عرض/إبراهيم غرايبة
يعتقد تزفتان تودورف أن هذا الكتاب مرآة تعكس أسوأ ما جاء في القرن العشرين وأفضل ما فيه، وتودوروف هو فيلسوف وناقد ومؤرخ فرنسي بلغاري الأصل، هاجر إلى فرنسا عام 1963 وعمل مديرا للأبحاث في المركز الوطني للأبحاث العلمية، وأصدر عشرات الكتب نشرت في أكثر من 25 لغة.

كان أسوأ ما جاء به القرن العشرون حسب رؤية تودروف هو نظام الشمولية والحكم المطلق كالشيوعية والنازية، وقد تغلبت عليهما الديمقراطية، ولكنها أسقطت قنابلها الذرية على الناس.

- الكتاب: الأمل والذاكرة
- المؤلف: تزفتان تودوروف
- المترجم: نرمين عبد الله العمري
- عدد الصفحات: 454
- الناشر: مكتبة العبيكان، الرياض
- الطبعة: الأولى/2006

مرض القرن العشرين
كان القرن العشرون في نصفه الأول خاصة سلسلة من المجازر والفظائع غير المسبوقة، فقد احتلت أوروبا أجزاء واسعة من العالم، ودارت الحرب العالمية الأولى، وكان ضحاياها عشرة ملايين قتيل.

وقتل في الحرب العالمية الثانية 35 مليونا، وأعدمت تركيا نصف مليون إنسان، وأبادت مليونا ونصف مليون أرمني، وتعرض اليهود والغجر لعمليات إبادة في أثناء الحرب العالمية الثانية.

وهلك في المجاعة التي أعقبت الحرب الأهلية في روسيا عام 1917 خمسة ملايين إنسان، ثم مات أربعة ملايين ضحية للقمع، وقضى ستة ملايين إنسان في مجاعة عام 1932.

وربما تقل هذه الأعداد عن ضحايا الإنفلونزا التي تفشت في أثناء الحرب العالمية الأولى وراح ضحيتها حوالي 50 مليون إنسان.

كأن مبدأ داروين حول التصنيف الطبيعي والبقاء للأقوى يطبق على البشر، فالحرب هي قانون الحياة، بل وعبر عن مبادئ دارون بشعارات تبدو ثورية ولكنها في جوهرها داروينية، مثل الصراع الطبقي، وحرب الأجناس، والصراع العرقي.

بلغت الشمولية أوجها في أوروبا عام 1939 عندما تحالفت ألمانيا النازية وروسيا الشيوعية واتفقتا على تقاسم دول أوروبا.

وبالفعل قام الاتحاد السوفياتي باحتلال دول البلطيق وأجزاء من رومانيا وبولونيا وفنلندا، وسيطرت ألمانيا على الدول المتبقية من أوروبا باستثناء بريطانيا، ولو استطاع هتلر الاكتفاء بهذا الوضع، وعمل على ترسيخه وأحسن تنظيمه لبقيت أوروبا حتى اليوم بين أيدي ورثته.

ومارس النظامان الشيوعي والنازي أنوعا من الإبادة والاستبداد والقتل والترويع، وكانت الشيوعية بحكم طول عمرها الأكثر قدرة على القتل الجماعي والفردي، وطال حكمها وتأثيرها جميع القارات.

وربما يكون ثمة إجماع على إدانة النازية، ولكن الشيوعية تتمتع حتى اليوم بأنصار ومؤيدين يدافعون عنها، نظرا للظروف التي أعلنت انتهاء حكم الشيوعية، خاصة أنه تجسد في الموت الطبيعي للقادة الشيوعيين.

فقادة الشيوعية لم يتعرضوا لهزيمة عسكرية، كما أنهم لم يمثلوا أمام القضاء، ولم يطلبوا العفو والصفح من أحد، كما أنه لم يتم التعويض عن جرائمهم التي لا حصر لها، وفي دول من العالم كان الشيوعيون في صفوف المعارضة، وقد تعرضوا للاستبداد والاضطهاد.

وكشفت الأنظمة الشمولية التي انتشرت في القرن العشرين عن وجود خطر لم يكن في الحسبان سابقا، يتمثل بالاستحواذ الكلي على الذاكرة، وعمد الطغاة في القرن العشرين إلى التحكم المنظم في الذاكرة، مع محاولة السيطرة عليها في خفاياها المنعزلة والسرية، وقد نجحت بعض هذه المحاولات في إزالة آثار الماضي بمهارة.

فقد أحرقت الجثث وحولت إلى رماد، وأتلفت الوثائق التي تشير إلى الإجراءات التي كانت متبعة من الاعتقال والتعذيب إلى الإعدام.

ومازال الغموض وربما سيبقى مكتنفا للكثير إن لم يكن معظم عمليات التهجير والإبادة والظلم، واتخذت إجراءات رادعة لمنع الحصول على المعلومات أو تقصيها، مثل الاستماع إلى الإذاعات المعادية والاطلاع على المنشورات.

