عرض/علاء بيومي
حقق الكتاب الراهن شهرة لا بأس بها منذ صدوره، ويعود ذلك جزئيا إلى كون مؤلفه هو فرانسيس فوكوياما أستاذ العلاقات الدولية الأميركي المعروف وصاحب أطروحة "نهاية التاريخ" التي لاقت اهتماما فكريا وسياسيا دوليا واسعا في أوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي لمحاولتها التنبؤ بمستقبل العلاقات الدولية في الفترة التالية لنهاية الحرب الباردة.

السبب الثاني لشهرة الكتاب هو كون فوكوياما –كما يذكر في كتابه– متعاطفا مع المحافظين الجدد وأفكارهم، ولكنه في نفس الوقت يشن -عبر كتابه- هجوما لاذعا عليهم وعلى أفكارهم وسياستهم وتأثيرهم على سياسات أميركا الخارجية خلال عهد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش.

لذا رأى كثير من الأقلام التي تناولت الكتاب الجديد أنه بمثابة انقلاب فكري خطير من داخل تيار المحافظين الجدد على التيار نفسه.

- الكتاب: أميركا على مفترق الطرق
- المؤلف: فرانسيس فوكوياما
- عدد الصفحات: 240
- الناشر: يال ينيفرسيتي برس/نيويورك
- الطبعة: الأولى/2006

هدف الكتاب ومزاياه
القراءة المتعمقة للكتاب تعطي انطباعا بأن هدف الكتاب يتعدى الانقلاب على المحافظين الجدد ونقدهم، إذ يعبر فوكوياما -على فترات متفرقة داخل كتابه– عن استمرار تعاطفه مع أفكار المحافظين الجدد وجدواها، وعن حرصه على العودة بتلك الأفكار إلى معانيها الأصلية التي لوثتها كتابات بعض رموز المحافظين الجدد خلال السنوات الأخيرة.

كما يخصص فوكوياما نسبة كبيرة من كتابه للحديث عن قضايا أخرى غير المحافظين الجدد وأخطائهم، إذ يحاول تقييم الأفكار الكبرى المحركة لسياسة أميركا الخارجية خلال عهد الرئيس جورج بوش والتي قادت إلى حرب العراق، ونقد هذه الأفكار نقدا دقيقا، وتقديم بديل لها ومنظور جديد للسياسة الخارجية الأميركية يسميه فوكوياما الولسونية الواقعية.

ويستخدم فوكوياما في تحليله معرفة أكاديمية واسعة ومتميزة بحقول معرفية مختلفة مثل التنمية الدولية والمؤسسات الدولية، إضافة إلى دراية واسعة بالدراسات الإستراتيجية والعلاقات الدولية.

هذه المزية تعطي الكتاب مسحة من التفوق الفكري والسياسي على الكتب الصادرة حديثا عن السياسة الخارجية الأميركية التي عادة ما تركز على حقل معرفي واحد، بينما يتنقل فوكوياما، في كتابه، برشاقة أكاديمية وفكرية يحسد عليها بين أكثر من حقل معرفي مرتبط بالعلاقات الدولية.

ويقدم فوكوياما عبر الكتاب عددا متميزا من الحجج الفكرية والسياسية المحددة ضد سياسات الرئيس بوش، مما يجعل الكتاب مستودعا متميزا لعدد كبير من الأفكار الدقيقة في نقدها لفكر إدارة بوش الإستراتيجي الدولي.

"
المحافظون الجدد ارتبطوا ولسنوات عديدة قادمة ببعض المفاهيم التي طبقتها إدارة بوش مثل مفاهيم الحرب الوقائية وتغيير النظم والأحادية الدولية وهيمنة أميركا الخيرة على العالم
"
طبيعة الكتاب وتقسيمه
الكتاب الراهن لم يكتب دفعة واحدة ولا يتبنى أطروحة رئيسية كعادة غالبية الكتب، فهو في حقيقته تجميع لسلسلة محاضرات ألقاها فوكوياما منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 في نقد السياسة الخارجية الأميركية، وقد ساعدت طبيعة الكتاب على تنوع محتواه وثرائه الأكاديمي بتنقله بين فروع أكاديمية مختلفة كما ذكرنا من قبل.

يتكون الكتاب من سبعة فصول، يتعرض أول فصلين منها لمبادئ المحافظين الجدد الفكرية ولسياساتهم بعد 11 سبتمبر/أيلول، وكيف تعارضت تلك السياسات مع مبادئ المحافظين الجدد الأصلية كما يعتقد فوكوياما.

ويتناول فوكوياما بالنقد والتحليل خلال الفصول من الثالث وحتى الخامس عددا من أهم الأفكار الإستراتيجية التي قامت عليها سياسة جورج بوش الخارجية، وعلى رأسها مبدأ الحرب الوقائية وتعريف الخطر الذي تواجهه أميركا في الفترة الحالية، ومبدأ الشرعية الدولية ونظرة العالم لأميركا، والتراث الأميركي في مجال نشر الديمقراطية والتنمية في العالم.

ويطرح في الفصلين الأخيرين من الكتاب بعض تصوراته عن السبيل الأمثل للسياسة الخارجية الأميركية في الفترة الحالية.

