عرض/سكينة بوشلوح
ما يشهده المسرح العالمي من أحداث متسارعة وانفجارات متلاحقة يحول الكوكب إلى بؤر للتوتر والاضطراب، كما يحيل نظام الحياة إلى ما يشبه حالة الطوارئ بانتظار البرابرة أو الكارثة.

والكل مسؤولون بقدر ما هم متورطون لاسيما أصحاب المشاريع وإستراتيجيات إنقاذ البشر وقيادة العالم، ما يعني أن العقليات والسياسات السائدة لا تجدي نفعا من جهة، وتؤكد من جهة ثانية الحاجة إلى تجديد أشكال المصداقية والمشروعية بتغيير أطر النظر وقواعد العمل.

هذا هو الرهان الذي يقف وراء كتاب "أزمنة الحداثة الفائقة" بأسئلته: كيف نفكر ونعمل عربا وبشرا في أزمنة الحداثة الجديدة؟ وبأي شكل نتغير للخروج من النفق الذي تقودنا إليه دعواتنا المستحيلة ومشاريعنا المدمرة؟

وفيه يعترف مؤلفه الأستاذ علي حرب بأن الكتاب بعيد عن النسق الأكاديمي المنهجي، بل فرضته الأحداث الملتهبة ما عرّضه لكثير من الإطناب والتكرار.

- الكتاب: أزمنة الحداثة الفائقة
- المؤلف: علي حرب
- عدد الصفحات: 256
- دار النشر: المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء
- الطبعة: الأولى/2005

تحولات العناوين والمفاهيم
يرى المؤلف أن القضايا والعناوين التي تستأثر باهتمام الأوساط الفكرية والدوائر السياسية تتغير بصورة سريعة مع تسارع الأحداث والمتغيرات عربيا وعالميا.

فمع ثورة المعلومات وبعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول تصدرت المناقشات مقولة "صدام الحضارات" بين الإسلام والغرب أو بينه وبين الحداثة، وأصبح الإرهاب مثار النزاع على الساحة الدولية.

واليوم تبدو قضية الإصلاح الشغل الشاغل في العالم العربي، خاصة بعد إثارتها من جانب الولايات المتحدة الأميركية.

وكلها في النهاية عناوين يستدعي بعضها بعضا، بقدر ما تتفاعل الأحداث أو تتصادم المواقف وتتصارع الإستراتيجيات حول المصالح والمواقع.

وهاهم العرب في مهب المتغيرات منقسمون بين مطالب بالتغيير وخائف منه، يعيشون وضعية وجودية مأزومة لم يعد يجدي في معالجتها رفع الشعارات القديمة أو الحديثة التي أظهرت فشلها، سواء تعلق الأمر بالإسلام والعروبة أو بالماركسية والاشتراكية أو بالحداثة والديمقراطية.

ويعيب المؤلف على المجموعة العربية انعدام الفعالية ومكمن الضعف في الثقافة الأيديولوجية السائدة -الدينية أو القومية- التي يتعامل أصحابها مع الناس بوصفهم مجرد أصداء أو أخطاء قياسا على الأسلاف، أو مجرد أرقام أو قطعان لدى القادة والزعماء مهمتهم الرضوخ والتأييد والتصفيق.

فهؤلاء يحسبون العلة في الوسائل لا المبادئ ويدعون مقاومة الغزو الفكري متجاهلين أن الغربيين هم الذين ينتجون معارف مبتكرة وثمينة للمجتمعات العربية.

والمخرج الوحيد المتاح الآن في نظر الأستاذ علي حرب هو الانخراط في المراجعة النقدية، ارتدادا على الذات والأفكار وعلى العناوين والثوابت قديمها وحديثها، لتغذيتها وتطعيمها أو لصرفها وتحويلها.

والمراجعة النقدية البناءة عملية مركبة متعددة المناهج والمداخل، فهي مسؤولية المجتمع بمختلف قطاعاته ومشروعاته وقواه، وهي مهمة لا تقبل التأجيل، لأن العرب على المحك وعليهم المباشرة بإصلاح الذات قبل إصلاح الغير والكف عن الحديث بعقلية التهمة والمؤامرة والعمل على كسر ثنائية الداخل والخارج، بدليل أن ما يعني الغير يقع في صلب اهتمامنا وما يهمنا يستأثر باهتمام العالم الأكبر.

