عرض/ إبراهيم غرايبة
يقدم المساهمون في هذا الكتاب مقاربة نظرية وتجريبية لقضايا الدفاع عن حقوق الإنسان وإنزال العقاب بمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية واستخدام القوة للتدخل الإنساني، وماذا يمكن أن تعنيه عبارة سياسة خارجية أخلاقية، والأدوات المحتملة والفعلية لآلية صنع القرار في السياسة الخارجية الأخلاقية.

ويقدم الكتاب تفصيلا لهذه الأليات كأدوات تصدير الديمقراطية، والمنظمات غير الحكومية، والمحكمة الدولية للجرائم، والضغوط الشعبية القاعدية على الحكومات، ويستعرض دراسات ميدانية في الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة (بريطانيا) لتقويم جملة الصعوبات الناشئة عن إضفاء الاعتبارات الأخلاقية على السياسة الخارجية.

الأخلاق والمصالح والسياسة الخارجية


- الكتاب: الأخلاق والسياسة الخارجية
- تحرير: كارن سميث ومارغوت لايت
- ترجمة: فاضل جتكر
- عدد الصفحات: 326
- الناشر: مكتبة العبيكان، الرياض
- الطبعة: الأولى/2005

هل الأخلاق كونية شاملة، أم هي مختلفة بين ثقافة وأخرى؟ يزعم دعاة النسبية الثقافية أن الاخلاق مشروطة ثقافيا، وأن ما نعتبرها حقوقا إنسانية كونية شاملة ليست إلا معايير غربية فرضت على سائر البلدان والثقافات الأخرى عنوة.

فهل القيم الإسلامية والآسيوية مختلفة عن المعايير الغربية، وإذا كانت كذلك، فهل يتعين على أولئك الذين يتبنونها أن يتمكنوا من وضع معاييرهم الخاصة لحقوق الانسان؟

إن فكرة سياسة خارجية ذات بعد أخلاقي تثير جملة من المشكلات المعقدة ذات الطبيعة النظرية والعملية على حد سواء، ويمكن هنا طرح ثلاث مجموعات من الاسئلة المفتاحية:

1- ما معنى سياسة خارجية أخلاقية؟ ما السبيل الى حل التضارب بين المصلحة القومية والاخلاق؟

2- ما القضايا الأخلاقية التي تواجه صانعي قرار السياسة الخارجية؟ وما الأدوات التي يستخدمونها لمعالجتها؟ ما مدى نجاحهم في هذا الاستخدام؟

3- الى أي حد تتمكن الأطراف الدولية المحددة من إدخال الهواجس الأخلاقية في السياسة الخارجية وما المشكلات التي تواجهها في ذلك؟

الأساس الأخلاقي للتدخل الإنساني

"
يبقى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية القابل للتطبيق على الدول مستندا إلى الدول (مع مواطنيها) التي تبدي احتراما لمبدأ عدم التدخل في المجتمع المدني، فمبدأ عدم التدخل لأحد الطرفين يعزز القوة المعنوية لمبدأ عدم التدخل للطرف الآخر
"
هل من الأخلاقي بالنسبة إلى الأفراد والمنظمات غير الحكومية والدول والمنظمات الدولية التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى من منطلقات إنسانية؟ متى يكون استخدام القوة للأغراض الإنسانية مبررا إذا كان ذلك ممكنا في أي من الأوقات؟

لعل إحدى الطرق المجدية للإجابة والتفكير هي التحرر من الإجابة المألوفة المتمثلة بأن على الحكومات ألا تبالي قط بالإعتبارات الأخلاقية لدى قيامها برسم السياسة الخارجية.

وبالعودة الى مبدأ عدم التدخل نستطيع القول بأن مطالبة هذه الدول أو تلك بعدم التدخل في شؤونها الداخلية تستمد قوتها من حقوق مواطنيها في المشاركة في حكم الدولة لنفسها، إلا أن المواطنة الديمقراطية نفسها تعتمد على الناس المعنيين المتمتعين بالوضعية السابقة لكونهم أصحاب حقوق في المجتمع المدني.

