عرض/علاء بيومي
كتاب "فشل بناء الأمم الديمقراطية: الأيديولوجيا تقابل التطور" هدفه الرئيسي هو نقد سياسة بناء الأمم الديمقراطية التي تتبعها أميركا في العراق وأفغانستان وتصويرها على أنها سياسة غير منطقية لأسباب فكرية وعملية مختلفة.

- الكتاب: فشل بناء الأمم الديمقراطية
- المؤلف: ألبرت سوميت وستيفين بيترسون
- عدد الصفحات: 176
- الناشر: بالغرايف ماكميلان/نيويورك
- الطبعة: الأولى/2005

الداروينية الجديدة
على الجانب الفكري ينطلق الكتاب من النظرية الداروينية الجديدة الخاصة بالنشوء والتطور، حيث يؤكد مؤلفا الكتاب في مقدمته أنهما لا يسعيان لإقناع القراء بنظرية الداروينية الجديدة أو حتى شرحها لهم، لأن هدفهما الأساسي ينحصر في استخدام الداروينية الجديدة كإطار فلسفي يشرح الطبيعة البشرية ومسار تطور التاريخ.

وخلاصة النظرية -كما تناولها الكتاب في فصله الثاني- أن الإنسان كأرقى الحيوانات الثديية مازال يمتلك بعض الخصائص الحيوانية، وهي خصائص تحكمها بيولوجية الإنسان بشكل يستحيل التخلص منه.

وعلى رأس تلك الخصائص ميل الإنسان للعيش في مجتمعات هيراركية بحكم ندرة الموارد مقارنة بعدد البشر، مما يجعل الصراع على السيطرة على الموارد أمر طبيعي خاصة وأن هذا الصراع يؤدي إلى فرز المجتمعات، إذ ينتصر القوي ويبقى وينهزم الضعيف فينقرض، مما يضمن بقاء سلالة بشرية أقوى وأصلح للبقاء.

وترتبط بالهيراركية خاصية أخرى رئيسية هي ميل البشر إلى طاعة أصحاب السلطة، حيث يرى المؤلفان أن الصراع على الموارد داخل المجتمعات يحدث في أغلب الأحيان دون اللجوء للعنف، إذ يكفي التهديد باستخدام القوة لإقناع البشر بطاعة أصحاب السلطة، وبذلك يضمن القوي والضعيف عدم تبديد طاقتيهما في صراعات عنيفة.

ومن هذا المنطلق يرى الكتاب أن الطبيعة البشرية ذاتها أميل للعيش في مجتمعات سلطوية، أما المجتمعات الديمقراطية فهي الاستثناء وليست الأصل، وهي تحدث في لحظات نادرة عبر التاريخ تنتصر فيها معتقدات الأفراد على غرائزهم.

لذا تعد النظم الديمقراطية قليلة نادرة عبر التاريخ البشري، وسوف تبقى كذالك.

"
حكم الأغلبية يتحقق من خلال انتخابات حرة مباشرة مع وجود رقابة متبادلة بين السلطات والتداول السلمي للسلطة بشكل سلس لفترة زمنية كافية تقدر بعقدين من الزمان
"
تعريف الديمقراطية
يتميز الكتاب بتسلسل منطقي في تنظيم فصوله وأفكاره، كما يتميز أيضا بسهولة هذه الأفكار وعدم ميلها للتعقيد، فالكتاب بمثابة حجة طويلة تلخص عددا كبيرا من الكتابات والأفكار التي تصب في هدف الكتاب الرافض لسياسة بناء الأمم الديمقراطية.

وكل فصل يقود تدريجيا ومنطقيا للفصل الذي يليه ومن ثم لهدف الكتاب الرامي إلى إثبات أن سياسة بناء الأمم الديمقراطية التي تتبعها الإدارة الأميركية غير منطقية فلسفيا وعمليا.

