الأميركية ويضعها في موقف حرج أمام الرأي العام والكونغرس, حين خلص التقرير الذي قدم إلى الكونغرس بعد عدة أشهر من المسح والتفتيش إلى أنه من المؤكد أن العراق بقيادة صدام حسين لم يمكن يملك آلاف الأطنان من الغازات السامة والرؤوس الحربية، أو مئات الكيلوغرامات من أدوات الحرب البيولوجية أو المنظومات الصناعية أو المواد الانشطارية اللازمة لإنتاج الأسلحة النووية التي قالت أجهزة الاستخبارات الغربية الكبرى إنه يمتلكها.

اتخذ بريمر قناة اتصال سرية بالسيستاني عن طريق عماد ضياء، وهو أميركي عراقي من عائلة شيعية محترمة في النجف، وكان يعمل رئيسا لمجلس الإعمار والإنماء.

ويبدو أن بريمر لم يكن يثق باتصالات الحكيم وغيره من القادة السياسيين الشيعة بالسيستاني، وكانت مواقف ورؤى هذا الأخير تبدو عقبة أمام الأدوات التقليدية للتصويت والتفكير في المجلس الذي يفترض أن يعمل بنظام الأغلبية.

ويتساءل بريمر هنا: ماذا إذا أصر السيستاني على تطبيق الشريعة في الدستور؟ أو أن النساء لا يمكنهن التصويت؟ وبدأت الصحافة الأميركية تنشر الأخبار والتقارير عن موقف السيستاني ورؤيته المختلفة.

ونشرت صحيفة واشنطن بوست قول مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية إنها قد تكون مجبرة على تنظيم انتخابات لإرضاء آية الله السيستاني.

وفي 28 يونيو/حزيران 2004 أنهى بريمر عمله في العراق معلنا أنه أصبح بلدا ذا سيادة، وقدم خطابا وداعيا متلفزا ليذاع ليلة رحيله، وقد ضمنه بناء على اقتراح المترجم المدهش -كما يصفه بريمر- معين الجابري أبياتا شعرية باللغة العربية لشاعر عراقي شهير هو ابن زريق البغدادي.

وقد عمل الجابري على تدريب بريمر عدة أيام على قراءة هذه السطور التي يقول إنها أبيات سيتذكرها طوال حياته:

أستودع الله في بغداد لي قمرا   بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعني      صفو الحياة وأني لا أودعه
كم قد تشفع بي أن لا أفارقه    وللضرورات حال لا تشفعه

"
كان مؤمَّلا أن يساعد القبض على صدام حسين في إقناع السنة المعتدلين بالاندماج في العملية السياسية وترسيخ قناعة نهاية البعث لديهم ولدى غيرهم، وأن يساعد في لجم عمليات اجتثاث البعث التي كان يتولاها الجلبي بتطرف يفوق توقعات الأميركان
"
اعتقال صدام حسين
قبض على الرئيس العراقي المختفي صدام حسين في ديسمبر/كانون الأول 2003، ولم يعلن الخبر إلا بعد فترة من اعتقاله للتأكد من أنه صدام حسين بالفعل.

وكان الأميركان يلاحقون بهوس كل شائعة أو تقرير حول صدام، وكانت أكثر التقارير منطقية كما تبين فيما بعد أنه يتجول متخفيا ومتنكرا بسيارة أجرة.

وفي خريف عام 2003 غيرت إستراتيجيات البحث من متابعة القيادات العليا إلى متابعة حاشية الرئيس السابق من السائقين والطباخين والخدم، لأن ذلك يشكل مسارا أفضل للوصول إليه، وقد ثبتت صحة هذا التحليل.

وأبلغ أحد هؤلاء الأميركان بأنه يمكنه أن يدلهم على صدام، وأنه مختبئ قرب قرية الدور الزراعية غرب دجلة على بعد 15 كلم من تكريت.

وأظهرت التحريات والمسوحات أنه يوجد مجمعان في مزرعتين منعزلتين قرب الدور، وكان ثمة بيوت طينية بدون إضاءة تبدو مهجورة تماما، ولكن أظهر التصوير الليلي وجود بعض مظاهر الحياة وأن سيارة أجرة مركونة في المكان.

ولكن الجنود لم يجدوا أحدا وكادوا يغادرون عندما رأوا في اللحظة الأخيرة خطا مستقيما نافرا في الغبار السميك، وبعض الطوب القصير المصفوف على شكل مستطيل، وعندما حركها أحد الجنود بقدمه اكتشف وجود حبل قصير، فجذبه ليجد فتحة تشكل مدخلا لحفرة عمقها ستة أقدام.

وصرخ الجندي على من يوجد بالداخل لكي يخرج، لكن أحدا لم يرد، فأضاء أحد الرقباء مصباحا كاشفا نحو الحفرة وأعد لإلقاء قنبلة صوتية، فظهرت يدان خاليتان ورأس ذو شعر أشيب غير مسرح، وتحدث الرجل الملتحي بالإنجليزية قائلا إنه الرئيس العراقي صدام حسين وأنه يريد التفاوض.

وعرض صدام على عدد من كبار المسؤولين السابقين والمعتقلين لدى القوات الأميركية مثل طارق عزيز وسكرتيره الشخصي وأكدوا أنه صدام حسين، وزاره في المعتقل للتعرف عليه أربعة من أعضاء مجلس الحكم، هم عدنان الباجه جي وأحمد الجلبي وعادل عبد المهدي وموفق الربيعي.

وجرى بينهم وبين صدام نقاش عاصف وتبادل للشتائم والتهديدات، وقال صدام مخاطبا للباجه جي: كيف تقبل لنفسك أن تكون مع هؤلاء؟ أنت منا ولست منهم، ونعت الآخرين بالخيانة. وسأله الباجه جي: لماذا احتللت الكويت؟ فرد عليه باحترام وكان الوحيد الذي يحترمه: دكتور باجه جي ألا تعتبر أنت أيضا أن الكويت هي المحافظة العراقية التاسعة عشرة؟

ويبدو أنه يذكره بمحاجة قديمة منشورة تؤيد مطالبة العراق بالكويت، فرد الباجه جي ولم يتحدث ثانية: كان ذلك منذ زمن بعيد.

وسأله موفق الربيعي: لماذا استسلمت ولم تقاتل؟ فالتفت إلى الجنرال سانشيز وقال له: لو كنت مكاني هل كنت تحاول المقاومة؟ ونظر إلى الربيعي باحتقار، وقال: وماذا تعرف عن القتال؟

وأعلن الخبر في مؤتمر صحفي شارك فيه إلى جانب بريمر عدنان الباجه جي رئيس مجلس الحكم في تلك الفترة.

ويقول بريمر: كنا نأمل أن يساعد القبض على صدام حسين في إقناع السنة المعتدلين بالاندماج في العملية السياسية وترسيخ قناعة نهاية البعث لديهم ولدى غيرهم أيضا.

وكنا نتوقع أن يساعد أيضا في لجم عمليات اجتثاث البعث التي كان يتولاها الجلبي، وكانت تجري بتطرف يفوق توقعات الأميركان.

المصدر : الجزيرة