عرض/إبراهيم غرايبة
يتناول هذا الكتاب التطور التاريخي للمرجعية الدينية الشيعية الاثني عشرية في جانبيها العلمي والسياسي ابتداء من القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي، أو ما يسمى بمرحلة ما بعد الغيبة الكبرى وحتى العصر الحالي.

ويعرض فيه المؤلف المحطات المتعلقة بتاريخ الشيعة، مثل نشوء الحوزات العلمية في بغداد والحلة وجبل عامل والنجف وقم.

- الكتاب: المرجعية الدينية العليا عند الشيعة الإمامية
- المؤلف: جودت القزويني
- عدد الصفحات: 438
- الناشر: دار الرافدين، بيروت
- الطبعة: الأولى/2005

الحوزة العلمية في بغداد
سيطر البويهيون الشيعة على بغداد في القرن الرابع الهجري مع الإبقاء على السلطة الاسمية للخليفة العباسي، وكانت الدولة العباسية في تلك المرحلة قد تفتتت بين العائلات والدول المتنفذة، كالأمويين في الأندلس، والفاطميين في مصر وشمال أفريقيا، والحمدانيين في حلب والموصل وديار بكر وربيعة ومضر، والسامانيين في خراسان، والقرامطة في البحرين.

ولم يكن للشيعة في بغداد مشروع سياسي، ولكنهم بدؤوا في بناء مشروعهم الديني والفكري مستفيدين من حالة الأمن والتسامح المذهبي التي ترسخت في بغداد.

وبدأت المدرسة الاجتهادية والفكرية الشيعية على يد الشيخ المفيد (ت: 413هـ/1022م) الذي انتهت إليه رئاسة المذهب الشيعي الإمامي، وقد شغل بإعداد الدعاة والعلماء والفقهاء، ومنهم الشريف المرتضى، وأخوه الشريف الرضي، والطوسي.

وقد ألف المفيد وتلامذته مجموعة من الكتب التي أسست للمذهب الشيعي في أصول الفقه، والفقه، والجدل مع المذاهب الأخرى.

وترأس المذهب بعده الشريف المرتضى، الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للمذهب الشيعي الإمامي، وهو من أسرة علمية وسياسية، وتعد أفكاره وآراؤه سجلا كاملا للمذهب، وتعبر عن روحه تعبيرا دقيقا.

ويعد كتابه "الذريعة" تأسيسا للاجتهاد العلمي والفقهي، وكتابه "الانتصار" من مراجع الفقه المقارن، وكانت مكتبته تحوي ثمانين ألف مجلد.

وخلف الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المرتضى بعد وفاته، وقد بلغ المذهب في عهده مبلغ النضج والتكامل، فقد بلور مناهج العلم، وراجع آراء السابقين ونقحها، ولقب بشيخ الطائفة، نظرا للقواعد والأسس التي وضعها في علم التفسير والحديث والفقه والرجال والأصول والفقه المقارن.

وقد خصص له الخليفة العباسي القائم بأمر الله كرسي الكلام، وهو منصب رسمي رفيع للاستفتاء والمرجعية تجاوزت المذهب الشيعي إلى المذاهب الأخرى، ومن أهم مؤلفاته "المبسوط" و"الخلاف" و"تهذيب الأحكام" و"الاستبصار".

وشهد الطوسي في حياته نهاية الدولة البويهية وهيمنة السلاجقة، فهرب إلى النجف، وكانت قرية صغيرة، وتوقف الاجتهاد بعده فترة طويلة.

"
اعتناق المغول المذهب الشيعي زاد من الأهمية السياسية للأئمة الشيعة ومن تطور الحوزة العلمية وبخاصة في الحلة
"
الحوزة العلمية في الحلة
عادت المدرسة الشيعية إلى النمو بعد انحسار السلاجقة، وتحول مركزها من بغداد إلى الحلة ابتعادا عن التحولات السياسية، وكان من رواد هذه الحوزة ابن إدريس الحلي (543/598هـ، 1148 – 1201م) مؤلف كتاب "الحاوي لتحرير الفتاوي" الذي يعد أول خروج عن تقليد الطوسي، بل والاختلاف معه ومحاجته.

وجاء بعده أبو القاسم جعفر بن الحسن الحلي، الملقب بالمحقق (ت: 676هـ/1277م).

ويعد الخواجة نصير الدين الطوسي (597/672هـ، 1220/1273م) من أهم قادة المذهب في زمانه، وقد أقام صلة بهولاكو، القائد المغولي الذي احتل بغداد، وعمل وزيرا لديه، ووكيلا للأوقاف ومشرفا عليها.