لذا يتعرض الفصل الثالث لتعريف الديمقراطية من خلال مناقشة عدد من التعريفات الشائعة، وهنا نلاحظ أن مؤلفا الكتاب لا يقدمان حججا أو معلومات أو دلائل جديدة بقدر تركيزهما على تلخيص أكبر عدد من الدراسات الموجودة والتي تصب في مصلحة حجتيهما.

وفي نهاية الفصل يلخص المؤلفان مقومات الديمقراطية في دعامتين أساسيتين، هما حكم الأغلبية وحكم القانون.

حكم الأغلبية يتحقق من خلال انتخابات حرة مباشرة تضمن انتخاب حكومة تمثل الشعب على أن يتم الفصل بين السلطات المختلفة مع وجود رقابة متبادلة بينها والقدرة على محاسبة المؤسسات الحكومية، هذا إضافة إلى التداول السلمي للسلطة داخل البلد الديمقراطي بشكل سلس لفترة زمنية كافية قدرها المؤلفان بعقدين من الزمان.

أما بالنسبة لحكم القانون فهو يتحقق من خلال صياغة دستور وقوانين مدنية تحمي حرية المواطنين من التدخل التعسفي للسلطة، كما تحمي حقوقهم المدنية عند التعامل مع بعضهم البعض، على أن تمنح السلطة القضائية والهيئات التنفيذية السلطة المناسبة لتنفيذ القوانين دون التعسف في تنفيذها.

"
عملية بناء الأمم الديمقراطية تهدف إلى توحيد أبناء الدولة حول روابط ثقافية واجتماعية وتاريخية تربطهم كأمة، وذلك كمقدمة لنشر الديمقراطية
"
متطلبات بناء الأمم الديمقراطية
يتناول الكتاب في فصليه الرابع والخامس متطلبات بناء الأمم الديمقراطية التي يقسمها المؤلفان إلى فئتين أساسيتين.

أولاهما فئة الشروط الإجرائية الواجب توفرها في الدولة المستقبلة للديمقراطية والدولة المصدرة لها، أما الثانية فهي فئة الظروف العامة المؤهلة لدولة ما للتحول إلى الديمقراطية والتي يساعد وجودها في الدولة على إنجاح مهمة تحويلها إلى الديمقراطية.

وفي بداية الفصل الرابع يفرق المؤلفان بين عملية بناء الدولة من ناحية وعملية بناء الأمم الديمقراطية من ناحية أخرى، فعملية بناء الدولة يجب أن تسبق عمليه بناء الديمقراطية في أي دولة، وذلك لأن بناء الدولة يركز على بناء مؤسسات الدولة الضرورية كالجيش والشرطة والمحاكم والبنوك المركزية ووكالات جمع الضرائب والصحة والتعليم وغير ذلك من المؤسسات الضرورية في أي دولة لكي تنعم بقدر مناسب من الأمن والاستقرار حتى ولو كانت تحت حكم ديكتاتوري.

أما عملية بناء الأمم الديمقراطية فهي تهدف إلى توحيد أبناء الدولة حول روابط ثقافية واجتماعية وتاريخية تربطهم كأمة، وذلك كمقدمة لنشر الديمقراطية في تلك الدولة عن طريق استبدال النظام الديكتاتوري الحاكم بنظام ديمقراطي يتمتع بمقومات الديمقراطية أي حكم الأغلبية وحكم القانون.

وفي حالة تعطل مؤسسات الدولة بسبب الحروب والصراعات كما هو الحال في العراق حاليا، تمثل عملية بناء الأمم الديمقراطية تحديا بالغ الصعوبة.

وفيما يتعلق بالشروط الإجرائية الواجب توفرها في الدولة المستقبلة للديمقراطية فيلخصها المؤلفان في سبعة شروط أساسية، من بينها سرعة عودة النظام والأمن بعد إسقاط النظام الديكتاتوري وحياد الدولة المصدرة للديمقراطية وتعاملها بتواضع مع جميع أطراف الصراع الدائر بالدولة الهدف، وإبعاد جميع العناصر المساندة للنظام القديم عن السلطة.

