عرض/إبراهيم غرايبة
يدرس الكتاب الحركات الاجتماعية العربية بمعنى التنظيمات الرسمية التي تعمل خارج القنوات السياسية المعتادة، مثل الحركات الطبقية والديمقراطية وحركات حقوق المرأة وحقوق الإنسان وحقوق الشعوب والفلاحين والمدافعين عن البيئة.

ويتناول سماتها ونشأتها وإنجازاتها، وتقدمها وتراجعها، وتاريخها في الدول العربية، ودورها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وواقعها القائم.

كما يتناول الآفاق الممكنة لهذه الحركات في التعامل مع مرحلة جديدة من العولمة والهيمنة، ويعرض خريطة لها في كل من مصر والسودان والجزائر وتونس وسوريا ولبنان والأردن.

الديمقراطية ومناهضة العولمة

- الكتاب: الحركات الاجتماعية في العالم العربي
- المؤلف: مجموعة من الباحثين
- عدد الصفحات: 552
- الناشر: مركز البحوث العربية والأفريقية/القاهرة
- الطبعة: الأولى/2006

الحركات الاجتماعية هي الجهود المنظمة التي يبذلها عدد من الناس المؤثرين بهدف التغيير أو مقاومة التغيير في المجتمع، أما في الماركسية فهي حركة مستقلة ذات وعي ذاتي تسعى وراء مصالح مادية.

ويعرفها سكوت على أنها فاعل اجتماعي ينشأ بين أفراد لهم مصالح عامة ويدركون هوية خاصة لهم، وبالتالي فهي كل العناصر الجماعية والاستقلالية، ومستوى الوعي المرتبط بهوية مميزة ترتبط بمصالح نطاق محدد من المجتمع سواء كان يضم فئات اجتماعية متجانسة أو متطابقة تسعى إلى التأثير في المجتمع بتوسيع نطاق سلطة شرعية تعتمد على إكساب مجموعة من الأفكار والمبادئ والقيم والأخلاقيات قبولا واسعا من خلال تعبئة الجماهير وتسعى إلى تحسين مواقع الفئة الاجتماعية، وهي تسعى أيضا للتأثير في بناء القوى الاجتماعية من خلال التوافق أو الصراع الاجتماعي، ولكنها لا تسعى إلى إحراز السلطة السياسية ولا امتلاك المؤسسات السياسية التقليدية.

والحركات الاجتماعية توجد وتعزز حضورها وتحركاتها في كل أنحاء العالم، وتسير قدما من الدفاع إلى الهجوم للقيام بدور حاسم في صياغة مشروعات خلاقة لبناء إستراتيجية سياسية موجهة للمواطنين.

وإلى وقتنا هذا فإن عدو الشعوب برأي سمير أمين رئيس منتدى العالم الثالث بدكار ومجلس البحوث العربية والأفريقية بمصر هو الرأسمالية الاحتكارية (الأوليغاركية)، ورأس المال المعولم والهيمنة الإمبريالية والسلطات السياسية التوتاليتارية العاملة في خدمتها، مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وحلف الناتو.

وتملك منظومة الهيمنة هذه مراكز للتفكير باجتماعات معروفة مثل "منتدى دافوس" فضلا عن الجامعات وأقسام الاقتصاد التقليدية.

وتسيطر هذه المراكز على "الموضات الفكرية" التي تنتقي الكلمات والمصطلحات مثل "الديمقراطية وحقوق الإنسان" و"الحرب ضد الفقر" و"تعزيز حقوق الأقليات" أو "الحرب على الإرهاب".

وتقوم مواجهة هذه الإمبريالية العالمية والهيمنة الأميركية على بناء سياسة مدنية قادرة على توحيد وتجميع مطالب الحركات توحيدا يمثل شرطا لنجاحها في مطالبها الاجتماعية والاحتجاجية.

ولا بد من تشجيع التقارب بين الشركاء "الأورآسيويين" الكبار تحديدا أوروبا وروسيا والهند، لأن روسيا باحتياطها من النفط والغاز توفر لأوروبا السبيل الوحيد للإفلات من الفرمان الأميركي وإحياء التضامن بين الشعوب الأفروآسيوية وبعث التضامن بين القارات الثلاث.

