عرض/ حسن السرات
"العلامة" رواية تحكي سيرة العالم المغاربي الشهير عبد الرحمن بن خلدون، وراويها هو الدكتور بنسالم حميش المفكر والأديب المغربي الحاصل على دكتوراه في الفلسفة من جامعة باريس، وله عدة أعمال بالعربية والفرنسية في البحث والإبداع. ترجمت بعض رواياته إلى ست لغات.


- الكتاب: العلامة
- المؤلف: بنسالم حميش
- عدد الصفحات: 364
-الناشر: مطبعة المعارف الجديدة, الرباط
- الطبعة: الأولى/2006

فوز مستحق
وقد فازت رواية الدكتور بنسالم حميش عن ابن خلدون بجائزتين أو أكثر لأن الكاتب درس ابن خلدون دراسة جمعت بين الطول والعرض والعمق إن صح التعبير، فهو أستاذ للفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط حيث ألقى دروسا عن فلسفة ابن خلدون ونظرياته في العمران البشري وتجربته الثرية والمريرة مع حكام القرن الثامن الهجري سواء المرينيين بالمغرب أو المماليك بمصر.

والمؤلف بعد عشرة طويلة في رحاب الكليات والندوات وبين ثنايا الكتب والمراجع و"المقدمة" و"العبر وديوان المبتدأ والخبر" و"رحلة ابن خلدون شرقا وغربا"، يعرف ابن خلدون كما يعرف الوالد ولده أو الصاحب صاحبه، ومن ثم لم يجد عناء في رسم الصورة والسكنات والحركات والمشاعر والأفكار والوساوس والهواجس في شخصية ابن خلدون، وما تعرض له الرجل من فتنة وبلوى في السر والنجوى.

ولعل تقسيم الرواية إلى فصول ثلاثة يجعل التعرف على شخصية عالم العمران البشري شيئا ميسورا، فالفصل الأول "الإملاء في الليالي السبع" يطلعنا على ابن خلدون المؤرخ والمفكر في عبر التاريخ وتقلباته وقوانينه، و"بين الوقوع في الحب والحصول في ظل الحكم"، وهو عنوان الفصل الثاني، يلج بنا في الجانب العاطفي الإنساني من ابن خلدون، و"الرحلة إلى تيمور الأعرج جائحة القرن"، وهو الفصل الثالث، يستعرض أوج الانشغال السياسي عند العلامة خاصة بقضايا الأمة المصيرية واندماجه في ساحة العمل الأهلي الشعبي حين ينهار الحكم المبني على الظلم والظلمات.

شاهد ليس له نظير

"
الفصل الأول يخلو من الحركية والحيوية إلا أنه استعراض ذكي لأفكار ابن خلدون ونظرياته في التاريخ والدول والعمران في مجالس دافئة، استعراض مزاجه من عصارة التجربة المرة التي خبرها العلامة في حياته
"
تبدأ الرواية حين قرر ابن خلدون الانتقال إلى القاهرة بمصر مهاجرا إليها من المغرب العربي، وينطلق بنسالم حميش في الحكي بضمير الغائب مقدما للقراء نبذة نفسية مركزة عن العلامة، ثم ما نلبث أن نجد أنفسنا في "ليلة ربيعية من ليالي مروقه من بيته وتنقله بين محطاته المفضلة"، يتبادل أطراف الحديث مع خادمه شعبان في هدأة الليل وهدهدة الموج فوق القارب السابح في نهر النيل.

ويتخذ العلامة لنفسه كاتبا يدون أماليه بالأحداث والوقائع السياسية في مصر والمغرب العربي، وتصل الأمالي إلى سبع يتواعد العلامة وكاتبه لتوثيقها في متم ليلة كل شهر هجري، وتبدأ أمالي الليالي بليلة متم صفر، ثم تتلوها ليلة متم ربيع الأول، وليلة متم ربيع الآخر، وليلة متم جمادى الأولى، وليلة متم جمادى الآخرة، وأخيرا ليلة متم رجب، وليلة متم شعبان.