ومن بينها دعم مشاريع البنية التحتية، وبناء قواعد عمل واضحة لدور الجيش في الحياة المدنية، وتشكيل لجان استشارية من أبناء الدولة المستقبلة للديمقراطية كنواة للحكومة الجديدة الديمقراطية.

أما الدولة المصدرة للديمقراطية -أميركا- فيجب أن يتوفر فيها تسعة شروط إجرائية رئيسية، من بينها الرغبة في استثمار موارد بشرية واقتصادية كافية لبناء الديمقراطية في البلد المستهدف، والرغبة في الحفاظ على وجود عسكري ومدني كاف بالدولة الهدف لفترة كافية للحفاظ على النظام ولضمان التحول السلمي للسلطة.

ومنها كذلك الالتزام بخفض ضحايا صراعات ما بعد تغير النظام المستبد، واحترام ثقافة البلد المستهدف، والعمل على بناء البنية التحتية بذلك البلد، والفهم العميق لأسباب الصراعات التاريخية الإثنية والعرقية والدينية التي قد يعاني منها البلد المستهدف، وفهم ومراعاة مصالح الدول الخارجية والجماعات الداخلية بذلك البلد.

"
تجربتا بناء الديمقراطية في العراق وأفغانستان أقرب إلى الفشل منهما إلى النجاح إذا ما قورنتا بمحاولات أخرى خاضتها أميركا لنشر الديمقراطية في العالم
"
الشروط المؤهلة لبناء الأمم الديمقراطية
يرى المؤلفان أن توفر الشروط الإجرائية السابقة في الدولة المستقبلة للديمقراطية والدولة المصدرة لها ليس كافيا لنجاح عملية تحويل الدولة المستهدفة للديمقراطية، إذ يجب أن يتوفر في تلك الدولة عدد من الظروف "المؤهلة" للتحول الديمقراطي.

أول هذه الظروف هو وجود نظام حكم قادر على القيام بوظائف الدولة الأساسية بالدولة، وذلك مثل الحفاظ على الأمن والنظام وحماية البنية التحتية وتقديم الخدمات الرئيسية كالصحة والتعليم.

الشرط الثاني هو تمتع الدولة المستقبلة للديمقراطية بمستوى مناسب من الرخاء الاقتصادي، حيث يرى مؤلفا الدراسة أن الشعوب الفقيرة تفضل لقمة العيش على الديمقراطية، كما أن الفقر يفقد الشعوب الأمل في المستقبل والرغبة في التضحية من أجل الديمقراطية.

الشرط الثالث هو تمتع أبناء الدولة الهدف بمستوى مناسب من التعليم بما يمكنهم من الوعي بالعملية الديمقراطية وممارستها.

أما الشرط الرابع فهو توفر ظروف سياسية مناسبة مثل قدر مناسب من الحريات المدنية والفصل بين الجيش والحياة المدنية ووجود نخب وطنية مساندة للديمقراطية ووجود رغبة شعبية في التحول نحو الديمقراطية.

ويرى مؤلفا الدراسة أن الديمقراطية لا تزرع، كما أن الديمقراطية احتاجت لعقود طويلة من الكفاح لكي تتطور بالمجتمعات الغربية ذاتها.

على الجانب الآخر يرصد الكتاب عددا من الظروف المحبطة للديمقراطية إذا توفرت بدولة ما باتت بمثابة عوائق قوية تحول دون تحول تلك الدولة إلى الديمقراطية.

وعلى رأس تلك الشروط وجود تاريخ من الصراعات الدينية أو العرقية أو القبلية أو العنصرية بالدولة المستقبلة للديمقراطية، حيث يرى المؤلفان أن وجود أي نوع من تلك الصراعات الخطيرة يعيق بناء الأمم الديمقراطية بشكل كبير.