المحافظون الجدد أساؤوا تطبيق مبادئهم
لا يقدم فوكوياما في كتابه معلومات جديدة تذكر عن المحافظين الجدد، ويمكن القول إنه يتشابه في محتواه، بخصوص تاريخ وطبيعة تيار المحافظين الجدد، مع كتب أخرى صدرت سابقا، وعلى رأسها كتاب "ثورة المحافظين الجدد" للمؤلف اليهودي الأميركي الراحل ميلتون فريدمان الذي يشيد به فوكوياما خلال كتابه الراهن.

ولكن فوكوياما يتميز في حديثه عن المحافظين الجدد بخاصيتين، أولاهما أنه يتحدث من داخل التيار مما يعطيه مصداقية عالية، وثانيهما قدراته الأكاديمية العالية على تحديد الأشخاص والأفكار المحركة للمحافظين الجدد ونقدها.

فعلى سبيل المثال يتعرض فوكوياما خلال الفصل الثاني من الكتاب لأفكار ليو ستراوس أستاذ الفلسفة السياسية الراحل بجامعة شيكاغو الأميركية الذي يعتبره البعض الأب الفكري للمحافظين الجدد، وعلاقة تلك الأفكار بأفكار المحافظين الجدد.

يقوم بهذه المهمة بسلاسة ووضوح وقدرة على تنقية الأفكار يحسد عليها خاصة مع صعوبة أفكار ليو ستراوس.

وفي بداية الكتاب يبرز فوكوياما ارتباطه الشخصي والفكري بتيار المحافظين الجدد وكيف أنه ساند رغبتهم في تغيير النظم الدكتاتورية في أواخر التسعينيات ولكن الأخطاء التي ارتكبوها بخصوص حرب العراق دفعته لإعادة التفكير في جدوى الأفكار التي يطرحها رموز المحافظين الجدد الحاليون.

ويعترف بتأثير المحافظين الجدد على سياسات الرئيس جورج بوش في ولايته الأولى، ولكنه يحذر من المبالغة في تقدير هذا التأثير، حيث يرى أن الزمن وحده هو الكفيل بإبراز الحقيقة وتوضيح الجهات المسؤولة عن سياسة الرئيس جورج بوش في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

كما يرى فوكوياما أن سياسات بوش الخارجية تعارضت مع بعض مبادئ المحافظين الجدد أنفسهم.

في نفس الوقت يؤكد أن المحافظين الجدد ارتبطوا حاليا ولسنوات عديدة قادمة ببعض المفاهيم الإستراتيجية التي طبقتها إدارة بوش مثل مفاهيم الحرب الوقائية وتغيير النظم والأحادية الدولية وهيمنة أميركا الخيرة على العالم.

ويرى فوكوياما أن التصاق اسم المحافظين الجدد بتلك المفاهيم قوي بدرجة يستحيل علاجها في الوقت الراهن إلى درجة دفعته للدعوة إلى طرح منظور فكري جديد للسياسة الخارجية الأميركية وهو مفهوم الولسونية الواقعية معلنا فقدانه الأمل في تنقية سمعة تيار المحافظين الجدد.

تفرقة ضرورية بين أجيال المحافظين الجدد

"
الجيل الثاني من المحافظين الجدد أساء فهم أفكار الجيل الأول  وتخلى عن بعضها حين تخلى عن رفض الهندسة الاجتماعية، كما بالغ في التأكيد على الدور الأخلاقي للقوة العسكرية الأميركية في العالم
"
ولكن هذا لا يعني أن فوكوياما فقد الأمل في أفكار المحافظين الجدد الأصلية، إذ يفرق في كتابه بين أفكار الجيل الأول المؤسس للمحافظين الجدد مثل إيرفينج كريستول وجايمس ويلسون وجون بودهوريتز، وأفكار الجيل الثاني من المحافظين الجدد كما يمثلها الثلاثي الشهير ويليام كريستول وروبرت كاجين وتشارلز كروثهمر.

وجدير بالذكر أن فوكوياما في تقسيمه السابق يتشابه إلى حد كبير مع تقسيم مماثل ورد في كتاب "النزعة العسكرية الأميركية الجديدة" لأستاذ العلاقات الدولية الأميركي آندرو باسيفيتش.

وهنا يرى فوكوياما أن الجيل الأول من المحافظين الجدد الذي بدأ في التبلور منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضي واستمر في الهيمنة حتى منتصف الثمانينيات من القرن نفسه، طور أفكاره بشكل تدريجي نتيجة للظروف التي عاشها هذا الجيل على رأسها معارضته للشيوعية خاصة في تطبيق ستالين لها، ومعارضته لتعاطف اليسار الأميركي مع الشيوعية ولثورته على قيم المجتمع.

في مقابل هذه التحديات طرح المحافظون الجدد الأوائل منظورا فكريا يؤكد العلاقة القوية بين طبيعة النظام وسياساته الخارجية، إذ رأوا -متأثرين بأفكار ليو ستراوس- أن النظم الدكتاتورية لابد وأن تقود إلى سياسات خارجية عدوانية ولابد وأن تنعكس خصائصها السلطوية على شخصية شعبها ونظرته للآخر.