وكان الحظر على المعرفة منتشرا على نطاق واسع في كافة ميادين الحياة، حتى قيل إن طائر النورس كان يقتل في جزر سولوفكي كي لا يتمكن من نقل الرسائل.

ومن أطرف وسائل العمل والخطاب إطلاق عبارات لا يمكن إدانتها مثل "المعاملة الخاصة" التي كانت تعني الإعدام شنقا، وكان يجري تبديل هذه التعليمات حتى لا يكون ثمة إشارة أو وثيقة تكشف العمليات الجارية.

"
الديمقراطية لا تشبه الشمولية، ومع ذلك لم تتمكن أشلاء الأطفال الذين وقعوا ضحية المجازر من التمييز بين القنابل الشاملة والقنابل الإنسانية الذرية أو التقليدية التي كان من المفروض أن تنقذ حياة الكثيرين، وتساعد على نشر العدالة والأخلاق
"

مخاطر الديمقراطية
هل تمثل الديمقراطية الجانب الآخر المشرق في القرن العشرين؟ لقد كانت نهاية الشمولية في الحرب العالمية الثانية بالقنابل النووية التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي في اليابان عام 1945، وهكذا فقد انتصرت الديمقراطية على الشمولية بالتدمير والفظاعة نفسها التي ارتكتبتها الشمولية.

فإذا كانت الشمولية ممثلة في الشيوعية والنازية قد أسست نظام الرعب وجعلته المسيطر في البلاد، فقد استكملت الدولة الديمقراطية، وبالذات الولايات المتحدة الأميركية تصنيع السلاح المطلق، وقررت استخدامه على الفور.

فكانت الشمولية تعدم أعداءها وترهبهم بالوسائل البدائية والتقليدية كالإعدام رميا بالرصاص أو خنقا بالغاز والقتل جوعا.

أما طريقة الإعدام في الدولة الديمقراطية فقد استنفرت جهود ومساهمة أكبر العلماء على كوكب الأرض، وفرضت تكنولوجيا متقدمة تقدح شررا، فكانت الشمولية تقتل البشر مستندة إلى الأسس العلمية التي تمتلكها، وأما الدول الديمقراطية فكانت تقتل البشر بواسطة تطبيق تجاربها العلمية.

وغداة الحرب العالمية الثانية لم يكن أمام الولايات المتحدة ودول الحلفاء سوى تفسير واحد لمجريات الأحداث، بدا لهم واضحا وجليا، وهو أنه من أجل وضع حد نهائي للحرب كان لا بد من إيقاع الهزيمة باليابان، تلك هي المقتضيات السياسية التي فرضت نفسها.

ولكن هل كان استسلام اليابان غير المشروط ضروريا؟ وإذا كان ضروريا فهل كان إسقاط القنابل الذرية على المدن اليابانية هو الوسيلة الوحيدة للحصول عليه؟

لقد كانت اليابان مقدمة على الاستسلام قبل إلقاء القنبلة عندما قرر الاتحاد السوفياتي رسميا المشاركة في الحرب إلى جانب الحلفاء، إذ كان الموقف الياباني حرجا ويدعو إلى اليأس.

ولكن الأركان العامة الأميركية قررت حسم الموضوع دون أن تترك للبلاد الوقت الكافي لهضم العبر التي ولدها الوضع الجديد، وصممت على إلقاء القنابل الذرية على المدن اليابانية، ليتبين فيما بعد أن الدافع كان حرص الأميركيين على كسب المعركة بفضل تدخلهم هم لا بسبب تدخل الاتحاد السوفياتي.

وكان يمكن الحصول على الاستسلام الياباني غير المشروط بإجراء تفجير تجريبي للقنبلة الذرية في مكان بعيد عن الأهداف المدنية المأهولة بالسكان.

وسيشهد هذا التفجير العلماء والعسكريون اليابانيون، وسيكون البرهان مقنعا، وإذا كان تدمير هيروشيما ضروريا فلماذا دمرت أيضا ناغازاكي بعد ثلاثة أيام، وقد أثبتت القنبلة نجاحها في هيروشيما.

الواقع أن المؤرخين شغلوا كثيرا بهذه الأسئلة وقدموا إجابات عدة، إذ لاحت أشكال الصراع بين الدول المنتصرة في الأفق قبل الانتصار الساحق على ألمانيا، ولذلك فقد كان القرار لا يخص اليابان، وإنما لترويع العم "جو" أي ستالين عن طريق أدلة تشير إلى مكان القوة الحقيقية.

وطبعا كانت النتيجة أن ستالين ارتاع، فقرر تزويد بلاده بالسلاح النووي، وقرر أيضا أن لا يجتاح أوروبا، وهكذا فقد سدد سكان مدينتي هيروشيما وناغازاكي الحساب بالنيابة عن سكان لندن وباريس، وربما نيويورك.

وربما كانت القنابل الذرية لرد الإهانة التي لحقت بالأميركان بسبب حادثة بيرل هاربر، ولكن ذلك الطفل في عمر الزهور في هيروشيما وجدته لم يدركا السبب الذي فرض عليهما تسديد حساب مرفأ بيرل هاربر.

