إبراهيم غرايبة 
يعرض هذا الكتاب مجموعة من المحاضرات التي ألقاها أساتذة وباحثون استضافهم منتدى عبد الحميد شومان في العاصمة الأردنية عمان  برهان غليون ومحمد فائق وفهمي هويدي ومصطفى كامل السيد ووليد عبد الحي ومحمد السيد الكامل ومحمد الشاكر وطه عبد العليم والشاذلي العياري ومحمد الأرناؤوط).
 
- الكتاب: المتغيرات الدولية والأدوار الإقليمية الجديدة
- المؤلف: برهان غليون وآخرون    
- مراجعة وتقديم: علي محافظة
- الناشر: المؤسسه العربية للدراسات والنشر (بيروت) ومؤسسة عبد الحميد شومان (عمان)
- عدد الصفحات: 242
- الطبعة: الأولى/2005
وتدور محاضرات الكتاب حول ثلاثه محاور، الأحداث والتغيرات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، والبعد المعرفي في التوازنات الدوليه في القرن الـ21، وآثار المتغيرات الدوليه في خمسة من الأقاليم المهمة في العالم، هي أفريقيا وأميركا اللاتينية وروسيا وآسيا الوسطى وشبه جزيره البلقان.
 
المشهد العالمي المتشكل
مازال المشهد العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة يشغل المفكرين والباحثين، ويكتب في هذا المحور كل من برهان غليون وفهمي هويدي ووليد عبد الحي ومحمد إبراهيم الشاكر.
 
لقد كانت التحولات لغير صالح العرب والقضية الفلسطينية، ولكن من إبجابياتها تشكل وعي جماهيري يسعى للمشاركة السياسية، وقد سمحت حرب الخليج الثانيه للولايات المتحدة بأن تتحول إلى الدوله القائدة وإلى بناء نظام عالمي أحادي القطب، ولكن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 أظهرت هشاشة الأمن القومي الأميركي، فقد أمكن لمنظمات صغيرة أن تهدد هذا الأمن.

ولكن الأحداث أعطت الغطاء الشرعي للولايات المتحدة الأميركية لتحقيق جدول أعمالها والانتقال نحو نظام إمبريالي، ولتوطيد هذا النظام ظهرت فكرة الحرب على الإرهاب الذي لا يشمل إلا المنظمات العربية والإسلامية وما نتحمل عبأه الأساسي من تصفية كل جيوب المقاومة.

"
الشعوب العربية تشعر بأنها من دون قيادة، وأن الفرص لإقامة تكتل عربي يجد مكانا في الخريطة العالمية التي تتشكل اليوم تقضي عليها الأنظمة السياسية بغيابها الكبير عن الهموم والأولويات الوطنية والقومية
"
تعامل العرب مع انهيار الاتحاد السوفياتي باعتباره نصرا عربيا إلا أنه لم يكن كذلك على الإطلاق، بل كان ثغرة كبيرة في التوازن الدولي لم تكن لصالح العرب، والوضع العربي الحالي هو محصلة خسارات متعددة دبلوماسيا وإستراتيجيا، وتكمن المشكلة في الأنظمة السياسية العربية التي ما زالت بعيدة عن المصالح الوطنية لبلادها، فالشعوب العربية  تشعر بأنها من دون قيادة، وأن الفرص لإقامة تكتل عربي يجد مكانا في الخريطة العالمية التي تتشكل اليوم تقضى عليها الأنظمة السياسية بغيابها الكبير عن الهموم والأولويات الوطنية والقومية.

تبدو الولايات المتحدة الأميركية في هذا المشهد قد تحولت إلى إمبراطورية يقودها تيار يميني أصولي متطرف، وجاءت أحداث 11 سبتمبر لتوفر مناسبة وغطاء لتنفيذ خطط كانت معدة من قبل لتفكيك العالم العربي وإعادة تركيبه، وهناك محاوله أميركيه لعرض النموذج التركي، فهي دولة علمانية وحليفة لأميركا ومتعاونه مع الكيان الإسرائيلي، والمفارقة هنا أن أغلب الأنظمة العربية تعاملت مع مخططات التفكيك بانصياع شديد وتعاملت مع دعوات الإصلاح بمعاندة شديدة.