كما آمن المحافظون الجدد الأوائل بوجود دور أخلاقي للسياسة الخارجية الأميركية وللقوة العسكرية الأميركية في العالم كما تبلور في تدخل أميركا من أجل هزيمة النازية وإنقاذ العالم من خطرها في الحرب العالمية الثانية.

أما الفكرة الثالثة التي ميزت المحافظين الجدد فهي رفضهم برامج الهندسة الاجتماعية أو تدخل الدولة في سياسات اقتصادية واجتماعية لإعادة توزيع الثروة داخل المجتمع.

إذ رأى المحافظون الجدد أن الهندسة الاجتماعية ليست من وظيفة الدولة وأن مصيرها الفشل.

فوكوياما شرح الأفكار السابقة وما تعنيه مؤكدا أهميتها وأنها أصبحت تدريجيا جزءا من تفكير تيار اليمين الأميركي بشكل عام، مما يعد علامة على قبول شرائح واسعة من اليمين الأميركي بأفكار الجيل الأول من المحافظين الجدد.

وهنا يشن هجوما لاذعا على أفكار الجيل الثاني الذي صعد إعلاميا وسياسيا منذ منتصف التسعينيات، إذ يرى أن الجيل الثاني أساء فهم أفكار المحافظين الجدد وتخلى عن بعضها، حين تخلى عن رفض المحافظين الجدد للهندسة الاجتماعية كما ظهر في مساعيهم لإعادة بناء العراق بدون تقدير كاف لحجم المهمة التي تنتظرهم، كما بالغ الجيل الثاني في التأكيد على الدور الأخلاقي للقوة العسكرية الأميركية في العالم.

وهنا يوضح فوكوياما بدرجة عالية من القدرة على تحليل الأفكار كيف أن الجيل الثاني من المحافظين الجدد وقع في عدد كبير من الأخطاء الفكرية التي قادت إلى سياسات أميركية خاطئة.

تصحيح الأفكار الإستراتيجية
بعد تعرضه للمحافظين الجدد، يخصص فوكوياما الجزء الأكبر من كتابه لتنقية ومعالجة بعض المفاهيم والأفكار الإستراتيجية التي تبنتها إدارة الرئيس جورج بوش في سياستها الخارجية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

ويبدأ بنقد تعريف الإدارة الأميركية للخطر الذي تواجهه أميركا، فيتبنى على حذر نظرية تقول بأن خطر الإرهاب الموجه ضد أميركا من قبل مسلمين قادم من قبل المجتمعات المسلمة المهمشة من أوروبا وليس من الشرق الأوسط.

ويرى أن أيديولوجية الإرهابيين ترتبط بأيديولوجيات غربية حديثة معادية للغرب أكثر من ارتباطها بالفكر الإسلامي، لذا يرى أن أوروبا سوف تكون الساحة الحقيقية للحرب على الإرهاب وأن لا داعي لأميركا لتصوير الحرب على الإرهاب على أنها أشبه بحرب عالمية.

"
الولسونية الواقعية تقوم على رفض النزعة العسكرية للسياسة الخارجية الأميركية، والتركيز على نشر التنمية السياسية والاقتصادية بين دول العالم
"

كما يرفض فوكوياما مفهوم الحرب الوقائية على أساس أنه سياسة أثبت التاريخ صعوبة تطبيقها، كما يلوم الإدارة الأميركية على فشلها في تعريف مفهوم الحرب الوقائية تعريفا محددا.

ويرفض مبالغة المحافظين الجدد في النظر إلى الهيمنة الأميركية على العالم على أنها هيمنة خيرة، حيث يرى أن المحافظين الجدد ينطلقون في إيمانهم بالمبدأ السابق من إيمانهم بأن أميركا بلد استثنائي في رفضه للإمبريالية، ولكن العالم –كما يرى فوكوياما– لا يرى أميركا بنفس الصورة، كما أن سياسة أميركا مليئة بالأخطاء، والتراجع عن تأييد حلفائها كما حدث مع أفغانستان بعد نهاية الحرب الباردة.

ينتقد فوكوياما المحافظين الجدد لهجومهم المستمر على منظمات المجتمع الدولي وعلى رأسها الأمم المتحدة دون تقديم بديل للمنظمات الدولية القائمة.

وهنا يوصي بضرورة الحفاظ على المؤسسات القائمة التي تتمتع بالشرعية الدولية وتطوير عدد كبير من المؤسسات والاتفاقات الدولية بين الدول ذات القدرة على القيام بمهام سياسية معينة.

الولسونية الواقعية
يطرح فوكوياما في نهاية كتابه منظور الولسونية الواقعية القائمة على رفض النزعة العسكرية للسياسة الخارجية الأميركية، والتركيز على نشر التنمية السياسية والاقتصادية بين دول العالم.

وهي كذلك تقوم على التركيز على بناء القوة العسكرية الأميركية واستعراضها دون استخدامها، ورفض العزلة والسعي لبناء بنية أقوى من المؤسسات والمعاهدات الدولية.

المصدر : الجزيرة