"
معظم الحركات الاجتماعية تميزت بأنها كانت تندلع وتخبو سريعا وقوامها من الجماهير المهمشة في مواجهة حكم متعسف وإفقار عام
"
الحركات الاجتماعية العربية
عرف الحزام الشمالي في الوطن العربي أشكالا متباينة من السلطة المركزية، وكان الاستحواذ على الفائض الاقتصادي يتم لصالح مستويات ذات طابع شخصي.

وأدى هذا النظام الأبوي القابض إلى استنزاف وإجهاض تطور التكوينات الاجتماعية المنتجة من فلاحين وحرفيين وتجار، وانصرافها من الإبداع إلى اكتناز الذهب ما أدى إلى كتم التعبير السياسي وتفشي الفساد وفقدان الأمان في الريف والمدن.

وشهد أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر حركات عوام المدن ضد الاستغلال وتدهور الأحوال المعيشية في ظل الدولة العثمانية، مثل تحركات حلب التي أدت إلى هروب الوالي 1818م وثورة أيلول في دمشق.

وشهدت الشام انتفاضات فلاحية في الريف ضد الضرائب الباهظة وضد الجهاز الإداري، أما في مصر فكانت ثورة القاهرة الأولى 1798 والثانية 1800 ضد الحملة الفرنسية.

ولكن معظم هذه الحركات تميزت بأنها كانت تندلع وتخبو سريعا وقوامها من الجماهير المهمشة في مواجهة حكم متعسف وإفقار عام، وكانت هذه الهبات في معظم الأحيان في مواجهة السلطة المحلية ولم تتجاوز أبدا السلطة المركزية.

وتشكلت فئة خاصة في عواصم الولايات العربية من الفئة الحاكمة من كبار الملاكين وكبار التجار على أثر قانون الأرض الذي يتيح تسجيل ملكيات خاصة، كانت تعمل على تأييد الدولة العثمانية وعلى مقاومة الدعوة إلى الانفتاح والتطور.

بعد الاحتلال الأوروبي العسكري المباشر تقريبا اكتملت عملية التحديث في القرن العشرين، وقد كان تحديثا وليس حداثة فاتخذ شكلا لم يكتمل نضجه، وبقيت كل دولة مرتبطة بحليف من الدول الغربية وتطبق سياسات ليبرالية لمؤسسات التمويل الدولية التي هي خاضعة لها، مما أضفى طابعا مزيفا على ليبرالية المجتمعات العربية، إذ اتسمت النخب الاقتصادية بالافتقار إلى الاستقلال الذاتي، حيث لا تعيش إلا من خلال ما تقدمه من خدمات مباشرة إلى السوق العالمية.

ومن الحركات الواضحة التي قامت في المجتمع العربي، الحركة العمالية التي نشأت من خلال المشروعات الصناعية التي أعطتها الدول بعد الاستقلال أهمية أثناء سعيها لبناء اقتصاد وطني.

وقد بدأت التحركات العمالية في مصر بعد الاستقلال، وشهدت كفاحا عماليا اقتصاديا اقترنت فيه المطالب الجزئية بالمطالب العامة، ولعب القطاع دورا قياديا في الحركة في الموقف السلبي تجاه الاتحاد الرسمي.

وفي سوريا بعد تسلم حزب البعث السلطة تحولت الطبقة العاملة إلى شريك للحكومة، ولا يزال اتحاد نقابات العمال يمثل حركة ضاغطة.

وفي تونس أسفر إدماج الاتحاد العام للشغل في الدولة عن تفاعله مع العناصر الأخرى داخل اللعبة السياسية، غير أن السودان يمكن أن يعد نموذجا حيث أدت المراوحة بين الحكم الديمقراطي المدني والحكم العسكري إلى الانتقالات السريعة للتنظيمات النقابية.

ولعبت القوى السياسية دورا في بلورة الوعي الطبقي وإكساب النضال العمالي بعدا سياسيا في معظم البلدان العربية.