فالأفكار رأسمال بشري يشترك فيه الناس كافة، والنماذج الناجحة في مكان تغدو ملكية عامة يمكن الانتفاع بها من جانب الذين يحسنون استثمارها.

"
المخرج الوحيد المتاح الآن هو الانخراط في المراجعة النقدية، ارتدادا على الذات والأفكار وعلى العناوين والثوابت قديمها وحديثها، لتغذيتها وتطعيمها أو لصرفها وتحويلها
"
الظاهرة الأصولية والعملة الإرهابية
يؤكد المؤلف أن للأحداث المتسارعة والصدمات المتتالية من سقوط بغداد إلى تفجيرات الرياض والدار البيضاء، دلالتها الرمزية وأبعادها الثقافية.

فما حدث يبين أن الكلام على صدام الحضارات ينطوي على الكثير من التبسيط والتضليل، لأن التفجيرات هي في النهاية تجسيد لصراعات وتوترات تعاني منها المجتمعات العربية بين رؤيتين للعالم، أو بين عقليتين في التعامل مع الآخر.

إذن هو صراع داخل العالم العربي والإسلامي بين نمطين في ممارسة الوجود والدفاع عن الكيان والهويات في مواجهة الأزمات والتحديات.

والإرهاب من منظور المؤلف ليس مجرد احتجاج على الظلم والفقر جراء تردي الأوضاع الاقتصادية، ولكنه في الحالة الجهادية الإسلامية ذو جذر عقائدي وثقافي.

لذا ليست المشكلة مع الإرهاب محصورة في "شرذمة من الناس منحرفين عن جادة الحق"، وإنما نحن إزاء آفة أو ظاهرة متفشية نتيجة البيئة الدينية الرائجة بمرجعياتها ورموزها وأحكامها وفتاواها.

وصحيح أن الإرهاب كعمل عسكري يخطط له في السر، ولكنه منتج الثقافة المتحجرة العدوانية التي تجري ممارستها تحت سمعنا وبصرنا.

فالصحوة الإسلامية تتحول إلى تجربة ظلامية معتمة، وأسلمة الحياة والمجتمع ترتد وبالا على الإسلام وأهله وثقافته، والحقوق التي ندافع عنها لا نحسن سوى هدرها، والغزو نقاومه لنزداد ضعفا وتبعية، والجهاد الذي نعلنه لا يخدم سوى الغير، والأمة التي ندعي أنها خير أمة باتت في المؤخرة وكأننا اختصاصيون في صناعة الكوارث وتخريب العمران والحضارة.

من المفارقات الفاضحة في هذا الخصوص أن الأصوليات الإسلامية المعاصرة على اختلاف تياراتها وتنظيماتها تدعي مقاومة الغرب، في حين أن معظمها لا يجد سواه ملجأ وملاذا أو مكانا لإعلان ثورته أو التبشير بدعوته، ما يعني أن العالم آخذ في التعولم على نحو يجعل الكلام عن هويات صافية فيه الكثير من الخداع.

ويرى المؤلف في ذلك مغزى ذا وجهين: إما أن الغرب الذي تدعي الحركات الإسلامية مجابهته يقدم لها مساحة للتعبير عن أفكارها وأهدافها لا نجدها في البلدان الإسلامية حتى لو كانت ضد الغرب نفسه، أو أن الدول الغربية تستخدمها لمصلحتها من حيث لا يعي أصحابها.

وفي كلا الحالين ثمة مأزق بل فضيحة، فإذا كان الغرب يتيح "للتنظيمات الأصولية التي لا تقبل المعارضة" أن تعارضه فإن ذلك يجردها من مصداقيتها، لأن ذلك يعني أنه يعترف بنا وينصفنا أكثر مما نفعل مع أنفسنا، أما إذا كانت هذه التنظيمات تضر بنا بقدر ما تنفع الغرب فتلك هي الكارثة.

"
النظام العربي يأخذ من الشورى اسمها الخاوي ومن الديمقراطية شكلها الكاريكاتيري ويستبقي من الشرع الديني فكرة الحكم المطلق، فيحول النظام الديمقراطي إلى حكم شمولي ونظام فاشستي
"
والمتمعن في الممارسات الإرهابية يجدها تضر الغرب الضرر القليل كي تعود على الدول الإسلامية شرا ووبالا أو تخلفا وخرابا، ولا عجب فالأصوليات على اختلاف نسخها تقدم نفسها بوصفها الدواء والعلاج في حين أنها هي الداء والآفة.

