عرض/حنان بكير

دخلت مدينة أوسلو الذاكرة العربية عبر الاتفاقية التي تحمل اسمها، والتي لم تقسم الرأي العام العربي في تقييمها سلبا أو إيجابا بل تعداه إلى انقسام الرأي العام في النرويج البلد الذي رعى الاتفاقية عبر مباحثات سرية امتدت قرابة ثلاث سنوات.

وقد لعب معهد الدراسات والبحوث النرويجي FAFO دورا رئيسا في الإعداد للمباحثات في زمن رئيسه تيريا لارشن وزوجته مونا.

فتحت هذه الاتفاقية عيون الباحثين والكتاب النرويجيين على حقيقة الصراع في الشرق الأوسط، فكان كتاب "كل شيء لإسرائيل" للباحث والصحفي أود اتثايت عام 1996 حيث كشف فيه مجموعة من الأسرار، منها أنه في العام 1948 قاتل ما لا يقل عن 2000 من العسكريين النرويجيين إلى جانب عصابات الهاغاناه في فلسطين، وكانت تلك المشاركة بعلم ومباركة السكرتير العام لهيئة الأمم المتحدة ترغفي لي.

- الكتاب: السلام في عصرنا
- المؤلف: آرنا أوروم
- الناشر: تابير أكاديمسك فورلاغ، أوسلو
- عدد الصفحات: 240
- الطبعة: الأولى/2004

وحين حاول أبناء وأحفاد هؤلاء العسكريين مقاضاة الكاتب نصحهم محاموهم بالعدول عن ذلك لأن الكاتب لم يفتر عليهم وإنما استند إلى معلومات معتمدة على وثائق وأرشيف الكنيست.

كما كشف الكاتب شبه معلومة حول بيع النرويج الماء الثقيل لإسرائيل عام 1958 بعد رفض أميركا لذلك بسبب مشاركة إسرائيل في العدوان على مصر عام 1956.

لاحقا وفي أواخر العام 2004 صدر كتاب "السلام في عصرنا" للباحث النرويجي آرنا أوروم، يحاول فيه تحليل الخطاب الذي سوغ معاهدة السلام، معتمداً على معلوماته ووثائقه، وعلى معايشته الميدانية بين العامين 1987 و1994 كرئيس للمساعدات الإنسانية للفلسطينيين التي كانت تقدمها منظمة الإغاثة النرويجية N.F.H.

وهو بالتالي يصر على عدم انحيازه للطرف الفلسطيني كما كتب عنه في الصحافة النرويجية، إلا أنه لا يخفي تعاطفه مع الطرف المظلوم وهو الفلسطيني.

"
في عام 1948 قاتل ما لا يقل عن ألفين من العسكريين النرويجيين إلى جانب عصابات الهاغاناه في فلسطين
"
الصلح غير المتكافئ
لماذا هذا التوقيت بالضبط 1993م؟ يرى الباحث أن التوقيت كان اختيارا موفقا للإسرائيليين وسيئا للفلسطينيين، إذ كانت إسرائيل هي الطرف القوي في الوقت الذي كانت فيه فلسطين الطرف الأضعف.

ورغم أن الأمر كان كذلك طول فترة الصراع، فإنه بعد حرب الخليج واحتلال الكويت عام 1990 كان الطرف الفلسطيني يمر بأصعب حالاته بعد الانفضاض العربي من حوله، وفقده لدعم دول الخليج بسبب موقف منظمة التحرير الفلسطينية من احتلال الكويت والتأويلات المختلفة حول ذلك.

إذن وكما يرى الباحث أوروم فإن الصلح لم يكن متكافئا بل كان بين طرف قوي جدا وآخر على نقيضه ضعيف جدا، ما فرض إملاءات وليس مفاوضات.

وهذا ما نبه إليه إدوارد سعيد في الأيام الأولى للمعاهدة ويقول في مقدمته "لا يمكن اليوم أن يكون هناك شك بأن الدبلوماسية النرويجية قد مهدت الطريق لكارثة من خلال معادلة قوة، وكما وصفها أحد النقاد بأنها لم تكن سوى فرساي فلسطينية".

