عرض/سكينة بوشلوح
"إذا أعجب بالرجل قومه وأصدقاؤه ومحضوه الحب والتقدير وأحلوه مكانة فذة بينهم فإنه لا شك رجل عظيم، ولكن إذا أعجب مع الأقارب والأصدقاء أقوام آخرون لا يمتون إليه بصلة فهو لا شك في قمة العظمة.

فالمعجبون بالرسول إعجابا يفوق كل وصف، والمغرمون بحبه غراما يتجاوز كل حد، هم المؤمنون به والتابعون لدينه السالكون لمنهجه.

ولكن هذا الإعجاب تجاوزهم إلى أجانب لا يؤمنون به، ولا يدينون بدينه، ولا يمتون إليه إلا بصلة الإعجاب والتقدير لشخصيته العظيمة ودينه القويم، وللكتاب السماوي المنزل عليه، فترفعوا عن التعصب والدهاء والوهم والحيل الكاذبة والمؤامرات المضللة، فكتبوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن القرآن الكريم والإسلام والمسلمين.

- الكتاب: محمد في نظر المفكرين الغربيين
- المؤلف: محمد الصالح الصديق
- عدد الصفحات: 150
- الناشر: ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر
- الطبعة: الأولى/2005

فكانت كتاباتهم وأبحاثهم علمية خالصة، صادقة منطقية، بريئة لا حقد فيها ولا تعصب، ولا كذب ولا تضليل، ولا تحريف ولا تشويه، ولا طمع ولا رياء.

فهؤلاء المنصفون من الأجانب عظماء أبطال في نظري ونظر كل منصف، لأنهم أقوياء في مواقفهم تجاه الحق، أحرار في تفكيرهم، منصفون في أحكامهم، أمناء على رسالتهم في الحياة كمفكرين وكاتبين".

بهذه العبارات لخص الكاتب الصحفي محمد الصالح الصديق دافعه لتأليف كتابه "محمد صلى الله عليه وسلم في نظر المفكرين الغربيين" الذي جمع فيه تصريحات طائفة من أعلام الفكر الغربي المعجبين بالنبي عليه الصلاة والسلام، مشيرا إلى أن هؤلاء لم يكونوا من بلد واحد أو من عصر واحد ولا حتى من صنف واحد من أهل الفكر، وإنما هم من بلاد شتى وعصور متباينة يتوزعون على مختلف العلوم والفنون من فلسفة وفكر وأدب وشعر.

إلا أن إعجابهم المتميز بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم جمعهم وجندهم للإشادة به وتصويره تصويرا بليغا صادقا يعكس تقديرهم له وثقتهم فيه وفي رسالته.

يأتي الكتاب -دون قصد من المؤلف الذي انتهى من جمع مادته العلمية منتصف عام 2004- ليسهم في تعريف الغربيين بالنبي صلى الله عليه وسلم ورسالته، وسط الحملة الكبيرة التي يشهدها العالم الإسلامي بهذا الخصوص ردا على نشر الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام في عدة صحف غربية.

غير أن المؤلف سلك طريقا مميزا في سبيل تحقيق غاية كتابه شعاره "وشهد شاهد من أهلها" و"الفضل ما شهدت به الأعداء". ذلك أنه اتخذ أولئك "الأجانب المنصفين" الذين أسبغ عليهم صفتي العظمة والبطولة، سلاحا يرد به على أعداء الإسلام من بني جلدتهم الذين طعنوا فيه بادعاءات سخيفة نتيجة جهلهم أو حقدهم الأعمى، فجمع فيه تصريحات وآراء قرابة أربعين من أولئك المفكرين مع التعقيب عليها بتعقيبات بسيطة، ليجعل من كتابه مرجعا سهلا لمن يبحث عن شهادات غربية في شخصية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وفي رسالة الإسلام ككل.

ورغم مزايا الكتاب من حيث التنوع في تجميع الآراء وسهولة الرجوع إلى تلك الشهادات بما يعني توفير مادة علمية غنية، فإنه يفتقر إلى جانب مهم في مثل هذه الكتابات ألا وهو جانب التحليل والدراسة المعمقة للخروج بنتائج تساعد في اختيار الطريقة المثلى لمخاطبة الغرب، بل وفي اتخاذ المواقف المناسبة من مثل مسائل الرسوم المسيئة وما يسمى بالإرهاب الإسلامي.

"
من أكبر العار أن يصغي أي إنسان متمدن من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين بأن دين الإسلام كذب وأن محمدا لم يكن على حق
"
توماس كارليل
ما أعظم محمدا
يرى المؤلف أن من أبرز ما أثار إعجاب المفكرين الغربيين بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تناولوه بالدراسة والبحث، شخصيته الفذة التي تجاوزت أقصى حدود الأدب والأخلاق المتعارف عليها عند ذوي النفوس الكريمة والهمم العالية.