ويضيف المؤلف إلى بعض الحواشي إلى الليلة الأولى والليلة الأخيرة. تتوقف الأمالي في شهر شعبان لعزم العلامة على أداء رحلة الحج في النصف من شهر رمضان وهي الرحلة التي استغرقت زهاء ستة أشهر.

ومع أن الفصل الأول يخلو من الحركية والحيوية فإنه استعراض ذكي لأفكار ابن خلدون ونظرياته في التاريخ والدول والعمران في مجالس دافئة، استعراض مزاجه من عصارة التجربة المرة التي خبرها العلامة في حياته حول الاستبداد وأنواعه، والسياسة ومكائدها، والخلافة وحصادها، والعصبية ودولها، والعلماء والسلاطين، وأوبئة ذلك الزمان، وعلى رأسها "ذلك الوباء الذي سماه أهل العصر بأسماء متشابهة الوقع والحدة: الفناء الكبير، والمرض الهائل، والطاعون الوافد أو الجارف" أي الطاعون الذي حصد آلاف الأرواح ومنها أرواح ذوي القربى من أهل عبد الرحمن بن خلدون.

وتستعرض الرواية التفسيرات المتداولة بين الناس بشأن وباء الطاعون كالتفسير الخرافي والتفسير الديني والتفسير الصحي، ولا تستثني الرواية المسؤولية السياسية، إذ إن "علل الوباء وأسبابه الأرضية المدركة ليس من الصواب ردها كلها إلى تعفن الرطوبات والهواء وحده، بل مرجعها أيضا إلى معالم هرم الدولة وما يصحبه من جبايات ومكوس منكرة، تطال المزارعين وتؤول بانتشاطهم إلى التدني فالزوال، مما يتأدى عنه ظهور الندرة في القوت والغلاء والفتن فالمجاعات ثم الطواعين".

مسؤولية سياسية يذهب ضحيتها الفقراء "الضعفاء وأهل الشظف بسبب السياسة السكانية المتمثلة في "ضيق المساكن والتراكم وسوء التدبير وعدم التحفظ لفشو الجهل وعدم العلم".

فن الإهانة والإذلال

"
من فنون السلطنة الكثيرة المستعملة "فن الإهانة والإذلال" فـ"لابد لمن يحظى بشرف ملاقاة رب السرير أن يتذوق الإحساس بصغر حجمه وهشاشة قوامه، وكل هذا لا يكون إلا بتطويل الانتظار عليه حتى تتهاوى كتفاه ويتقوس ظهره فيحسن إبداء الرضوخ والانحناء"
"
تقدم الرواية أيضا وصفا للعلاقة بين العلماء والحكام، أو المثقف والسلطة بتعبير هذا العصر، ولأن ابن خلدون من أبرز العلماء والمثقفين في زمانه، ومن أشدهم إيمانا بالمشاركة الإيجابية مع الحفاظ على الممانعة من التدجين والترويض، فإن الكاتب يستثمر هذا الأمر ليصف لنا أنواع السلاطين وعلاقاتهم بالعلماء والعكس بالعكس.

يقول بطل رواية العلامة مثلا "سلاطين هذا الزمان وأمراؤه في هذا الباب هم رأس البلاء، وأحيانا من ضحاياه، سعيهم كلهم -صغر شأنهم أم عظم- هو لي أعناق العلماء لتسخيرهم في قضاء حوائجهم وأغراضهم، وذلك مقابل جرايات أو إقطاعات يخصونهم بها على قدر الموهبة والاستطاعة، والويل لمن عصى من العلماء أو تملص. وبالتالي فصورة الحاكم المثلى تقوم في نوع من الجمع بين الكرم المشروط والعنف الطليق".

وعن ذوق مرير، يحدثنا العلامة عن "العالم الداخل في أسواق الملوك رغم أنفه أحيانا، فهو كمن يمشي على الجمر، تحف به فرص السقوط والكبو، وترمقه عيون النصب والغدر، فلا بد له، كلما أظلم الجو بينه وبينهم واتسع الخرق، من التذرع بالحج والانتقال من مشايعة إلى أخرى بحسب المناسبة والقصد، ولعمري ليس للعالم حيل أخرى كيما يفلت من الانتظام المفقر في السلك ويبقى متشوفا إلى العلم، متفرغا إلى التحصيل والوضع".