ولكن المشهد العربي الجديد أظهر نماذج من مقاومة الاحتلال والاستبداد مازالت على قدر من الأهمية والفاعلية تجعل فرص النهوض والتحرر والإصلاح ممكنة وواقعية.

ومن أهم ملامح المشهد العالمي الجديد تقدم القوى السياسية والمعارضة للولايات المتحدة الأميركية في بعض دول أميركا اللا تينية، وتعرض عملية اتخاذ القرار السياسي الأميركي  لحالة اختطاف، قام بها مجموعة من حوالي 30 شخصية يمثلون النواة المركزية لدائرة صنع القرار السياسي الأميركي، وتتركز برامجهم ومصالحهم في زيادة الإنفاق العسكري واستثمار  التفوق الأميركي الراهن في قمع الدول والمجتمعات بالقوة العسكرية، ومنع ظهور أي فرصة لنمو  قوة منافسة جديدة.

وتعبر عن هذه السياسية المطبقة اليوم وثيقة وضعت في البنتاغون عام 1992 بإشراف وولفويتز الذي عين فيما بعد نائبا لوزير الدفاع ثم رئيسا للبنك الدولي، وتشير الوثيقة إلى تطويق  روسيا ومنع الصين من تحقيق موقع إقليمي كمقدمة لموقع دولي، وتوسيع حلف الأطلسي إضافة إلى ضبط المحاولات الفرنسية الألمانية لتشكيل  محور مؤثر.
 
وهكذا فإن الولايات المتحدة والعالم بطبيعة الحال تقودها تركيبة من المحافظين الجدد والرأسمالية المتوحشة ونزعة عسكرية متعجلة ووساوس دينية في حالة تشبه التأزم الذي سبق الحرب العالمية الثانية، الذي بدأ  بتشكل تحالفات عسكرية ظهرت بوادرها في الحلف الفرنسي والكتلة العسكرية لروسيا مع ما يسمى بدول الجوار القريب.
 
ويقابل هذه الموجة الصعود الصيني وتنامي الآليات الرأسمالية في بنيتها الاقتصادية، وتحولات في بنية السلطة السياسية من الشكل الأيديولوجي إلى الشكل التكنوقراطي، وهناك تحول أيضا في شبكة العلاقات الدولية، ومع ذلك لا تعمل الصين على طرح نفسها قوة عالمية بل تسعى إلى تحقيق نتيجة محددة قوامها تأكيد الشخصية القومية داخليا، وضمان توفير مركز إقليمي متفوق.

ولذلك فإن الوطن العربي بحاجة إلى أن يطور علاقاته مع الصين، ولكن يجب ألا يراهن كثيرا على موقف صيني مؤثر قبل العام 2010.
 
لقد نشأت عن نظام القطب الواحد وتفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم مشكلات وأزمات كثيرة أدت بالعالم إلى حافة الهاوية، كما حدث في غزو العراق عام 2003 دون غطاء من الشرعية الدولية، وهناك من يرشح قوى جديدة صاعدة قد تنافس  الولايات المتحدة على القيادة أو تشاركها في ذلك، فيرشح جوزيف ناي الصين والهند واليابان، ولكنه يستبعد قدرتها على ذلك في المدى المنظور.

"
مشكلة التوازنات العالمية اليوم تكمن في الهيمنة الأميركية والتوجه الأميركي نحو عسكرة الإعلام والفضاء والطاقة والأقمار الصناعية وتكنولوجيا التصغير والهندسة الوراثية
"
البعد المعرفي في التوازنات العالمية

التوازنات العالمية هي العلاقات التي تربط بين منظومات اجتماعية متميزة، دولا كانت أو مجتمعات، وتمزج بين الأبعاد الجغرافية والأبعاد السياسية والتوازنات العالمية، هي في الواقع من فصيلة المنظومات التفاعلية المعقدة التي تحتكم إلى نظرية الفوضى أكثر منها إلى قانون التوازن.