فمحمد صلى الله عليه وسلم رغم ولادته في بيئة مفككة متخاذلة يسودها الجهل وتحكمها العصبية وتستبد بها عادات قبيحة، فإنه كان أستاذ الإنسانية ورائد البشرية ومنبع الفضائل والأخلاق، يساير الفطرة ويعيش في ظلال الإنسانية، فهو بتواضعه الجم وتقشفه في جميع مظاهر الحياة كالشمس قريبة من كل أحد بضوئها ودفئها ولكنها في حقيقتها بعيدة عالية.

ففي كتابه "الأبطال" الذي يعكس شجاعة مؤلفه في مناصرة الحق وعمقه في تجلية مكانة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بين عظماء التاريخ ودحضه القوي للشبهات التي حاول أعداء الإسلام إثارتها وزرعها في أذهان من لا يعرفون هذا الدين، يقول الفيلسوف توماس كارليل: "من أكبر العار أن يصغي أي إنسان متمدن من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين بأن دين الإسلام كذب وأن محمدا لم يكن على حق.

لقد آن لنا أن نحارب هذه الادعاءات المخجلة، فالرسالة التي دعا إليها ظلت سراجا منيرا أربعة عشر قرنا من الزمان لملايين كثيرة من الناس، فهل من المعقول أن تكون هذه الرسالة التي عاشت عليها الملايين وماتت أكذوبة كاذب أو خديعة مخادع؟

ولو أن الكذب والتضليل يروجان عند الخلق هذا الرواج الكبير، لأضحت الحياة سخفا وعبثا وكان الأجدر بها ألا توجد..

وعلى ذلك فمن الخطأ أن نعد محمدا رجلا كاذبا متصنعا متذرعا بالحيل والوسائل لغاية أو مطمع.. وما الرسالة التي أداها إلا الصدق والحق، وما كلمته إلا صوت حق صادر من العالم المجهول..

أحبُّ محمدا لبراءة طبعه من الرياء والتصنع. لقد كان ابن الصحراء مستقل الرأي لا يعتمد إلا على نفسه ولا يدعي ما ليس فيه، ولم يكن متكبرا ولا ذليلا، فهو قائم في ثوبه المرقع كما أوجده الله، يخاطب بقوله الحر المبين أكاسرة العجم وقياصرة الروم، يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة".

أما غوستاف لوبون فقال: "كان محمد شديد الضبط لنفسه، كثير التفكير، صموتا حازما سليم الفطرة، عظيم العناية بنفسه (روحه) مواظبا على خدمتها..

وكان صبورا قادرا على احتمال المشاق، بعيد الهمة لين الطبع وديعا، وكان مقاتلا ماهرا فكان لا يهرب أمام الأخطار ولا يلقي بيديه إلى التهلكة، وكان يعمل ما في طاقته لإنماء خلق الشجاعة والإقدام في بني قومه..

وقد جمع قبل مماته كلمة العرب وخلق منهم أمة واحدة فكانت تلك آيته الكبرى. وإذا قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ".

"
ما فعله القرآن الكريم في الأمم من تغيير في العقول والنفوس ونقلة من الجاهلية المظلمة إلى نور الإسلام المبين في أمد وجيز، دليل على أنه من رب العالمين
"
عظمة محمد من عظمة القرآن
ويرجع هؤلاء المفكرون سر عظمة النبي الكريم إلى عظمة الكتاب الذي جاء به، فما فعله القرآن الكريم في الأمم من تغيير في العقول والنفوس ونقلة من الجاهلية المظلمة إلى نور الإسلام المبين في أمد وجيز، دليل على أنه من رب العالمين لا يدركه إلا من آمن به.

وفي هذا الإطار ذكر الكونت هنري دي كاستري في كتابه "الإسلام" أن النبي صلى الله عليه وسلم "ما كان يقرأ ولا يكتب بل كان كما وصف نفسه مرارا نبيا أميا، وهو وصف لم يعارضه فيه أحد من معاصريه..

ومع كونه أميا جاء ومعه قرآن يعجز فكر بني الإنسان عن الإتيان بمثله لفظا ومعنى.. أتى محمد بالقرآن دليلا على صدقه، وهذا الكتاب سر من الأسرار لا يدركه إلا من صدق أنه من عند الله".

أما الفيلسوف الإنجليزي الشهير مارغليوث فقال: "لقد ظهر محمد بكتاب غيّر به وجه البسيطة بأسرها، إذ أخرج للهيئة الاجتماعية نظاما لا يزال مع قدمه يتجدد يوما فيوما، ولا تزال القوانين الطبيعية واختبارات الهيئة الاجتماعية تؤيده إلى الآن.

وهو يسير حثيثا في الوجهة التي ابتدأها بتغيير جماعة من قبائل العرب الهمجية المبعثرة في الصحراء فكوّن منهم أمة عظيمة من أفراد شجعان متحلين بالفضيلة القصوى، وألف من هؤلاء الأبطال دولة قوية مكينة السياسة انتفضت بشجاعتها وفضيلتها على المدنيات الفاسدة من الشرق ومن الغرب، وأقامت على أنقاضها هذه المدنية التي نفخر بها اليوم".