ولذلك لا يتردد بطل الرواية في وصف السياسة والحضارة حين دخوله على سلطان المماليك الناصر محمد بن قلاوون بأنها "الحضارة المتمددة على ظهرها كعاهرة مستهترة. هو الترف المؤذن بفساد العمران والأفئدة".

من فنون السلطنة الكثيرة المستعملة "فن الإهانة والإذلال" فـ"لابد لمن يحظى بشرف ملاقاة رب السرير أن يتذوق الإحساس بصغر حجمه وهشاشة قوامه، لابد أن يسلط عليه ما يشعره بالضآلة وقلة الشأن، وكل هذا لا يكون إلا بتطويل الانتظار عليه حتى تتهاوى كتفاه ويتقوس ظهره فيحسن إبداء الرضوخ والانحناء".

وهذا ما جعل العلامة يرى أن "العلماء أبعد الناس عن السياسة، لا سيما لما تصير بيضتها فنا في إدارة الدسائس والحيل، وآلة للعطب والموت، وهذا ما استخلصته من تجاربي في بلاد المغرب، وهذا نفسه ما بت ألحظه بالعين المجردة منذ أتيت مصر لاجئا".

ومن ثم "فلا مناص من أن يكون العالم إزاء السلطان بموقف المعية أو موقف الضدية، وأي وجه ثالث فهو مرفوع بالكسر في الأعضاء والأنفاس، أو النصب على أعواد النزف واليبس".

سكر الافتنان

"
العلامة ليس آلة للعلم لا قلب لها ولا حب فيها ولا تنجذب للجمال والافتتان والمحبة اللذيذة في ظلال الحلال الوارف الواسع
"
ومما يجعل للرواية مذاقا خاصا، يبعدها عن آفة التسيس الممل وآفة التميع المخل، انعطافها على الجانب العاطفي للعلامة.

فالعلامة ليس آلة للعلم لا قلب لها ولا حب فيها ولا تنجذب للجمال والافتتان والمحبة اللذيذة في ظلال الحلال الوارف الواسع.

ويغوص بنسالم حميش في فؤاد ابن خلدون مسجلا واردات الأسى والحزن حين يفقد أهله في كارثة غرق مأساوية وهو ينتظر التحاقهم به في أرض اللجوء السياسي بمصر.

ولا يتجاوز ابن خلدون تداعيات هذه الشدائد إلا باللجوء إلى التعبد والتزهد، إلى حين عودته من رحلة الحج فيجد أن كاتبه المغربي الحيحي قد توفي تاركا زوجته وحيدة.

وعن تعلق ورغبة من الطرفين يعزم العلامة على اتخاذها زوجة، فيعود العلامة إلى شبابه من بعيد ليفتتن بزوجته معترفا بذلك: "أمام ما يحدث لي، نفسي اعترتها حالة أسميتها تدقيقا سكر الافتنان، مفتون أنا بزوجتي الحلال وبما يحيط بها، مفتون بغليان الدم في شراييني وانتعاش خلاياي، مفتون بآيات الجمال أينما تجلت: في ابتسام الأطفال، وتغريد الطير وهبوب الأنسام على الروح الظمأى وكل الأجسام. فرحي عارم ما بعده فرح".

تعود الروح إلى الحياة ويعيد ابن خلدون اكتشاف روضة المحبين ليدخلها آمنا مطمئنا لا هم له سوى إسعاد الحبيب وإسكانه بين المهجة والأضلع. "أقولها، ولو أني على عتبة الستين: الحب والحياة وجهان لدم واحد، ومن لا حب له لا حياة له. أقولها: الحب والمحراب صنوان لا ينفكان، فمن ترهبن في هذا فقد ذاك، ولم يضمن قبول الله ورضاه".

