عرض/مركز الزيتونة للدراسات
كتاب الصليب والهلال يحاول فيه الدكتور محمد عارف زكاء الله أن يبحر في تاريخ المسيحية في أوروبا والولايات المتحدة ليوضح للقارئ كيف ترقّت الأصولية المسيحية الإنجيلية لتتغلغل في عمق السياسة الأميركية وتسيطر على مراكز صناعة القرار فيها رغم الفصل الواضح في الدستور الأميركي بين الكنيسة والدولة.

ويؤكد الدكتور محمد عارف زكاء الله أستاذ الاقتصاد في الجامعة الإسلامية في ماليزيا أن تغيير العلاقة بيننا وبين الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، يتطلب فهماً عميقاً للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص، وإلا فإن تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر ستظل تلقي بثقلها على العلاقات الأميركية مع العالم الإسلامي مسببة المزيد من التوتر والتنافر.

والكتاب كله عبارة عن بحث أجراه الدكتور زكاء الله عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول التي سببت له صدمة شديدة كما سببتها للكثيرين في أنحاء العالم، وكان الدكتور يظن للوهلة الأولى أن الأمور ستتحسن مع الزمن لكنه استنتج فيما بعد أن الأمر بحاجة إلى الكثير من الجهود المفقودة في عالمنا الإسلامي والتي ترمي إلى الاقتراب من الآخر.

- الكتاب: الصليب والهلال
- المؤلف: محمد عارف زكاء الله
- عدد الصفحات: 263
- الناشر: ذي آذرز، كوالالمبور
- الطبعة: الأولى/2004

سرد تاريخي
يقدم الدكتور زكاء الله في قسم من كتابه سردا تاريخيا لكيفية صعود الأصولية المسيحية الإنجيلية التي تمخضت عن سلسلة الانشقاقات بين الكنائس المسيحية، ويرى أن التطرف أو الأصولية نفسها غير مرتبطة بدين معين، بل يمكن أن يكون الإنسان كافراً ويدافع عن فكرته إلى حد التطرف.

لذلك فإن بذور التطرف موجودة عند الأفراد في كل المجتمعات مهما كان انتماؤهم، ويجب الفصل التام بين انتشار الأصولية المسيحية بين الأفراد، وبين اشتداد عودها وسيطرتها على الحكم فيما بعد في الولايات المتحدة الأميركية.

ويعزو الكاتب هذا الأمر لأسباب عديدة أهمها حالة الاضطهاد التي عاشها الأصوليون الإنجيليون، والتي ولدت تضامناً صامتاً في الأوساط الشعبية الأميركية معهم.

ومن ناحية أخرى فإن حالة التأخر الاقتصادي التي يعيشها الجنوب الأميركي منذ الحرب الأميركية التي وقعت بين الشمال والجنوب، كلها دفعت الأصولية الإنجيلية إلى أن توطد دعائمها عميقاً في المجتمع الأميركي من خلال المؤسسات التعليمية والتربوية ومن خلال الدعوات إلى إصلاح القضاء وإلغاء التحيز الذي كان يسوده.

ولكن سرعان ما أدركت الأصولية المسيحية أن كل هذه الأمور لن تستقيم إلا إذا تغلغلوا في مراكز السياسة وصناعة القرار، وشيئاً فشيئاً أخذت الأصولية المسيحية تقدم ممثليها وتدعمهم ليصلوا إلى الكونغرس ومجلس الشيوخ والمناصب العليا، حتى كان لها النجاح الأخير في السيطرة على البيت الأبيض وعلى الحزب الجمهوري.

وبهذا أصبحوا ينفذون مخططاتهم المحلية والدولية خاصة وأنهم أصحاب مشروع متكامل لا يهدف فقط إلى السيطرة على الولايات المتحدة الأميركية بل إلى السيطرة على العالم كله ولو من خلال الحروب واستخدام كل الأسلحة المتاحة، تمهيداً لمعركة هرمجدون التي ستقوم على أرض فلسطين وتستمر ثلاث سنوات ونصف السنة ليظهر المسيح بعدها ظهوره الثاني ويبني "مملكة الرب" حسبما يعتقدون.