وهناك حركة المثقفين التي تميزت أنشطتها في كافة الاتجاهات السياسية والفكرية، اليسارية والليبرالية والإسلامية، ويجمع شتاتها الهم الوطني، خاصة عندما تراجع المشروع الوطني وبدأت العلاقات مع الدول الغربية التي وصلت إلى حالات التطبيع مع إسرائيل، وعند تعاظم النفوذ العسكري والثقافي الغربي في المجتمعات العربية.

ومن الأمثلة على هذه الأشكال في مصر لجنة الدفاع عن الثقافة القومية 1979، والحركة الشعبية لمقاومة الصهيونية ومقاطعة إسرائيل 1996، واللجنة الشعبية المصرية لكسر الحصار عن العراق 1998، واللجنة الشعبية للتضامن مع انتفاضة الشعب الفلسطيني، ولجنة الدفاع عن عمال سكة الحديد 1985، ولجنة الدفاع عن سليمان خاطر.

وفي سوريا تأسس اتحاد الكتاب العرب 1969، واللجان مثل لجنة إحياء المجتمع المدني 2000، واللجنة الوطنية لمقاطعة البضائع والمصالح الإمبريالية 2000، ومجموعة نصرة فلسطين.

أما المنظمات الحقوقية والدفاعية فقد ظهرت مع تغير التحالفات السياسية للحكومات العربية باتجاه الدول الغربية، فظهرت أشكال من النشاط الرسمي أو شبه الرسمي في مجالات حقوق الإنسان والمرأة.

وتشترك الحركة النسوية في العالم العربي مع كثير من المنظمات الحقوقية والدفاعية، حيث تشكلت في الأحزاب أجنحة نسائية، ويوجد عدد غير قليل من المنظمات النسائية التي ترتبط بالمنظمات الدولية تنشط في مجال مناهضة العولمة مثل جمعية تضامن المرأة العربية في مصر، واتحاد النساء التقدمي في سوريا.

وهناك منظمات إسلامية ترفض التبعية للغرب وترفض الخطاب النسوي الغربي، وتعمل على تأسيس خطاب نسوي إسلامي، مثل شبكة الاتصالات الإسلامية، وجمعية المرأة والحضارة في مصر.

وعند انهيار المشروع القومي والوطني بدأت حركات دينية وثقافية تظهر، مما منح الكنيسة أيضا دورا سياسيا باعتبارها معبرة عن المسيحيين ومصالحهم وحقوقهم.

أما الحركات المناهضة للعولمة والسياسات الليبرالية في المنطقة العربية فعبرت عن مختلف الحركات الاجتماعية، وكان لمراكز البحث غير الحكومية دور في مناهضة تلك السياسات مثل مركز الخدمات النقابية في مصر، ومركز الأرض، والحركة الطلابية في تونس، والمنتديات الثقافية ولجان المقاطعة ودعم فلسطين والعراق في سوريا، كما أن للحركات النسوية دورا في رفع هذه الشعارات.

وقد نشأت تنظيمات إقليمية كبيرة للحركات الاجتماعية موازية لنشأة الجامعة العربية منذ الخمسينيات مثل اتحاد المحامين العرب، واتحاد العمال العرب، وتلا ذلك اتحاد الغرف التجارية.

مناهضة العولمة في الوطن العربي

"
المتضرر الأول من سياسات العولمة هو أغلبية الشعوب العربية، وعلى رأسها الفئات الوسطى والنساء والعمال والفلاحون
"
العولمة ظاهرة موضوعية ناجمة عن الثورة العلمية والتكنولوجية المعاصرة، خاصة في مجال الاتصال والمعلومات والهندسة الوراثية والبحوث النووية، وهي أيضا تتعلق باستفادة الرأسمالية من هذه التطورات بما يحقق مصالحها.

ومن خلال ظاهرة العولمة الرأسمالية تعيد الرأسمالية هيكلة نفسها وتحافظ على الجوهر الاستغلالي وتكثيف استغلال شعوب كل العالم، وتسعى إلى بناء نظام اقتصادي رأسمالي عالمي موحد من خلال إدماج اقتصاديات مختلف بلدان العالم في السوق بالشروط التي تحددها الاحتكارات الرأسمالية العالمية.

