عرض/علاء بيومي
الكتاب الراهن يتناول قضية ذات أهمية متزايدة على الساحة الأميركية في الفترة الحالية وهي قضية الهوية الأميركية التي ظهرت على الساحة الفكرية الأميركية بشكل قوي عام 2004 عندما نشر صموئيل هنتينغتون البروفسور الأميركي المعروف أحدث كتبه بعنوان "من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأميركية".

هذا إضافة إلى صعود قوى اليمين الأميركي على الساحة السياسية الأميركية بشكل مضطرد منذ التسعينيات، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 التي ساهمت بدورها في صعود مخاوف اليمين الأميركي من الأخطار التي تواجه أميركا كبلد وكهوية وكثقافة وطنية.

مؤلف الكتاب الراهن هو ستانلي رينشون أستاذ العلوم السياسية بإحدى جامعات نيويورك وخبير في التحليل النفسي.

- الكتاب: أميركي 50%
- المؤلف: ستانلي رينشون
- عدد الصفحات: 273
- الناشر: جورج تاون يونيفيرستي برس، واشنطن
- الطبعة: الأولى، 2005

تحديات الجنسية المزدوجة
موضوع الكتاب المعلن هو التحدي الذي تمثله قضية الهوية المزدوجة وحامليها للهوية الوطنية الأميركية ولمصالح أميركا كأمة بشكل عام.

ولكن الكتاب في أغلب أجزائه يتناول قضايا متصلة بهدفه السابق بأسلوب متميز، إذ يحاول أن يعرف الهوية الأميركية، ثم يتحدث عن التحديات التي تواجه هذه الهوية من الداخل والخارج، ولماذا تمتلك هذه التحديات أهمية خاصة في الوقت الحالي.

كما يقدم في فصليه الأخيرين بعض الاقتراحات العملية للتعامل مع قضية الهوية المزدوجة، ودمج المهاجرين الجدد في الثقافة والهوية الوطنية الأميركية.

في مقدمة الكتاب يرفض رينشون أن تكون الهوية هي مجموعة من القيم حيث يرى أن القيم وحدها لا تكفي لربط المواطن ببلده، فلابد أن يقترن تقدير المواطن العقلاني لقيم بلده بقدر من الارتباط العاطفي بذلك البلد.

لذا يشن المؤلف -في الفصل الأول- هجوما ضمنيا على اليسار الأميركي لتركيزه على القيم المدنية الأميركية كمصدر أساسي للهوية الأميركية، ولرفضه للروابط العاطفية باعتبارها عوامل غير عقلانية.

ويقول رينشون إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 أشعرت الأميركيين بالوحدة الوطنية لفترة قصيرة، عادوا بعدها إلى خلافاتهم السياسية والثقافية العديدة.

ولكنها في نفس الوقت أشعرت الأميركيين بحاجتهم إلى هوية تجمعهم، كما أشعرتهم بالخطر الذي قد يمثله المهاجرون إلى أميركا إذا ما لم يندمجوا بشكل كاف في المجتمع.

ويرصد صاحب الكتاب في نهاية ذلك الفصل عددا من الإحصاءات الخاصة بحجم ظاهرة مزدوجي الجنسية بأميركا، حيث يقول إن هناك 151 دولة تسمح بالجنسية المزدوجة.

ويرى أن هذه القضية لا تمثل تهديدا للدول الفقيرة بحكم أن تيارات الهجرة العالمية تتجه نحو الشمال والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، حتى إن بعض البلدان وعلى رأسها دول أميركا اللاتينية التي يخصها رينشون بجزء كبير من حديثه، باتت تشجع الهجرة إلى أميركا وتنشط في حملات منظمة لتعبئة أبنائها المقيمين هناك لخدمة قضاياها والتأثير على سياسات أميركا تجاهها.