هذا شأن الأصوليات سواء أكانت دينية اصطفائية أم قومية عنصرية، مآلها إلحاق الدمار بالذات قبل الغير عاجلا أو آجلا، وهذا ما تفعله بشكل خاص الأصوليتان الإسلامية واليهودية على مرأى من الأصولية البروتستانتية.

يرى المؤلف أن الوضع الراهن للدول العربية هو الأخطر على المصير بعدما تجاوز التراجع كل الحدود، كما أنه لا يجد نفسه مبالغا حين يقول عنها إنها "مجتمعات ميتة سياسيا، شعوب كسولة ثقافيا، أنظمة تنتج العجز والبطالة، اقتصاد قوامه الهدر والفقر أو الفحش والتبذير، إدارات ينخرها الفساد، جامعات مفصولة عن واقع الحياة تخرج أفواجا من العاطلين عن العمل، تعليم في تراجع مستمر، نخب ثقافية وفكرية مذعورة".

وهكذا فنحن إزاء نظام هجين ومركب لا على سبيل التنوع والتفاعل الخلاق بين المكتسبات القديمة والمنجزات الحديثة، وإنما على سبيل التزييف والمسخ بين "مساوئ القديم ومساوئ الحداثة".

فهو يأخذ من الشورى اسمها الخاوي ومن الديمقراطية شكلها الكاريكاتيري ويستبقي من الشرع الديني فكرة الحكم المطلق، فيحول النظام الديمقراطي إلى حكم شمولي ونظام فاشستي.

وبالإجمال فإن العرب، بعد مرور أكثر من قرن على رفع عناوين الاستنارة والتقدم لم يفلحوا في تحقيق إنجازات يعتدون بها أمام العالم، وهم يتهمون الغرب وأميركا بممارسة الهيمنة والفساد والعنصرية في حين أن هذه الآفات من أبجديات الثقافة العربية.

كما يدعون إلى رفض الإصلاحات من الخارج مع أنهم يعيشون على ما ينتجه الغرب وما يصدره لهم من منتجات مادية أو رمزية.. من الأفكار التي يدافعون بها عن هوياتهم إلى الأسلحة التي يدافعون بها عن أرضهم.

"
مشكلة العالم الإسلامي الأولى ليست مع الغرب، بل مع هويته وعجزه أو جهله وفقره، فهي التي تولد الهزائم والكوارث، تماما كما أن مشكلة الغرب الأولى ليست مع المسلمين بل مع ذاته ومركزيته وهواجسه
"
رهانات العقل التداولي
يصر المؤلف على مدار هذا الكتاب على أن الكلام حول صدام بين الحضارات لا معنى له لأن المجتمعات البشرية تعيش اليوم في فضاء حضارة عالمية واحدة وفعالة بموجتيها الصناعية والإلكترونية، بتقنياتها وشبكاتها وأسواقها، والكل يحاولون الاستفادة منها.

إنما هو –في نظره- صراع قديم بين الثقافات يتجدد بأشكاله ومعطياته، فقد يتخذ شكل صراع ديني أو لغوي أو صراع داخل المجتمع الواحد بين ثقافاته الفرعية.

ومنه يستخلص المؤلف أن مشكلة العالم الإسلامي الأولى ليست مع الغرب، بل مع هويته وعجزه أو جهله وفقره، فهي التي تولد الهزائم والكوارث، تماما كما أن مشكلة الغرب الأولى ليست مع المسلمين بل مع ذاته ومركزيته وهواجسه، فهي التي تستثير لدى الغير الكره والعداء.

هذا ما تفعله مقولة الصدام بين الإسلام والغرب.. إنها تطمس واقع الاعتماد المتبادل بين هذين العالمين، فالغرب لا ينفك يحتاج إلينا كموارد طبيعية أو كمواقع إستراتيجية أو كأسواق للاستهلاك.

وفي المقابل نحن لا نستغني عن سلعه ومنتجاته ولا عن أدواته وتقنياته.. إذن نحن إزاء عالمين يعتمد كلاهما على الآخر.

الأمر نفسه يقع بالنسبة للعلاقة الملتبسة والمزدوجة بيننا وبين الغرب، فهو يتهمنا بممارسة الإرهاب والاستبداد مع أنه طالما تعاون مع الحكومات الدكتاتورية، ويعيب علينا تخلفنا في حين أنه قد يكون الوجه الخفي لتقدمه.