"
الأصولية المسيحية تسوغ لتنفيذ أهدافها استخدام أبشع الوسائل والأسلحة الفتاكة بسبب تفسيرها لسفر الرؤيا الذي عبثت فيه أهواء البشر وفهمهم القاصر، بحيث كان تفسيره يتردى من سيئ إلى أسوأ كلما تقدم الزمان وتعاقب على تفسيره مختلف الأشخاص
"
المشروع الأصولي ظلم للمسيحيين
ويؤكد الدكتور زكاء الله أن الأصولية المسيحية لها مشروعها العالمي، الذي يهدف إلى السيطرة على العالم، وذلك من خلال الحق المسيحي.

ومن خلال هذا المشروع استطاعت الأصولية المسيحية أن تمزج التطرف الديني بالطموح السياسي، حتى ولو كان ذلك على حساب المبادئ التي تحملها وحتى لو كان ذلك على حساب المستضعفين من المسيحيين أنفسهم.

ويذكر الكاتب دلائل تاريخية متعددة على هذا الكلام أهمها دعم الكنيسة لنظام الفصل العنصري الذي ساد في جنوب أفريقيا، حيث اضطهد المسيحيون المسيحيين.

ويشير الكاتب إلى أن الأصولية المسيحية تسوغ لتنفيذ أهدافها استخدام أبشع الوسائل والأسلحة الفتاكة، ويعزو ذلك إلى التفسير البشري لسفر الرؤيا الذي عبثت فيه أهواء البشر وفهمهم القاصر، بحيث كان تفسير سفر الرؤيا يتردى من سيئ إلى أسوأ كلما تقدم الزمان وتعاقب على تفسيره مختلف الأشخاص.

التطور البنّاء غير صدام الحضارات
ويفند الدكتور زكاء الله مقولة صدام الحضارات، ويبين الترابط بينها وبين الرؤية التي يتوقعها سفر الرؤيا لنهاية العالم، والتي تقول بقيام معركة هرمجدون التي ستدوم ثلاث سنوات ونصف السنة وتبدأ بسبب العرب حسب أحد التفسيرات المتداولة، ليقيم بعدها المسيح دولة الرب.

بعد ذلك يصل الكاتب إلى رفض التحليل الذي يتنبأ بحدوث حرب بين الأميركيين تقسمهم وتفت من عضدهم على نفس مبدأ صدام الحضارات الذي تحدث عنه هنتنغتون، ويدعو عوضاً عن ذلك إلى التطور الخلاق أو البنّاء في المجتمع الغربي، أو الحضارة الأميركية.

وهذا التطور ينبغي أن يسعى إلى فهم الآخر وتقريب المسافات بين الحضارات، من دون أن يذكر آليات هذا التطور، ودون أن يعالج مدى استعداد المجتمع الأميركي لهذه الخطوة وخاصة بعدما ذكر أن هناك اتجاهاً إحيائياً مسيحياً ملحوظاً في المجتمع الأميركي، حيث انضم 70 مليونا من السكان الأميركيين البالغ عددهم 278 مليوناً إلى ركب الأصولية المسيحية، ناهيك عن أنه يغفل بشكل كامل كيفية تخطي عقبة تأثير اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة على مراكز صناعة القرار.

"
من الضروري أن يطور المسلمون فهما علميا للمجتمع الأميركي ليستوعبوا ديناميكياته وقواه الإثنية والثقافية المؤثرة في السياسة على جميع المستويات المحلية والإقليمية والعالمية
"

الأصولية المسيحية ومستقبل العالم العربي والإسلامي
ويقدم الكاتب تحليلاً للرؤية الأصولية المسيحية لمستقبل العالم العربي فيراها تابعة للتفسيرات المختلفة لسفر الرؤيا، ولكن بشكل عام فإن الأصولية المسيحية ترى أن معركة هرمجدون ستنطلق شراراتها الأولى بسبب العالم العربي.