ويقول المؤلف إن عدد المهاجرين الذين دخلوا أميركا منذ السبعينيات يبلغ حوالي 34.2 مليون مهاجر، كما دخل أميركا خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2004 -وهي فترة شهدت كسادا اقتصاديا أميركيا نسبيا- 6.1 ملايين مهاجر، كما يستقر في أميركا حوالي 1.2 مليون مهاجر سنويا.

ويقول صاحب الكتاب إن هذه المعدلات جعلت من عقد التسعينيات الماضي أكثر عقود أميركا استقداما للمهاجرين.

ويذكر رينشون أن 80% من الدول المصدرة للمهاجرين لأميركا تسمح بازدواجية الجنسية، في الوقت الذي تغيب فيه القوانين والسياسات الأميركية التي تنظم العلاقة بين المهاجرين الذين اكتسبوا الجنسية الأميركية وأوطانهم الأم، خاصة فيما يتعلق بالقضايا السياسية الهامة مثل التصويت في انتخابات البلدان الأم، وشغل المناصب السياسية بها، والخدمة في جيشها.

"
الوطنية الأميركية تقوم على توفر عدد من المشاعر الأساسية تجاه أميركا، وعلى رأسها الشعور بالحب أو الدفء العاطفي تجاهها كبلد وكأسلوب حياة ومؤسسات، وتقديرها، والفخر بها، والشعور بالالتزام والمسؤولية تجاهها
"
تعريف الهوية الوطنية الأميركية
أحد أهم إسهامات الكتاب هو تعريفه للهوية الوطنية الأميركية في فصليه الثاني والثالث، حيث يرى رينشون أن التحديات التي تواجهها أميركا كدولة وكثقافة في الوقت الراهن تستدعي تعريفا محددا للهوية الأميركية.

ويرفض رينشون موقف بعض اليساريين الأميركيين الذين يفضلون النظر إلى الهوية الأميركية على أنها مجموعة القيم المدنية التي تميز أميركا، مثل الديمقراطية والحريات الأميركية.

ويرى المؤلف مقابل ذلك أن القيم عالمية توجد في دول مختلفة، فما الذي يضمن ارتباط الأميركيين بأمتهم.

كما أن النظر إلى الهوية كقيم يهمل البعد النفسي للهوية والرابطة العاطفية التي تربط الأشخاص بمبادئ معينة، لأن غياب هذه الروابط العاطفية من شأنه إضعاف ارتباط الليبراليين بالمبادئ الليبرالية نفسها.

وفي الفصل الثالث يذكر رينشون أن الهوية في جوهرها أكبر من القيم الأميركية والرابطة النفسية التي تربط الأميركيين ببلدهم، وعليه فإن الهوية الأميركية تتكون من عامل ثالث إضافي -إلى جوار العاملين السابقين– وهو الخصائص النفسية التي تميز النفسية الوطنية الأميركية وتساعد المقيمين في أميركا على فهم المؤسسات والتقاليد السياسية والثقافية والتاريخية الأميركية والتعامل معها.

وفيما يتعلق بالجانب القيمي العقلاني من الهوية الأميركية والذي يوصف عادة بـ "العقيدة المدنية الأميركية" فهو يتضمن الإيمان بحكم القانون ومزايا الديمقراطية والحريات والعدالة الأميركية.

ويقول صاحب الكتاب إن القيم المدنية وحدها لا تكفي، فهي نظرية معرفية بالأساس تهمل حاجة الأفراد للارتباط العاطفي بأمة ما.

أما العامل الثاني للهوية الأميركية فهو "السيكولوجية الأميركية" التي هي بمثابة جوهر الثقافة والشخصية الأميركية، إذ يرى رينشون أن السيكولوجية الأميركية قديمة قدم أميركا وهي ترتبط بأسلوب فهم المهاجرين الأوائل المؤسسين لأميركا وللحياة الأميركية ولهدف أميركا كبلد وكأمة.