وإجمالا يبقى مبدأ عدم التدخل القابل للتطبيق على الدول مستندا إلى الدول (مع مواطنيها) التي تبدي احتراما لمبدأ عدم التدخل في المجتمع المدني، فمبدأ عدم التدخل لأحد الطرفين يعزز القوة المعنوية لمبدأ عدم التدخل للطرف الآخر.

لا يتم فهم التدخل الإنساني فهما صحيحا بالنظر إليه على أنه تدخل جائر في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة، بل من خلال اعتباره عملا مستهدفا لمنطقة مجتمع مدني تعرض للإنهيار، ويبقى الهدف متمثلا: بإصلاح المجتمع المدني بما يمكن الناس من السير قدما على طريق بناء المؤسسات الديمقراطية التي تمكنهم من التمتع بحقوق المواطنة.

وهنا يتشكل تساؤل عن الإرشاد الذي تستطيع الذرائعية أن توفره لصانعي القرار السياسي والمحللين فيما يخص السياسة الخارجية الأخلاقية، وبالطبع فإن الذرائعية ترى أن فهم الأخلاق يجب أن يكون فهما ديمقراطيا.

تنطلق الذرائعية من افتراض أن جميع الأشخاص مؤهلون للتطور والنمو الذاتيين، وينبغي أن تتوفر لهم الفرص التي تمكنهم من ذلك، وهذا يستدعي أن يبقى النشاط الذي يؤثر فيهم، وفي حياتهم اليومية خاضعا لموافقتهم.

السياسات الخارجية الأخلاقية

"
كانت الولايات المتحدة الأميركية من أوائل الدول المصدرة للديمقراطية، وقد ظل الأمر هدفا مهما للسياسة الخارجية الأميركية على امتداد القرن الـ20
"
تنطلق الحكومات من دوافع مختلفة حين تبادر إلى تشجيع الديمقراطية في بلدان أخرى، ولعل أحد الاسباب هو الاعتقاد بأن الديمقراطية طريقة صالحة للحكم، أو أقل إثارة للاشمئزاز من أشكال الحكم المعاصرة الأخرى، غير أن الحكومات تقوم أيضا بتصدير الديمقراطية انطلاقا من دوافع أنانية: تعتقد مثلا أن التعامل مع حكومات أجنبية تتقاسم القيم نفسها يكون أيسر، وتحرص الحكومات أيضا على ربط الديمقراطية بالسلم، فتدعمها خارجيا لتعزيز أمنها على المستوى الداخلي.

غير أنه ما لبثت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية فيما بعد أن أدركت أن الديمقرايطية شرط مسبق ضروري لأي إصلاح أو تنمية اقتصاديين ناجحين، ومن ثم باشرت تصدر بضاعة الديمقراطية لتجعل برامج مساعداتها الاقتصادية أكثر فاعلية ولتشجع على ترسيخ الشروط الملائمة لعلاقات الاستثمارات والتجارة.

وترى الدول الكبرى في الديمقراطية تسهيلا لتسيير الأعمال اليومية مع دول ذات ذهنيات مماثلة، وترغب الدول أيضا في تصدير الديمقراطية لأنها تعتقد أن الدول الديمقراطية مسالمة أكثر من نظيرتها اللاديمقراطية، إن الدول تتخذ أشكالا وأنماطا مختلفة لها، وهي لا تلبث حين يتم تطبيقها على بلدان أجنبية أن تتحدد بصيغ مختلفة في أوقات متباينة.

وكانت الولايات المتحدة الأميركية من أوائل الدول المصدرة للديمقراطية، وقد ظل الأمر هدفا مهما للسياسة الخارجية الأميركية على امتداد القرن الـ20.

وتكون الحكومات التي تستهدفها البلدان المصدرة للديمقراطية عموما حكومة شديدة الرغبة في الإفادة من المساعدات.