أما نحن فنهاجم الغرب ونتحدث عن مظالمه ونرفضه لأننا عاجزون عن مضاهاته في أعمال الإنتاج والابتكار.

من هنا فإن الأجدى والأغنى ما دام الاعتماد المتبادل هو واقع العلاقة بين العالمين، أن تكون المعاملة قائمة على الشراكة والمداولة.

لا مراء في أن العالم لم يعد كما كان بعد ثورة الاتصالات والمعلومات، فنخن في عصر كوني جديد يظهر فيه على المسرح فاعلون جدد، أبرزهم العاملون في مجالات تقنية المعلومة، والإعلاميون الذين يشتغلون في إنتاج الصورة وصناعة المشهد.

عصر متعدد اللغات والمجالات فهو كوكبي لأنه يصدع الحواجز بين الدول والمجتمعات ويفتح الحدود بين البشر، الأمر الذي يحول الكرة الأرضية إلى سوق مالية واحدة وإلى قرية إعلامية مشتركة، بل وإلى مجال أمن واحد.

المؤلف لا يعتبر العولمة مجرد إمبريالية معاصرة أو هيمنة أميركية، ولا يراها كتأليه للسوق أو كتسليع للثقافة والعقول والأجساد كما يراها الكثير من المثقفين، وإنما يدعو إلى التعامل معها مفردة وظاهرة بصفتها ثمرة الطفرات والانفجارات والتحولات المتسارعة التي تضع المجتمعات البشرية أمام التحديات الجسيمة، فإن لم تحسن التعامل معها استحالت أزمات ومآزق.

وإذا كانت الولايات المتحدة تستغل العولمة لصالحها، فلا يعني ذلك أن نقف منها موقف الرفض والسلب، بل بالعكس إن ذلك يعني أن نستغل الفرصة كي نندرج في زماننا الكوكبي، ونسهم في صناعة العالم ومستقبل الأرض.

"
الرهان هو إعادة النظر في المشترك البشري السائد من القيم والمبادئ في ضوء الانهيارات والإخفاقات المتلاحقة، بحيث نسعى إلى التحرر من أثقال وقيود المقدسات والحتميات، والعمل على نقد المركزية البشرية وتفكيكها
"
وعلى الدول العربية العمل على قراءة المجريات وفهم التحولات، ما دامت تنخرط في الحداثة الفائقة ومعطياتها المتغيرة، غير أن ذلك يتطلب العمل على الذات وتغييرها بالتدرب على عقل جديد تتغير معه العقليات والمفاهيم والمعايير والمهمات.

وفي هذا السياق يندرج اجتهاد الأستاذ علي حرب -انطلاقا من ميدان عمله- عبر صيغة العقل التداولي، فهو عقلانية مركبة متحركة تفيد من علم التداول المعاصر ومن منهج التأويل العربي، وتأخذ بلغة التوسط والتسوية بقدر ما تشتغل بمنطق الخلق والابتكار.

فالكل فاعلون ومؤثرون في مجتمعهم وصنع عالمهم بما ينتجونه من حقائق، ما يعني السعي إلى كسر ثنائية النخبة والجمهور لفتح الأفق نحو تشكيل المجتمع التداولي.

وعلى الجميع إثبات جدارته الفكرية بإنتاج أفكار ومعارف ثمينة حول الواقع والعالم يمكن أن يفيد منها الآخرون في إطار مجالها التداولي على ساحة الفكر العالمي، أما المدارس والمذاهب والمناهج فإنها مجرد أطر وأدوات لتحقيق هذا المطلب الوجودي.

الرهان إذن هو إعادة النظر في المشترك البشري السائد من القيم والمبادئ في ضوء الانهيارات والإخفاقات المتلاحقة، بحيث نسعى إلى التحرر من أثقال وقيود المقدسات والحتميات، والعمل على نقد المركزية البشرية وتفكيكها، بطريقة تتيح تجديد أشكال المصداقية والمشروعية وتفتح فضاء جديدا لعمل بشري مشترك، نسيجه نظام من الوصل والفصل بين أمكنة العالم وأزمنته وثقافاته ودوله، لا ينفك يتجدد ويتغير اتساعا وغنى وتركيبا عبر عملية متواصلة من إعادة البناء والصياغة، لاجتراح بدائل وحلول تكون أقل كلفة وتسلطا وعنفا وخرابا.

المصدر : الجزيرة