وتنشر العولمة علاقات الرأسمالية، وتعمم الاعتماد على آليات السوق في تحديد أسعار السلع والخدمات والأجور، وتحرر التجارة العالمية بفتح أسواق كل بلدان العالم أمام السلع والخدمات من المراكز الرأسمالية المتطورة وتستخدم القروض والتسهيلات المالية لفرض هذه السياسات وإلغاء أي ضمانات قانونية للطبقة العاملة مثل التأمين الصحي وإجازات العمل.

وقد نتج عن هذه السياسات انهيار أسعار صادرات الدول وخفض الإنفاق العام على الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وتجميد الأجور بحيث تكون زيادتها النقدية بمعدلات أقل من الزيادة في أسعار السلع والخدمات، مما أدى إلى زيادة معدلات الفقر والبطالة وتقليص فرص العمل المتاحة للمرأة وتكليفها بالعمل الطويل بأجور زهيدة، وتكريس الأوضاع السلطوية في مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

المتضرر من هذه السياسات هو أغلبية الشعوب العربية، وعلى رأسها الفئات الوسطى والنساء والعمال والفلاحون، وتشكل هذه الفئات القاعدة الاجتماعية المناهضة للعولمة في الوطن العربي باعتبارها صاحبة مصلحة أكيدة في التخلص من السياسات المطبقة حاليا واستبدالها بسياسات تحقق التنمية النابعة من احتياجات الشعوب وتوزيع ثمار التنمية والمشاركة الشعبية في تحديد سياسات الأمة وأولياتها بما يحقق عالما أفضل.

نمت الحركة العالمية لمناهضة العولمة ببطء في مواقع متفرقة في البداية، لكنها سرعان ما انتشرت ونضجت وتمكنت من تأسيس أطر ومؤسسات عالمية، وقد شهدت معظم الأقطار العربية تحركات مناهضة للعولمة كما شهدت مشاركة في أنشطة إقليمية ودولية.

والذين قاموا بهذه الأنشطة قيادات تنتمي إلى الحركة العمالية والفلاحية والنسائية وحركة حقوق الإنسان وحركة البيئة والحركة الشبابية من الأحزاب السياسية.

"
معظم الأقطار العربية شهدت تحركات مناهضة للعولمة كما شهدت مشاركة في أنشطة إقليمية ودولية
"
وتشكلت المؤسسات والمنظمات النشطة في مجال مناهضة العولمة ويتزايد عددها عاما بعد آخر، ومنها المنتدى الاجتماعي القطري حيث يوجد المغربي والتونسي واللبناني والسوداني والمصري.

وتشكلت أيضا شبكات ومنظمات إقليمية على المستوى العربي من جمعيات أهلية ومنظمات غير حكومية تعمل في مجالات اجتماعية متعددة كالتنمية وحقوق الإنسان والدفاع عن البيئة والمرأة امتد نشاطها إلى مجال مناهضة العولمة لوعيها بمدى الأضرار التي تصيب الفئات المدافعة عنها.

ومن هذه الشبكات: الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية في بيروت، وشبكة المنظمات الفلسطينية، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، واتحاد المحامين العرب.

وتأسست عام 2002 المجموعة المصرية لمناهضة العولمة (أجيج) التي تناضل ضد العولمة في مصر، وهناك تجمع ناشطي العولمة في سوريا 2002 الذي يناضل ضد الهجوم المتوحش لليبرالية الجديدة.

وهناك منظمة أتاك في كل من المغرب وتونس وكذلك تجمع المنظمات المصرية لحقوق الإنسان 2004 التي تعمل فيها 16منظمة اتفقت في وثيقة التأسيس على المشاركة في أنشطة مناهضة العولمة في النضالات الإقليمية والعالمية تضامنا مع شعوب العالم ضد أي انتهاكات لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب.

وقد عقد مؤتمر القاهر ضد العولمة والهيمنة الأميركية مع المقاومة الفلسطينية والعراقية في ديسمبر/كانون الأول 2003 وشارك فيه أكثر من مائة شخصية عالمية وصدر عنه أن التضامن مع فلسطين والعراق جزء لا يتجزأ من النضال العالمي ضد سياسات العولمة والرأسمالية والهيمنة الأميركية.

المصدر : الجزيرة