وكانت له مكانة في الفلسفة والرياضيات، وقد أدخلت آراؤه الفلسفية في المذهب، ومازال كتابه "تجريد الاعتقاد" الذي مزج فيه بين الفلسفة وعلم الكلام من المراجع العلمية الشيعية، وينسب إليه إنشاء مرصد "مراغة" الذي كان أهم مركز في علوم الفلك، وأقام مكتبة كبيرة.

وقد اعتنق المغول المذهب الشيعي، وزاد ذلك من الأهمية السياسية للأئمة الشيعة، وتطورت الحوزة العلمية وبخاصة في الحلة، وبرز في هذه المرحلة العلامة الحلي تلميذ الطوسي الذي وضع اثنين وعشرين مؤلفا في علم الكلام، وخمسة وعشرين مؤلفا في الفلسفة والمنطق، ومنها "مختلف الشيعة من أحكام الشريعة" و"نهج الحق" في أصول الدين.

وقد نجح في دفع السلطان المغولي خدابندة حوالي العام 705 هـ/ 1305م إلى أن يعلن المذهب الشيعي مذهبا رسميا للبلاد، وكان من أهم خصومه الشيخ ابن تيمية في الشام.

"
حوزة جبل عامل كان عدد كبير من علماء الشيعة فيها هم عون الدولة الصفوية في إيران، التي هي بحاجة إلى غطاء شرعي في صراعهم مع الدولة العثمانية
"
الحوزة العلمية في جبل عامل
بدأت حوزة الحلة بالضمور بعد انهيار الدولة المغولية، وبدأت حوزة جبل عامل في لبنان بالصعود، وينسب تأسيس حوزة الشيعة الشامية إلى محمد بن مكي العاملي الذي قتل عام 786هـ/1383م، وقد درس المذهب في الحلة، ثم هاجر إلى مصر والمدينة والقدس ودرس على يد علماء السنة، فكان التأثير السني العلمي على شيعة الشام واضحا.

ومن كتبه "اللمعة الدمشقية" وهو من مصادر الشيعة حتى اليوم، و"القواعد والفوائد" الذي يعد أول مصنف شيعي في موضوع القواعد الفقهية والأصولية.

وممن جاء بعده زين الدين الجبعي، وقد قتل أيضا عام 965هـ/ 1558.

وقد خرجت حوزة جبل عامل عددا كبيرا من علماء الشيعة كانوا أهم عون للدولة الصفوية في إيران، حيث كان الصفويون بحاجة لغطاء شرعي في صراعهم مع الدولة العثمانية.

ومن هؤلاء العلماء: الكركي، الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي الملقب بالمحقق الثاني الذي تعلم على عادة شيعة لبنان في المدارس السنية والشيعية.

هاجر الكركي إلى هرات عام 1510 عندما فتحها إسماعيل شاه الصفوي بعد انتصاره على الأوزبك، وقد عارض قتل الأئمة والعلماء السنة، وحظي الكركي بدعم الشاه إسماعيل الذي فوضه بإنشاء مدارس علمية في إيران.

عين الكركي في كل مدينة وقرية وكلاء له يقومون بالعمل الديني والاجتماعي والسياسي أيضا، ونظرا للسلطات الواسعة التي كان يتمتع بها فقد أقام مؤسسات وسلطات دينية وقضائية كرست المرجعية الدينية.

ولكنه اختلف مع الصفويين فهاجر إلى النجف، ثم استعيد مرة أخرى إلى إيران، وأسند إليه منصب "شيخ الإسلام" وأعلن في إيران أنه صاحب الولاية المطلقة، وأنه لا يعزل، وإنما الحاكم وكيل له ونائب عنه في إدارة شؤون البلاد، ومنح لقب "نائب الإمام".

وكان الشاه الصفوي يريد بذلك إنشاء شرعية دينية تواجه الشرعية الدينية العثمانية.

استقر الكركي في أصفهان وأنشأ مركزا علميا مهما لإعداد العلماء والدعاة، والتحق به عدد كبير من العامليين، وتحولت إيران بفضل الكركي إلى مركز للشيعة، وقد وصل نفوذ الكركي إلى عزل الولاة والعمال، ليضع بدلا منهم تلاميذه أو الموالين له سياسيا وفقهيا.