وعلى هذا النهج سار الكاتب الكبير جرجس في كتابه "مقالة في الإسلام"، والمؤلفان هنري ودنالي توماس في كتابهما "القادة الدينيون"، والباحثان دوزي ولين بول، والقس لوزون وكثيرون غيرهم مما لا يسع المجال لذكرهم جميعا.

مثال القيادة ورمز السياسة
يركز الكاتب على آراء المفكرين الذين درسوا تصرفات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومواقفه وأجمعوا على أنه لم يكن رجلا إقليميا ولا زعيما وطنيا، وإنما هو رسول من عند الله إلى كافة البشرية يستمد هدايته إلى سبل الرشاد من عند ربه، وأنه بما وهبه الله من كمال العقل وسداد الرأي يصل في حكمه وسياسته إلى أقصى ما تصل إليه حكمة بشر، إذ تكشف مواقفه الحكيمة والرشيدة عن براعته في السياسة والبصر في الأمور والنظر في حسن العواقب.

في مقال بعنوان "محمد صلى الله عليه وسلم مثال القيادة ورمز السياسة" يقول الدكتور هـ. ماركوس أستاذ الفلسفة الإسلامية بلندن: "محمد رمز السياسة الدينية بلا جدال، ومثال الرجل السياسي الديني الشريف بلا نزاع.

وإذ أقرر هذه الحقيقة الواقعية أعززها بحقيقة أخرى، وهي أن السياسة التي يمشي عليها محمد تسمو بكثير جدا عن السياسة الحزبية التي تتخبط أوروبا اليوم في لججها.. والتي لا تعنى إلا بالمنافع الذاتية والمصالح الشخصية".

وفي مقارنة واضحة يقول ماركوس إن "السياسي الحزبي -من طراز ساسة هذا العصر- لا يهتم إلا بشؤون الحزب الذي ينتمي إليه، ولذلك فإنه مضطر للخضوع إلى مشيئة المنتسبين إلى ذلك الحزب، ولا غنى له عن رضاهم وتأييدهم..

أما السياسي الديني فإنه على عكس ذلك يتسامى بالأهداف التي يسعى إليها عن مستوى مرامي ساسة الأحزاب، فهو يضع نصب عينيه مصلحة قومه أجمعين بل ومصلحة البشرية كلها.. ولا برنامج له إلا اتباع أمر الله الأسمى والسير بمقتضى شريعته السمحة، تلك الشريعة المغمورة بالمحبة والعطف على جميع الخلائق".

"
رجل كمحمد لو تسلم زمام الحكم في العالم بأجمعه لنجح في حكمه ولقاده إلى الخير وحلّ مشكلاته على وجه يكفل السلام والطمأنينة
"
برنارد شو
أما الكاتب الفيلسوف برنارد شو فقد كتب رسالة بعد سياحته في بومباي بالهند قال فيها: "لقد وضعت دائما دين محمد موضع الاعتبار السامي بسبب حيويته، فهو الدين الوحيد الذي يلوح لي أنه حائز أهلية العيش لأطوار الحياة المختلفة بحيث يستطيع أن يكون جذابا لكل زمان ومكان".

ثم يستطرد قائلا: "إني أعتقد بأن رجلا كمحمد لو تسلم زمام الحكم في العالم بأجمعه لنجح في حكمه ولقاده إلى الخير وحلّ مشكلاته على وجه يكفل السلام والطمأنينة".

ولما رأى الفيلسوف الروسي تولستوي تحامل الأديان أو العنصريين على الدين الإسلامي هزته الغيرة على الحق وشعر في أعماقه بأن السكوت عن ذلك ليس من سمات الكاتب الحر والمفكر الأصيل.

فتصدى لتأليف رسالة عن نبي الإسلام وجوانب من تاريخ حياته قال فيها: "لا ريب أن هذا النبي من كبار المعلمين الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمة جليلة، ويكفيه فخرا أنه هدى أمته برمتها إلى نور الحق وجعلها تجنح للسلام وتكف عن سفك الدماء.

ويكفيه فخرا أنه فتح لها طريق الرقي والتقدم، وهذا عمل عظيم لا يفوز به إلا شخص أوتي قوة وحكمة وعلما. ورجل مثله جدير بالإجلال والاحترام".

وهكذا راح المؤلف يورد تلك الآراء والتصريحات ويتبعها ببعض تعليقاته دون أن يضع خاتمة لكتابه، ربما لأن تلك التصريحات لا تزال تتوالى من هنا وهناك، لا من أعلام الغرب ومفكريه فحسب، وإنما أيضا من عامته الذين بدؤوا يقبلون على دراسة حياة محمد صلى الله عليه وسلم ودراسة الدين الذي جاء به.

وما ذلك الإقبال على اقتناء ترجمات القرآن إلى اللغات الغربية أو الكتب التي تتناول السيرة النبوية أو التي تعرّف بدين الإسلام بعد حادثة الرسوم المسيئة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، عنا ببعيد.

المصدر : الجزيرة