ما الذي يجعل تصدير الديمقراطية صعبا؟
غالبا ما يتم القاء مسؤولية بطء الديمقراطية في البلدان الاشتراكية السابقة على عوامل داخلية مثل غياب التاريخ الديمقراطي والمجتمع المدني في ظل الشيوعية، أما الناس في الدول السائرة في طريق الديمقراطية فيضعون اللوم على عوامل خارجية، يلومون مثلا جملة من البرامج التي تقدمها الديمقراطيات المتقدمة والمنظمات الدولية، لاسيما ذلك الجزء الكبير من التمويل الذي يذهب إلى الخبراء الأجانب.

"
أصبحت المنظمات المناصرة لحقوق الإنسان مطالبة بمراقبة ورصد سياسات وخطط أولئك الذين ينشطون لصالح حقوق الإنسان بمقدار ما يتعين عليها متابعة ممارسات الحكومات المتهربة من التزاماتها
"
فالخلل بين الاستثمارات قي بناء اقتصاديات السوق والدعم الموفر للبرامج الديمقراطية يشي بأن الأولويات الغربية ربما تكون خاطئة إذا كان المطلوب دعم الديمقراطية.

وربما بقي التقدم نحو ترسيخ الديمقراطية على هذا المستوى من البطء في بعض البلدان بسبب بذل قدر غير كاف من الجهد في هذا السبيل، أما وقد تعززت الديمقراطية، على ما يبدو في بعض البلدان، فإن العوامل الخارجية لا يمكن اعتبارها وحدها مسؤولة عن عدم حدوث الشيء نفسه في بلدان أخرى، وكذلك فإن العوامل الداخلية تبقى عاجزة وحدها عن تفسير الصعوبات التي تواجهها بلدان معينة على طريق السير نحو إشاعة الديمقراطية، ومن المؤكد أن جملة من العوامل الداخلية والخارجية تتضافر بأشكال مركبة في الحقيقة.

ومن المفارقات المثيرة أن مهمة المنظمات المناصرة لحقوق الانسان أصبحت أكثر إرباكا بما لا يقاس، مع صيرورة هذه الحقوق الأكثر رواجا والشاملة لكل شيء، فأصبحت هذه المنظمات مطالبة بمراقبة ورصد سياسات وخطط أولئك الذين ينشطون لصالح حقوق الإنسان بمقدار ما يتعين عليها متابعة ممارسات الحكومات المتهربة من التزاماتها.

يجب على هذه المنظمات أيضا أن ترسم إستراتيجيات مدروسة جيدا ومجدية، ودقيقة من حيث التدابير التي تدعو إلى اتخاذها، ومن شأن الطلبات غير الواقعية أو الغامضة بالعمل والردود غير الملائمة مع الأصدقاء أو المفرطة مع الخصوم أن تلحق أضرارا جدية بجهودها الرامية إلى ضمان حقوق الإنسان وبناء ثقافة كونية قائمة على أساس حقوق الإنسان.

ويجب عليها (المنظمات الدولية) أيضا أن تعطي أولوية أكبر لعمليات التثقيف الذاتي، وتثقيف الأطراف الفاعلة الجديدة، وتثقيف الجماهير والكيانات السياسية الغربية بجملة المفاهيم والفلسفات والمبادئ الأساسية الكامنة في عمق مواثيق حقوق الإنسان الدولية، ولجعل خطاب حقوق الإنسان مفهوما وفي متناول الجميع.

وحرصا منها على استقلالها، الذي هو أمر جوهري لمدى فعاليتها، تلجأ منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية إلى عدم قبول الأشكال المباشرة من التمويل الحكومي أو من الشركات، أو تبدي حذرا إزاء قبول مثل هذا التمويل، لا سيما فيما يخص نشاطاتها المتعلقة بالإشراف وكتابة التقارير.