ويكمن التفسير الثالث للقصف الذري في التمييز العنصري المناهض لليابان، والذي كان سائدا آنذاك في الولايات المتحدة الأميركية، ولكن أنسب تعبير يمكن استخدامه في هذه الحالة هو جريمة حرب.

إن الديمقراطية لا تشبه الشمولية من ناحية الآثار التي تخلفها، ومع ذلك لم تتمكن أشلاء الأطفال الذين وقعوا ضحية المجازر من التمييز بين القنابل الشاملة والقنابل الإنسانية الذرية أو التقليدية التي كان من المفروض أن تنقذ حياة الكثيرين، وتساعد على نشر العدالة والأخلاق.

أما على صعيد العلاقات الدولية فالاختلاف بين الديمقراطية والشمولية لا يظهر أُثره الواضح إلا في الشؤون الداخلية للبلاد، فإرادة الهيمنة موجودة في كلا النظامين.

ونتعلم من هذا أن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تتغاضى عن صلة القوة، وفي كل الأحوال لسنا مضطرين لقبول التحريف في حقيقة هذه العلاقات، وعلينا الوقوف إلى جانب القوة التي تكشف عن هويتها، ورفض تلك التي تتخذ من الفضيلة قناعا تختبئ وراءه.

"
لن نتصور أن تعود الأنظمة الشمولية بأفكارها لتأسر الشعوب في الغد القريب، ولكن غياب التهديد بالشمولية لا يبشر بتدشين تنحية مخاطر الديمقراطية
"
بداية قرن
يشير التقويم إلى اندثار القرن العشرين، ولكن أحداثه لا تزال تطرق باب ذاكرتنا، فكيف يمكن أن نستفيد من هذه العبر في قرننا القادم؟

لقد تطورت صلتنا بالزمن، وولى عهد المجتمعات التقليدية بشعوبها المستقرة والحضرية، وبعباداتها المنتظمة التي كنا على ثقة أننا لن نضيعها من سنة إلى سنة، وأنها لن تزول.

وقد تغير كل شيء حولنا، وأصبحنا نتسابق مع الزمن للحصول على المعلومات الجديدة، وبات الحفاظ على الماضي مهددا.

وكلنا يفضل اليوم تجاهل مرور الزمن، ويحاول خيالنا تثبيتنا في الحاضر المستمر، حيث لا وجود للأطوار الانتقالية، ولا وجود للطفولة أو الشيخوخة، ولا للموت القابع في زوايا الأحياء المحيطة بالمستشفيات.

يتميز الأدب الإنساني الحديث -وهو أدب خطير- بالاعتراف بقدرة الكائنات البشرية على ارتكاب الأهوال والفظائع، ويتميز أيضا بإمكانية عمل الخير الذي يتخذ الإنسان بهويته المادية والفردية كغاية قصوى لعمله ويكرمه ويحبه.

فكيف نوفق بين انعدام تأثير الأوهام على الإنسان وبين الحفاظ على الإنسان كغاية لأي عمل؟ هذا هو التحدي الذي يفترض على علماء الأدب الإنساني الحديث قبوله.

يخطر لنا أن نسأل، هل نحن مهددون في المستقبل المنتظر بعودة عالم الشمولية أو بعودة منهجه؟ ولكن هل يمكن أن نتوقع شكل الغد الذي ينتظرنا؟

لقد أصيبت الشعوب الأوروبية بصدمة كبيرة نتيجة التجربة الشمولية التي فرضت عليها، بل وكانت هزة عميقة، أما الأضرار التي نجمت عنها فكانت فادحة، لذا لن نتصور أن تعود الأنظمة الشمولية بأفكارها لتأسر الشعوب في الغد القريب، ولكن غياب التهديد بالشمولية لا يبشر بتدشين تنحية مخاطر الديمقراطية.

تهدد الديمقراطية تيارات ثلاثة، الأول متعلق بالهوية، والثاني يتعلق بالأخلاق، والثالث هو "الوسيلي" الذي يهتم بالوسائل والأدوات المؤدية إلى هدف معين دون الوقوف عند شرعية هذا الهدف.

إن المجتمعات لا تقوم دون هوية فردية أو جماعية، فالذاكرة تعمل بناء على هذه الهوية وتدعيمها، غير أن هذا المتطلب الشرعي يتوقف عن كونه شرعيا عندما يتغلب الانتماء إلى الهوية الجماعية على القيم الديمقراطية ذاتها المتمثلة بالفرد والعمومية.

ويسعى المنهج الأخلاقي السليم إلى التوحيد بين الأخلاق والسياسة، إن لم يكن داخل الدولة فعلى الأقل على صعيد المجتمع.

ولكن المشكلة في تيار الأخلاق تظهر عندما يشجع على التنديد بخيانة المخالفين، وبدروس الأخلاق التي توجه للآخرين وسيادة الضمير الحي، والعودة في العلاقات الدولية إلى الحروب الصليبية والحروب الاستعمارية التي كانت تتم تحت لواء نشر الخير.

المصدر : الجزيرة