وجاء بعد الكركي مجموعة من العلماء الذين تأثروا به ونهجوا نهجه، مثل حسين بن عبد الصمد العاملي (ت: 984هـ/1576م) وعبد العالي بن عبد العالي الكركي (ت: 993هـ/1585م) وبهاء الدين العاملي (ت: 1031هـ/1621م).

"
الحوزة نجحت على يد الشيخ موسى بن جعفر في تسوية الخلاف بين الدولتين الإيرانية القاجارية والتركية العثمانية
"
الحوزة العلمية في النجف
بدأت الحركة العلمية في النجف بالازدهار في القرن الثامن عشر على يد السيد مهدي بحر العلوم (ت: 1212/1797) والشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت: 1227هـ/1813م) اللذين هاجرا إلى النجف لإعادة البعث الديني فيها.

وربما كان من أسباب ذلك أن المرجعية الدينية في كربلاء تعرضت للضمور والصراعات بسبب تقدم السن بشيخها البهبهاني، وظهور تيارات فكرية وسياسية جديدة.

ومن الطريف أن نسبة كاشف الغطاء للشيخ جعفر تعود إلى كتابه "كشف الغطاء" وامتدت التسمية إلى أسرته وأحفاده حتى اليوم.

ونظمت المرجعية الدينية في هذه المرحلة، إذ أسس بحر العلوم وكاشف الغطاء لحياة علمية واجتهادية وسياسية أيضا، وأمكنهما وضع حوزة النجف في موقع متوازن في الصراع الإيراني التركي، وإن أبعد هذا المنهج الحوزة عن الشؤون السياسية.

ولكن الحوزة نجحت على يد الشيخ موسى بن جعفر في تسوية الخلاف بين الدولتين الإيرانية القاجارية والتركية العثمانية.

وفي هذه المرحلة بدأت الحركة الاستعمارية الغربية تزحف إلى المنطقة، ووقع صراع شيعي وهابي، حين نمت الدولة السعودية الوهابية في نجد وامتدت إلى جنوب العراق، ودخلت جيوش الوهابيين في صراعها مع الأتراك إلى كربلاء ونهبتها.

وقد سعت المرجعية الشيعية إلى تجنب الصراع مع الوهابيين، ويبدو أن كاشف الغطاء قد نجح في تخفيف العداوة، بل وإقامة علاقة طيبة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

وظهر صراع قوي بين المدرسة الأصولية التي يمثلها كاشف الغطاء والمدرسة الإخبارية التي يمثلها الميرزا محمد بن عبد النبي النيسابوري، وظهرت أيضا المدرسة الشيخية على يد الشيخ أحمد الإحسائي، وعقد بين شيوخها مناظرات مهمة في مجلس الشاه الإيراني، وقد أفتي الأصوليون بإباحة قتل الميرزا، وقتل بالفعل عام 1817م.

وبعد الشيخ الإحسائي طور تلميذه كاظم الرشتي في كربلاء حركة علمية جديدة "الرشتية"، وقد عدها علماء النجف آراء شاذة عن المنهج الإمامي.

واستقرت المرجعية الدينية العليا بيد عائلة كاشف الغطاء، فبعد الشيخ جعفر تولى الزعامة ابنه موسى (ت: 1241هـ/1826م) ثم أخوه علي (ت: 1253هـ/1837م)، وكان من وكلائهم في الحلة السيد مهدي القزويني الذي حول قبائل زبيد القوية والكبيرة إلى التشيع.

وأمضى القزويني في الحلة أربعين عاما، ثم انتقل إلى النجف، ووضع هناك موسوعته الفقهية "بصائر المجتهدين"، وكان أبناؤه من القادة والمجتهدين الذين أثروا كثيرا في مجتمع الحلة.

وممن تولى المرجعية الدينية في النجف السيد حسين الكوهكمبري (ت: 1299هـ/1882م) والميرزا محمد الشيرازي (1851/1894)

وقد حدثت في تلك الفترة مواجهة مع الشاه ناصر الدين القاجاري بسبب اتفاقية شركة الدخان الإيرانية البريطانية، ويشار إليها باسم "فتوى التبناك" التي أدت إلى ثورة شعبية بسب استغلال الشركة للفلاحين.

وكانت الاستجابة لفتوى الامتناع عن التدخين هي التي أدت إلى إلغاء الامتيازات الممنوحة لشركة الدخان، وأدت إلى مقتل شاه إيران ناصر الدين عام 1896.