وبرأي الكاتب فإن المفاوضين تكلموا عن كل شيء باستثناء السلام، فهم قد تحدثوا عن أهمية السلام، وهولست وزير الخارجية النرويجي الراعي للمفاوضات قال "إن الحل لا يوجد في المعجزة اللحظية بل في عملية السلام ذاتها"، ما أسكت وأحرج الناقدين للمعاهدة في النرويج نفسها وفي بقية العالم، وجعلهم يصنفون ضمن معسكر أعداء السلام.

وعن حكاية الاتفاقية يقول أوروم إن حكاية أوسلو كما سردها هولست بشكل شاعري بريء هي أن ثمة عملية للسلام أسست على الثقة بين مفاوضين شجعان ضمن مجموعة صغيرة.

أصبح هؤلاء المفاوضون أصدقاء يذهبون للنزهة معا ويأكلون معا، وحين ينشغل الزوجان "تيريا لارشن وزوجته" بإيجاد حل للنزاع المزمن مع أصدقاء ورفاق حزب نرويجي واحد، معتقدين أن خلق نوع من الدبلوماسية الشخصية قادر على صنع المعجزة.

ورغم كونهما غير دبلوماسيين آنذاك فإنهما اعتقدا أن السلام الحقيقي لا يمكن خلقه إلا من خلال الثقة المتبادلة والصداقة العميقة.

"
النرويج تخلت عن مسؤوليتها كطرف له علاقة بعملية السلام، حيث تفرض كل الشرائع على الطرف الراعي أن يدعم وجهة نظر الطرف الضعيف وهو هنا الطرف الفلسطيني
"
وفي الواقع لم يكن هذا إلا ذرا للرماد في العيون من جانب الطرف الإسرائيلي، فالإسرائيليون قد تهربوا من التعاون الحقيقي القادر على خلق السلام العادل، فلم تثمر الاتفاقية إلا عن خلق تلك المصافحة التاريخية أمام البيت الأبيض، وهذا ما يفسر العنف الحالي.

التقطت إسرائيل فرصة الضعف القصوى لمنظمة التحرير الفلسطينية فكان الوقوف عند "حدود الحكم الذاتي" وليس إيجاد دولة فلسطينية هو المطلب الإسرائيلي، أي بقاء الاحتلال بشكل جديد كي يبقى متحكما في كل جوانب حياة الفلسطينيين خاصة الاقتصاد والعمل والعمال.

ويضيف الباحث أن "إسرائيل لم تجد من يتعامل معها من فلسطينيي القدس الذين كانوا أشد صرامة من ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية، لذلك كان اللقاء مع منظمة ضعيفة، رغم أن ذلك اللقاء كان وفي ذلك الوقت يتعارض مع القوانين الإسرائيلية.

وقد عبر إسحق رابين عن تلك الفرصة بقوله "هذا هو الوقت المناسب للتفاوض مع م.ت.ف. التي لن تكون أضعف مما هي عليه الآن".

وهذا ما جعل قادة إسرائيل يردون على الحملة ضدهم بقولهم "إن منظمة التحرير الفلسطينية التي يتفاوضون معها هي غير منظمة التحرير الفلسطينية التي وصفها القانون الإسرائيلي بأنها إرهابية".

وقال بيريز "هم الذين تغيروا لا نحن"، وأضاف أن الاتفاقية ستعفينا من إرسال جنودنا إلى مناطقهم، فعرفات وجنوده سيقومون بالمهمة".

"
تم اختيار النرويج بسبب سياستها المحايدة، مع أن الكل يعرف أنها كانت منذ زمن بعيد قد صنفت نفسها كإحدى الدول الأكثر ولاء لإسرائيل بين الدول الغربية
"
لماذا النرويج؟
كان الولوج عبر البوابة النرويجية، بسبب أن النرويج بلد محايد وله سمعة عالمية مشرفة في مجال الأعمال الإنسانية، وهذا ما جعل النرويج تبدو كعراب وبطل للسلام، رغم أنها في الحقيقة ليست محايدة، فهذه أسطورة خلقها الإعلام، والإسرائيليون يعرفون أن النرويج غير محايدة.