لقد أصبحت المعرفة علوما تجريبية وتكنولوجيات رقمية، مخابر وشبكات وحاضنات أعمال وخدمات واستشارات وبراءات اختراع،وحقوق ملكية وتجارة إلكترونية وحكومات افتراضية.
والمعرفة في مفهومها الجديد تقوم على أربع دعامات أساسية، الدعامة المؤسسية والاقتصادية والمالية والتربوية والعلمية والتكنولوجية.
وفي العام 1990 توصل خبراء برنامج الأمم المتحدة للتنمية (UNDP) إلى صياغة "مؤشر التنمية التكنولوجية" وهو مركب من عناصر ثلاثة متداخلة، القدرة الإبداعية والقدرة التطبيقية والقدرة البشرية.

ومشكلة التوازنات العالمية اليوم تكمن في الهيمنة الأميركية والتوجه الأميركي نحو عسكرة الإعلام والفضاء والطاقة والأقمار الصناعية وتكنولوجيا التصغير والهندسة الوراثية والسعي الحثيث لتحقيق تفوق مطلق في القوة التدميرية للأسلحة التقليدية وغير التقليدية ومن ثم السيطرة الكلية على التوازنات الدولية.

وبالطبع فإن العالم في سعيه لإعادة  صياغة التوازنات العالمية يحتاج إلى إدماج الشعوب والأمم المتخلفة تقنيا ضمن دينمائية  تنموية مفتوحة على قيم التقدم والتحديث والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتسخير المعارف والعلوم والموارد المتاحة لصالح تنمية إنسانية عالمية مستدامة وتضامنية تنبذ العنف وتسعى لتحقيق السلم.
 
المتغيرات الدولية في الأقاليم الرئيسية من العالم
حدث في المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية الذي عقد في ديربن بجنوب أفريقيا قبيل أحداث الحادي عشر من سبنمبر/ أيلول بـ12 يوما تضامن عالمي للمطالبة بتعويض ضحايا الرق والاستعمار أسوة باليهود الذين حصلوا على تعويضات بسبب الاضطهاد الذي وقع بحقهم، وطالب العرب بالربط بين الصهيونية والعنصرية.
 
وبعد ذلك جاءت تداعيات 11 سبتمبر، فانعكست آثارها على العالم بأجمعه فأخذتها الولايات المتحدة ذريعة لها للتدخل  في العالم كله.
وكما استخدمت من قبل الإرهاب ذريعة للتدخل في الصومال، وقصفت مصنع الشفاء للأدوية في السودان بحجة أنه يتم فيه إنتاج أسلحة كيماوية، ولولا أنه تم اكتشاف النفط بكميات كبيرة في السودان لبقيت السودان تعتبر من قائمة  الدول التي ترعى الإرهاب، ولذلك سارعت أميركا لإنهاء الحرب الأهليه لتمهد لشركاتها استغلال النفط في مناخ من الأمن، وتدخلت في تنزانيا وكينيا بحجة محاربة الإرهاب، وكما قال أحد أساتذة العلوم الساسية في أفريقيا "إن حرب أميركا ضد الإرهاب يمكن أن تطولنا في أي مكان طالما بيننا مسلمون وعرب".
 
ولاستغلال ثروات أفريقيا وفرض التخلف على شعوبها ظهرت شركات الأمن الخاصة الأوروبية والإسرائيلية (التي لها صلات وثيقة بأجهزة المخابرات الأميركية والأوروبية) لتلعب دورا مهما في تنفيذ السياسات الجيوبولتيكية لتلك الدول بهدف دعم أنظمة معينة يستفاد منها اقتصاديا والاستمرار ببيع الأسلحة، وتم الكشف عن تدخل مثل هذه الشركات في  شؤون كل من أنغولا وسيراليون وغينيا.

"
تقدم دول أميركا اللاتينية تجربة مهمة للعرب لأنها كانت السباقة في الحصول على الاستقلال وتداول السلطة عن طريق صندوق الاقتراع مرات عديدة بينما لم يحصل ذلك بعد في أي بلد عربي
"
وتقدم دول أميركا اللاتينية تجربة مهمة للعرب، لأنها كانت السباقة في الحصول على الاستقلال وتداول السلطة عن طريق صندوق الاقتراع مرات عديدة، بينما لم يحصل ذلك بعد في أي بلد عربي.
 