أما وقد أصبحت مجموعة كبيرة من المنظمات القومية والمحلية ناشطة في أكثر بلدان العالم في سبيل تأمين احترام حقوق الإنسان داخليا، وصارت الدول الغربية هي القوى المهيمنة على الشؤون العالمية، فلربما أصبحت المنظمات العاملة داخل المجتمعات الغربية من أجل ضمان احترام حقوق الإنسان على الصعيد العالمي هي المنظمات الأقدر على التعبير عن تضامنها مع الشعوب في الأماكن الأخرى عن طريق تحدي مجتمعاتها بالذات ومطالبتها بالتصدي للشوائب والأخطاء التي تميز السياسات الداخلية والخارجية الغربية هذه الأيام.

وستبقى جداول أعمال السياسة الخارجية خاضعة لتأثيرات المعضلات والمآزق الأخلاقية والمعنوية، خاصة حين يبادر رأي عام صريح وعالي الصوت إلى المطالبة بالتحرك ضد أولئك الذين يسلكون سلوكا منافيا للأخلاق والقيم، فهنا القضية تكمن في مدى رغبة الدول وقدرتها على أن تبقى تواصل متابعة إضفاء بعد أخلاقي على سياستها الخارجية، وصياغة موقف يقوم على اتباع سياسة أخلاقية أفضل لتأمين الخدمات التي يمكن تقديمها إلى المصلحة القومية، فالسياسة ستبقى انتقائية وتمييزية في مساعيها الرامية إلى خدمة شكل من أشكال التفسير الأضيق للمصلحة القومية.

وما من سياسة خارجية ذات صفة أخلاقية في الممارسة إلا وتتطلب أن يكون الأفراد والجماعات مستعدين لسلوك وتحمل سياسة تعد نفسها مرآة نقدية لأفعال الحكومة. وبالفعل فإن حكومة حزب العمال البريطاني تعرضت منذ قيامها باعتماد سياسة خارجية أخلاقية لسيل من الاتهامات المتكررة بين الحين والآخر والقائلة بأن أفعالها لا تتطابق مع أقوالها، ومن هذه الناحية جاءت الصياغة الصريحة لسياسة خارجية أخلاقية موفرة إطارا يمكن الآخرين من عقد المقارنة بين السياسة والخطة والتطبيق.

"
صحيح أن الولايات المتحدة تتحدث لغة بنزعة إنسانية، غير أنها لا تتوفر على الإرادة اللازمة لتبني سياسة مؤهلة لفرضها، وإلى أن تمتلك مثل هذه الإرادة فإن مزاعمها الأخلاقية ستبقى معرضة للتحدي
"
وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية وسياساتها الأخلاقية التطبيقية فإن ما يبعث على قدر كبير من الحيرة والارتباك هو الغرض الذي سيجري من أجله توظيف القوة الأميركية في عصر ينتمي إلى ما بعد الأيديولوجيا.

صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية تتحدث لغة بنزعة إنسانية، غير أنها لا تتوفر على الإرادة اللازمة لتبني سياسة مؤهلة لفرضها، وإلى أن تمتلك مثل هذه الإرادة، فإن مزاعمها الأخلاقية ستبقى معرضة للتحدي.

ومن المهم أن نتذكر أن الحكومة ليست اللاعب الوحيد في الحلبة الكونية للأخلاق، رغم أنها لم تفرض نفسها بالقدر الذي تتطلبه معايير المواطنة الأممية الصالحة، وما يكثر المنتقدون من تجاهله هو المسؤولية التي تقع على عاتق الأطراف غير الحكومية مثل المواطنين العاديين، والشركات والمجتمع المدني والإعلام على صعيد الارتقاء إلى مستوى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والالتزام بها.

نستطيع جميعا أن نبذل قدرا أكبر من الجهد من أجل الارتقاء إلى مستوى المعايير الأخلاقية المعنوية المتضمنة في منظومة حقوق الإنسان، ولكن المجتمع المدني في بريطانيا يبقى بصورة أكثر مباشرة، ملزما بالاعتراف بأن أي سياسة خارجية أخلاقية أهم من أن تترك للساسة والعسكريين والدبلوماسيين، وهذا يتطلب ثقافة حقوق إنسان نشطة محليا قادرة على تحميل الوزراء مسؤولية إعطاء الأولوية لحقوق الإنسان الخارجية.

المصدر : الجزيرة