وشاركت النجف في الأحداث السياسية التي عصفت بالمنطقة من خلال الحركة الدستورية "المشروطة" في إيران عام 1905 بقيادة علماء النجف، وظهر العالم النائيني المشهور حتى اليوم بتنظيره الإسلامي لقضايا الحكم الدستوري في كتابه "تنبيه الأمة وتنزيه الملة".

ودخلت الحوزة النجفية في مرحلة جديدة بعد قيام الدولة الحديثة في العراق، فأنشأت أحزابا ومنظمات سرية وسياسية، وكان من أهمها: منظمة الشباب المسلم، وحزب الدعوة الإسلامية الذي اتخذ من السيد محسن الحكيم مرجعية له، وكان بقيادة الشاب السيد محمد باقر الصدر، الذي يعتبر أهم مفكر إسلامي سياسي في المذهب الشيعي بعد الإمام النائيني، ودخلت الحركة الشيعية في مواجهات قوية مع النظام السياسي.

وبعد وفاة الحكيم تولى المرجعية السيد أبو القاسم الخوئي، الذي توفي عام 1992، وقد بدأ عهده بالتراجع عن المواجهة القوية مع السلطة التي قادها سلفه الحكيم، وأدت الحرب العراقية الإيرانية إلى موقف حرج بالنسبة للمرجعية الشيعية التي حرصت على الحياد واستقلال الحوزة.

ودخل السيد محمد باقر الصدر في مواجهة مع السلطة في العراق عام 1977 مخالفا الخوئي الذي كان ينزع إلى العلمية واعتزال السياسة.

فالصدر ينتمي إلى أسرة عريقة تولى كثير من أفرادها الزعامة الدينية والسياسية، وكان صاحب مشروع فكري وسياسي تعبر عنه عطاءاته الفكرية في الفلسفة والاقتصاد والاجتماع التي توظف الفقه توظيفا معاصرا.

وبدأ الصدر يتحرك جماهيريا، وأخذت أنشطته هذه بعد نجاح الثورة الإيرانية الإسلامية في إيران عام 1979 وقيام الحرب العراقية الإيرانية أبعادا جديدة أدت إلى اعتقاله وإعدامه عام 1980.

"
تكرست أهمية قم بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وتنسب إلى حوزتها نظرية "ولاية الفقيه" على يد الخميني
"
الحوزة العلمية في قم
بدأت النهضة العلمية في قم -المدينة التي استوطنها العرب من معارضي الأمويين- ودفنت فيها فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق التي توفيت وهي في طريقها لزيارة أخيها الإمام علي بن موسى الرضا، الإمام التاسع للشيعة الاثني عشرية الذي كان يعمل واليا للخليفة العباسي المأمون في خراسان.

بدأت هذه النهضة في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وازدهرت على يد الشيخ عبد الكريم الحائري (1860/1936) الذي يعتبر مؤسسا للحركة العلمية في قم، وكان من تلامذته الإمام الخميني.

وتولى الزعامة العلمية بعد الحائري السيد صدر الدين الصدر (1897/1954) الذي أنشأ المدارس والوقفيات في قم والمدن الأخرى، مما ضاعف طلبة العلم من ثلاثمائة في عهد الحائري إلى خمسة آلاف.

وتكرست أهمية قم بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وتنسب إلى حوزتها نظرية "ولاية الفقيه" على يد الخميني.

الفقهاء الشيعة المعاصرون
يوجد اليوم عدد من العلماء المرشحين للمرجعية، ويورد المؤلف أسماء عشرين منهم:
1- السيد محمد الصدر – النجف
2- السيد علي السيستاني – النجف، وهو خليفة الخوئي، ويرجع إليه أتباع الخوئي، والتيار الشيعي المحافظ في أفريقيا والهند وباكستان والخليج، ومن بينهم تجار كبار.
3- محمد إسحق فياض- النجف
4- الميرزا جواد التبريرزي – قم
5- السيد علي الخامنئي – طهران، مرشد الجمهورية الإيرانية
6- السيد صادق الروحاني –قم (رهن الإقامة الجبرية)
7- السيد حسن القمي – قم (رهن الإقامة الجبرية)
8- الشيخ حسين منتظري – قم، كان نائب الخميني لمدة عشر سنوات، ولكنه نحي إلى الظل.
9- الشيخ ناصر الشيرازي، قم.
10-الشيخ محمد فاضل اللنكراني – قم
11- السيد محمود الهاشمي، من تلاميذ السيد محمد باقر الصدر
12- السيد كاظم الحائري _ قم، من تلاميذ الصدر
13- السيد محمد حسين فضل الله – لبنان.

المصدر : الجزيرة