ويعتقد أن المهاجرين لأميركا نظروا لهجرتهم كمغامرة لبناء حياة كاملة جديدة تقوم على المخاطرة والعمل الجاد والكفاح والاعتماد على الذات والبراغماتية، والبحث عن طرق عملية لشق طريق الحياة بعيدا عن أساليب الحياة التي تبالغ في التنظير أو المثالية.

كما تقوم السيكولوجية الأميركية على التفاؤل والعمل الجاد والإصرار على النجاح والقدرة على مواجهة مصاعب الحياة القاسية بأميركا وعلى تكرار المحاولة رغم الخطأ، وهي جميعها مبادئ تتناسب مع روح النظام الرأسمالي الأميركي القاسي.

يصف رينشون القيم السابقة بأنها بمثابة بصمة تغرس في الأطفال الأميركيين، وهي ليست بصمة تقتصر على الأميركيين وحدهم كما أنها قد لا توجد لدى بعض الأميركيين، ولكنها صيغة نفسية هامة يساعد فهمها من قبل المهاجرين على تسهيل حياتهم بأميركا.

أما العنصر الثالث من الهوية الأميركية فهو "الوطنية" أو مشاعر الارتباط العاطفي التي تربط المهاجر أو المواطن الأميركي بأميركا كأمة.

ويقول المؤلف إن الوطنية الأميركية تقوم على توفر عدد من المشاعر الأساسية تجاه أميركا، وعلى رأسها الشعور بالحب أو الدفء العاطفي تجاهها كبلد وكأسلوب حياة ومؤسسات، وتقديرها، والفخر بها، والشعور بالالتزام والمسؤولية تجاهها.

ويذكر أيضا أن نشوء شخص ما وترعرعه ببلد بعينه يساعد على تطوير هذه المشاعر لديه تجاه ذلك البلد الذي تربى فيه بشكل طبيعي.

كما يرى أن الوطنية ليست عمياء، فهي لا تمنع الأميركي من إدراك عيوب أميركا ونقدها، ولكنها تعني إدراك أن لكل بلد عيوبه، وأنه لا يوجد بلد بلا عيوب.

ويوضح الكاتب أن أميركا التي يعنيها عندما يتحدث عن الهوية ليست الدولة فقط، وإنما هي المؤسسات الوطنية الأميركية، وأسلوب الحياة الأميركية، والشعب الأميركي.

"
أميركا تمر من ستينيات القرن العشرين "بحرب مدنية ثانية" تهدد وحدة الأميركيين، وهي حرب تشن على مؤسسات الثقافة الأميركية الرئيسية والقيم الأميركية الرئيسية التي أصحبت محل خلاف وصراع ثقافي طاحن
"
تحديات الهوية الوطنية الأميركية
يتناول رينشون في الفصول من الرابع وحتى السابع التحديات التي تواجه الهوية الوطنية الأميركية في الفترة الحالية، ويقسهما إلى نوعين رئيسيين من التحديات.

أولهما نابع من داخل أميركا ومن هجوم اليسار الأميركي على "الوطنية الأميركية" وسعيه لدعم النعرات الإثنية والعرقية الفرعية ونقد الأصوات المطالبة بدمج المهاجرين والأقليات الأميركية في ثقافة رئيسية.

وهنا يرى المؤلف أن أميركا ليست في حاجة "لصهر المهاجرين" فصهر المهاجرين في الثقافة الأميركية يفترض سيطرة الثقافة الأميركية على ثقافات المهاجرين، وهو أمر يرفضه رينشون، إذ يرى أن السيطرة الثقافية أمر سلبي، وأن ما يحتاجه المجتمع الأميركي هو ثقافة رئيسية لا ثقافة مسيطرة، وأن وظيفة الثقافة الرئيسية هي ضمان الالتزام بمبادئ أميركا الرئيسية.

ويقول صاحب الكتاب إن الثقافة الرئيسية هذه يجب أن تسعى لتحقيق الوحدة بين الأميركيين، كما يجب أن تقوم على مبدأ الموازنة بين حقوق المواطنة الأميركية وواجباتها، فلا ينبغي أن تتحول المواطنة الأميركية إلى رخصة لاستغلال فرص وموارد أميركا دون إعطائها شيئا في المقابل.