ولكن هذه الدول تعاني من الأزمات الاقتصادية حينما حاولت الانتقال إلى إنتاج الآلات عن طريق التعاون مع الشركات الدولية، فقد اقتضت هذه السياسات والتحولات الاقتصادية الحصول على رؤوس أموال كبيرة، وكان هذا سببا في أزمة المديونية، ما أتاح الفرصة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتدخل في إعادة تشكيل نمط اقتصادي سياسي فيها، ووقعت اتفاقيات للتثبيت ثم للتكيف الهيكلي مع البنك والصندوق الدوليين.

إن التكيف الهيكلي الذي نحلم أن ننجح فيه هنا في المنطقة العربية ليس حلا سحريا لمشاكل الاقتصادات النامية، فالتكيف يعني التكيف مع المتغيرات الحاصلة في الاقتصاد العالمي والحد من دور الدولة في الاقتصاد والاعتماد بدرجة متزايدة على القطاع الخاص إضافة إلى استقدام رؤوس الاموال الاجنبية.
 
وقد يحقق هذا الأمر بعض النجاح، غير أن النجاح نفسه من الممكن أن يولد مشكلات أخرى، كما حصل في الأرجنتين التي طبقت تماما وصفة صندوق النقد الدولي، إلا أنها الآن تواجه أزمة هائلة مع أنها كانت مرشحة لأن تكون دولة متقدمة وتتمتع بحكم ديمقراطي، ولكن مستوى الفقر فيها يصل إلى60% من السكان والبطالة إلى 30%، ويعود ذلك إلى نمط النمو الذي اتبعته، إذ اعتمدت على اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية، صحيح أنها تؤدي إلى زيادة الإنتاج لكنها تؤدي إلى زيادة المدفوعات الخارجية على هيئة أرباح وخدمة لرؤوس الأموال هذه.
 
وتمثل الهند قوة إقليمية واعدة، فهي سابع دولة في العالم في المساحة، وثاني أكبر دولة في عدد السكان، وتمتلك مساحة واسعة من الأراضى الزراعية والقابلة للزراعة، وموارد طبيعية هائلة من الفحم والبوكسايت والحديد الخام، وموارد بشرية هائلة مدربة تدريبا عاليا، وصناعة متقدمة، وتكنولوجيا معلوماتية ونووية وفضائية متقدمة، وهي بلد ذو نظام سياسي ديمقراطي،
ولكنها تعاني من تحديات حقيقية وكبرى، منها تصاعد التيارات الأصولية وتصاعد الحركات الانفصالية وتدني المستوى الاقتصادي وسباق التسلح مع باكستان الذي يكلفها الكثير.
 
وبعد الحرب الهندية الباكستانية تبنت الهند دورا جديدا يقوم على فكرة أن الهند هي أكبر دولة في جنوب آسيا، وهي حامية وبانية التوازنات، وتسعى إلى تحديد التوجه الإستراتيجي الأساسي لدول جنوب آسيا، بل وتسعى الآن  إلى دور آسيوي، وتطمح إلى توظيف التحالفات العالمية كي تكون هي ركيزة التوازنات الآسيوية.
 
أما روسيا فقد مرت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بأزمات وتحولات كبرى، فقد استقلت الجمهوريات الإسلامية وغيرها، وامتد حلف الأطلسي إلى الشرق متوغلا في مناطقها، وتحولت إلى دولة مأزومة هشة التكوين متعددة الأعراق والقوميات، ولكنها بقيت بعد كل عمليات التفكيك والانهيار قوة عسكرية ونووية هائلة.

وتشغل روسيا موقعا في الدول السبع الصناعية، ولكن صادراتها قليلة جدا بالنسبة للولايات المتحدة، وبدأ اللوبي الإسرائيلي بالسيطرة على كثير من مفاصل السياسة والإعلام والاقتصاد، ولكن الجمهوريات الإسلامية المستقلة تمثل باستقلالها رصيدا إستراتيجيا للموقف العربي والإسلامي.

وأعادت الحرب الإقليمية في البلقان عام 1991 المنطقة إلى مبتدأ أزمتها قبل الحرب العالمية الأولى والتنانفس الأيديولوجي والقومي والإثني، وتعرض المسلمون في البوسنة وكوسوفا لمجازر تطهير عرقي، ولكن المنطقة بدأت تندمج في أوروبا بمفهومها الواسع وتتخلى عن مفهوم الدولة القومية الإثنية.

المصدر : الجزيرة