وقد تطورت أشكال التفسيرات والتصورات لرؤية المعركة الأخيرة، لتتبلور في النهاية في مقولة صدام الحضارات التي خرج بها صموئيل هنتنغتون، دون أن يستطيع الخروج من الرؤيا الكارثية التي صورتها العقيدة المسيحية عندما بشرت بحرب ضروس تبدأ بسبب العالم العربي، وتنتهي بإقامة مملكة الرب على أرض فلسطين.

مستقبل المسلمين
وفي نهاية المطاف يرى المؤلف أن تبني نظرية المؤامرة في التعامل مع الغرب وجعل الإسلام والمسلمين ضحايا للقوة العظمى المسيطرة –أي الولايات المتحدة الأميركية- هو خطأ فادح.

ويرى في المقابل أنه من الضروري أن يطور المسلمون فهما علميا للمجتمع الأميركي، خاصة بعد الانتشار الواسع للأصولية المسيحية في السياسة الأميركية، ومع هذا الفهم يستطيع المسلمون أن يستوعبوا ديناميكيات المجتمع الأميركي وقواه الإثنية والثقافية المؤثرة في السياسة على جميع المستويات المحلية والإقليمية والعالمية.

كما يدعو إلى تطوير وعي شامل للعوامل المؤثرة في السياسة الخارجية الأميركية، مما يتطلب برأيه قيام جهد مؤسسي ثابت ومنظم ومتخصص ومتواصل لدراسة الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص عن قرب، لفهم كيفية سيرورة الأمور هناك.

"
لا بد من دراسة القوى الأيدولوجية المعاصرة في الغرب ومحاولة تحليل تأثيرها علينا كمسلمين من أجل بلورة الاستجابة المناسبة إلى غاية الانخراط مع الغرب في حوار بناء من أجل تفاهم متبادل
"
كل ذلك من أجل أن تكشف هذه المؤسسات وما تقوم به من أبحاث طبيعة الليبرالية الديمقراطية وتجلياتها في الولايات المتحدة، كما تكشف النقاط في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإثنية الأميركية وانعكاساتها على العالم الإسلامي بما في ذلك الأقليات المسلمة في الغرب.

كما دعا الكاتب إلى أن تركز هذه الجهود على دراسة الاتجاهات الأيديولوجية المعاصرة في المجتمع الغربي وأسبابها التاريخية وتأثيرها على مستقبل العالم وعلى العالم الإسلامي بشكل خاص، بالإضافة إلى دراسة إستراتيجيات عمل وسائل الإعلام والبحث عن الطرق المناسبة لجعل الإعلام الغربي والأميركي أكثر توازناً وموضوعية في التعامل مع القضايا التي تؤثر في العلاقات بين الحضارتين الإسلامية والغربية، وإلى إنشاء وسائل إعلام إسلامية في قلب الغرب حتى تستطيع أن تقدم صورة أكثر إشراقاً وتحل مشكلة عدم فهم الغرب للإسلام.

وأخيراً دعا زكاء الله إلى دراسة القوى الأيديولوجية المعاصرة في الغرب، ومحاولة تحليل تأثيرها علينا كمسلمين من أجل بلورة الاستجابة المناسبة لها لغاية الانخراط مع الغرب في حوار بناء من أجل تفاهم متبادل.

وفي نهاية كتابه يعزو الدكتور زكاء الله عدم تقدم المسلمين إلى عدم أخذهم بالديمقراطية.

وتبقى الصورة ضبابية بالنسبة للقارئ، إذ كيف يمكن للتقريب بين الحضارات أن يعدّل السياسات القائمة على العقائد، خاصة بعدما ذكره الكتاب من تغلغل الأصولية المسيحية ومزجها الديني بالسياسي، وتسويغها استخدام أشد الأسلحة فتكاً في التمهيد لنهاية العالم.

المصدر : الجزيرة