ويذكر الباحث أن البداية كانت عبر السويد من خلال وزير خارجيتها ستاين أندرسون، وقد قامت السويد بدور أساسي في إعلاء شأن منظمة التحرير الفلسطينية في الساحة الدولية سيما في العام 1988م -زمن الانتفاضة الأولى- وذلك عبر زيارات أندرسون المكوكية إلى تونس وواشنطن، وهذا ما سماه عرفات "الطريق السويدي"، حيث أثمرت جهود أندرسون في كسب تأييد واعتراف دوليين لمنظمة التحرير الفلسطينية.

لكن العودة إلى الطريق النرويجي عبر المفاوضات السرية جعل المنظمة تبتلع طعماً أكبر من جمل، لأن المفاوضات السرية حملت إملاءات على الطرف الضعيف، كما نبه إلى ذلك إدوارد سعيد. وعن اختيار النرويج يضيف قائلا "لقد تم اختيار النرويج بسبب سياستها المحايدة، مع أن الكل يعرف أنها كانت منذ زمن بعيد قد صنفت نفسها إحدى الدول الأكثر ولاء لإسرائيل بين الدول الغربية.

وهذا ما جعل الدبلوماسية النرويجية تقول وتكرر لاحقاً، إنها قامت بجمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للتفاوض، ولكنها لم تكن الطرف الذي صنع أو اقترح الصلح بينهما.

وهذا يعنى -برأي الكاتب- أن النرويج تتخلى عن مسؤوليتها كطرف له علاقة بعملية السلام، حيث تفرض كل الشرائع على الطرف الراعي أن يدعم وجهة نظر الطرف الضعيف وهو هنا الطرف الفلسطيني.. وهذا بحد ذاته جريمة أن تقول أنا جمعت الطرفين فقط، ولا علاقة لي بمسار التفاوض بينهما ونتائجه.

"
الكتاب يحمّل القيادة الفلسطينية المسؤولية عن الوضع الحالي، فهم من حددوا السقف الأعلى لطموحاتهم في المفاوضات وقبلوا التوقيع على اتفاقية غامضة تحتاج لعشرات الاتفاقيات لتفسيرها
"
وهذا أيضاً ما جعل اتفاقية سرية كهذه توقع دون إشراف خبراء في القانون والنزاع الدوليين، رغم وجود العشرات منهم في النرويج، لكنهم لم يستشاروا في بنود وتفاصيل الاتفاقية! وبصراحة -يضيف الباحث- كان الجانب الإسرائيلي مستعداً للتفاوض عبر دراسات وخبراء دوليين، لكن الجانب الفلسطيني كما قال الإسرائيليون "لم يحضروا دروسهم جيدا".

يستمر أوروم في تحليله "إن هذا الخطاب لا يتناول حلولاً، فضمن اتفاقية أوسلو حصلت إسرائيل على الحق في تأسيس حكم ذاتي فلسطيني محدود، وهذا ما كانت تطمح إليه، وحاولت الحصول عليه مرات عديدة"، ويعتقد أن الحكم الذاتي "يحاصر القضية الفلسطينية ويضعها جانبا في الحديقة الخلفية لإسرائيل".

ورغم ذلك ضربت إسرائيل بكل تعهداتها المحدودة هذه عرض الحائط، وكان الطرف النرويجي شاهدا أخرس على كل ما يجري من ظلم وتعسف ومصادرة لأبسط حقوق الشعب الفلسطيني.

يحمل الباحث القيادة الفلسطينية المسؤولية عن الوضع الحالي، فهم من حددوا السقف الأعلى لطموحاتهم في المفاوضات وقبلوا التوقيع على اتفاقية غامضة تحتاج لعشرات الاتفاقيات لتفسيرها، وأهم من ذلك ـ كما يرى الباحث ـ أنها نزعت الكثير من مواصفات دولة الاحتلال، لكنها أيضاً جعلت الفلسطينيين يضعون النرويج في قائمة الذين صنعوا تاريخهم الحزين.

المصدر : الجزيرة