أما النوع الثاني فهو خارجي نابع من تحديات عصر العولمة، وما ينتج عنه من مطالب بالانتماء إلى هوية عالمية تتخطى الهوية الأميركية.

ويتحدث المؤلف في الفصل الثامن عن الفترة الحالية، وكيف أن الهوية الأميركية والتحديات التي تواجهها باتت أكثر تعقيدا بسبب مجموعة من العوامل تراكمت على مدى السنوات الأربعين الأخيرة.

وهنا يذكر الكتاب أن أميركا تمر من ستينيات القرن العشرين "بحرب مدنية ثانية" تهدد وحدة الأميركيين، وهي حرب تشن على مؤسسات الثقافة الأميركية الرئيسية ذاتها، مثل الأسرة والمؤسسات السياسية، والقيم الأميركية الرئيسية التي أصحبت محل خلافات وصراعات ثقافية طاحنة.

ويعتقد رينشون أنه وسط هذه الحرب الثقافية الطاحنة ليس من المتوقع أن ينجح الأميركيون في دمج المهاجرين في ثقافة أميركية رئيسية، بحكم أن الأميركيين أنفسهم منقسمون ثقافيا بقوة.

كما يرى أن النخب السياسية الأميركية تساهم بشكل كبير في الأزمة الثقافية التي تمر بها أميركا بحكم إحجامهم -خوفا من اللوبيات القوية– عن تأييد الثقافة الأميركية الرئيسية، كما أن الحكومة الأميركية ليس لديها برامج حقيقية لدمج المهاجرين.

ويقول الكاتب إن موجات الهجرة القديمة إلى أميركا تميزت بأنها تحولت إلى موجات مستعمرين لا موجات مهاجرين، فقد جاء المهاجرون القدامى أميركا للبقاء فيها واستعمارها كوطن جديد.

أما المهاجرون الجدد فقد استفادوا من التقدم في وسائل الاتصال والمواصلات وأصبح لديهم القدرة على البقاء في أميركا لعقود دون الارتباط بثقافتها خاصة مع نشاط الدول الأم في تعبئة أبنائها المقيمين في أميركا، واستخدامهم لتحقيق مصالحها الوطنية والتأثير على السياسة الأميركية.

"
لا بد من تدخل الحكومة الأميركية من خلال القوانين الداخلية والاتفاقات الدولية لإضعاف قدرة مواطنيها المزدوجي الجنسية على ممارسة حقوقهم السياسية في بلدانهم الثانية
"
حلول مقترحة
في مقابل ما سبق يقدم رينشون في الفصل التاسع عددا من النصائح الخاصة بتقنين وتنظيم الجنسية المزدوجة.

وتقوم هذه النصائح على مبدأ تدخل الحكومة الأميركية من خلال القوانين الداخلية والاتفاقات الدولية لإضعاف قدرة مواطنيها مزدوجي الجنسية على ممارسة حقوقهم السياسية على وجه الخصوص في بلدانهم الثانية، وعلى رأس تلك الحقوق التصويت وشغل المناصب السياسية والانضمام إلى جيوش الدول الأجنبية.

وفي الفصل العاشر يقدم المؤلف عددا من النصائح الخاصة بسبل دمج المهاجرين الجدد في الثقافة الوطنية الأميركية، وعلى رأس تلك النصائح نشر اللغة الإنجليزية في أوساط المهاجرين والتركيز على تعليم مواد "التربية الوطنية" بالمدارس الأميركية.

ومنها كذلك دخول الحكومة الأميركية في شراكة مع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني لتصميم وتنفيذ برامج تساعد المهاجرين الجدد على التأقلم الثقافي مع الحياة الأميركية، والحد من الهجرة غير الشرعية.

المصدر : الجزيرة