شهامة العلماء ونذالة الحكام

"
 تصبح الرواية زجاجا شفافا ينظر به الكاتب والقراء ليس إلى التاريخ الماضي فحسب، ولكن إلى الواقع الحالي أيضا. فما أشبه اليوم بالأمس رغم تغير الوجوه والأشكال والأسباب. فالتاريخ ديوان كبير يفيض بالعبر والدروس
"
لعل أقوى لحظات شهود العلامة على عصره لقاؤه بالكائن المغولي جائحة القرن الطاغية تيمور الأعرج. شهادة ابن خلدون تشمل الحكام والعلماء والشعوب في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، بما في ذلك الأندلس.

ويقدم ابن خلدون في لحظة حقيقة وصدق للحاكم المملوكي الضعيف نصيحة مدوية بتقوية الجبهة الداخلية ونشر العدل لتحقيق النصر المنشود وإيقاف الزحف المغولي. وصفة لم يستطلع الحاكم تنفيذها لضعفه ونذالته بعد أن خرب البناء بيديه من قبل، ففات الأوان.

وفي غمرة الغزو الجائح من الخارج وانكسار الجبهة الداخلية بالظلم المضاعف، ينهض العلماء والفقهاء المخلصون بالمهمة، ويشيدون مجموعات من الدفاع الشعبي سميت "فرق الفتوة"، ويخوضون بهم حرب الاستنزاف في دمشق، وبذلك تظهر شهامة العلماء ونذالة الحكام.

سنة طالما تكررت عبر تاريخ العرب والمسلمين، وتعيد نفسها اليوم في المشرقين والمغربين. ومن يقرأ تلك الصفحات المليئة بالبياض والسواد معا فكأنما يقرأ ما يحدث اليوم في العراق وفلسطين وغيرهما من الثغور المكلومة والحصون المنهكة.

وبهذا تصبح الرواية زجاجا شفافا ينظر به الكاتب والقراء ليس إلى التاريخ الماضي فحسب، ولكن إلى الواقع الحالي أيضا. فما أشبه اليوم بالأمس رغم تغير الوجوه والأشكال والأسباب. فالتاريخ سنن تتداول بين الدول والناس، وهو ديوان كبير يفيض بالعبر والدروس.

ابن خلدون يظهر بيننا

"
أبدع الكاتب، إلى جانب مضمون الرواية وأحداثها، في اختيار أسلوب الكتابة جامعا بين اللغة العربية الفصيحة الموجودة في كتب ابن خلدون واللغة العربية السهلة لهذا العصر متأثرا غاية التأثر بالكاتب العربي الشهير نجيب محفوظ
"
ما أن ولجت فصول رواية "العلامة" حتى وقفت أمامي رواية الكاتب الراحل نجيب الكيلاني "عمر يظهر في القدس". فكأنما يظهر ابن خلدون من خلال رواية بنسالم حميش، ظهور يشمل القاهرة المصرية ودمشق السورية وفاس المغربية. فالعلامة لا يزال يشهد علينا بعد أن دخل ديارنا جائحات القرن شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

وقد أبدع الكاتب، إلى جانب مضمون الرواية وأحداثها، في اختيار أسلوب الكتابة جامعا بين اللغة العربية الفصيحة الموجودة في كتب ابن خلدون واللغة العربية السهلة لهذا العصر متأثرا غاية التأثر بالكاتب العربي الشهير نجيب محفوظ، فلا يكاد القارئ يميز بين ذلك العصر وهذا العصر، ولا بين العلامة ابن خلدون والدكتور بنسالم حميش، إذ يتداخل الأسلوبان ويمتزج الرجلان.

ومن المرجح أن تتحول رواية "العلامة" إلى عمل تلفزيوني درامي، لأن الكاتب له إبداعات سينمائية وتلفزيونية ومسرحية من أنجحها سيناريو فيلم "علال القلدة" الذي اطلع عليه المشاهد المغربي، وسيناريو فيلم "علاش لا" (لماذا لا) الذي يوشك على الظهور والتوزيع.

وبهذه الأعمال الرائدة يشهد بنسالم حميش بالنبوغ المغربي في الأدب العربي والفن العربي، بل في الأدب العالمي والفن العالمي أيضا.

المصدر : الجزيرة