وفي نهاية الفصل الخامس يطبق المؤلفان الشروط السابقة على العراق وأفغانستان، حيث يتوصلان إلى أن الشروط السابقة تتوفر في العراق أكثر منها في أفغانستان وخاصة فيما يتعلق برغبة أميركا في استثمار موارد كافية لإعادة بناء العراق، ولكنهما يؤكدان أيضا أن تجربتي بناء الديمقراطية في العراق وأفغانستان هما أقرب إلى الفشل منهما إلى النجاح إذا قورنتا بمحاولات أخرى خاضتها أميركا لنشر الديمقراطية في العالم منذ عام 1945.

"
مشاكل الاقتصاد الأميركي وبرامج الرعاية الصحية والتعليم كانت أولى بالعلاج لعلها تساعد على حماية الديمقراطية الأميركية بدلا من تبديد موارد أميركا في مغامرات محكوم عليها بالفشل لنشر الديمقراطية في العالم
"
الديمقراطية الأميركية أولى
في الفصل السادس يؤكد المؤلفان أن الدول الديمقراطية أقلية بين دول العالم، إذ أن نسبتها لا تتعدى -وفقا لدراسات مختلفة يرصدها الكتاب- ثلث دول العالم، وهي حجة إضافية من شأنها ثني أميركا عن رغبتها في نشر الديمقراطية في العالم.

أما الفصل السابع فهو أحد أكثر فصول الدراسة تميزا إذ يتحدث عن تكاليف بناء الديمقراطية بالنسبة لأميركا منذ عام 1945، فيشير الكتاب على سبيل المثال إلى أن أميركا أنفقت منذ عام 1947 وحتى عام 1990 أكثر من ترليون دولار أميركي على مشاريع التنمية الدولية والمساعدات الإنسانية، وهي أموال طائلة كان يمكن إنفاقها لتحسين الظروف المعيشية بأميركا نفسها.

أما بالنسبة للفترة الحالية فيتحدث المؤلفان عن التكاليف الاقتصادية التي تتحملها أميركا إضافة إلى الخسائر في أرواح الجنود الأميركيين والمدنيين العراقيين والأفغان الذين لقوا مصرعهم منذ نشوب حربي العراق وأفغانستان مقابل فرصة يصفها المؤلفان بأنها "ضعيفة جدا" لنشر الديمقراطية بالبلدين.

وهنا يبدأ المؤلفان في الحديث عن مكاسب وخسائر أميركا نفسها من الحربين، فعلى صعيد المكاسب يقول المؤلف إن نجاح أميركا في إسقاط نظام طالبان ونظام صدام حسين بسرعة فائقة أظهر للعالم قوة الجيش الأميركي، كما أن الجدل السياسي الكبير الذي قادت إليه حرب العراق في انتخابات عام 2004 الرئاسية أثرى الحياة السياسية الأميركية.

على الجانب الآخر ألحقت جهود أميركا لنشر الديمقراطية في العراق وأفغانستان خسائر داخلية كثيرة بأميركا، بما في ذلك أرواح الجنود الأميركيين الذي قتلوا بالبلدين، وتكاليف الحربين التي يصعب تقديرها بشكل محدد وإن كانت تحصى بمئات البلايين، إضافة إلى كشف عيوب النظام السياسي الأميركي وعلى رأسها التحزب الحزبي الذي يضعف من الجدل العقلاني المحايد حول جدوى السياسات، وزيادة حالة الاحتقان الحزبي داخل واشنطن بسبب سياسات الرئيس جورج دبليو بوش.

هذا إضافة إلى تحويل اهتمام الشعب الأميركي بعيدا عن مشاكل داخلية خطيرة كمشاكل الاقتصاد الأميركي وبرامج الرعاية الصحية والتعليم وعيوب الديمقراطية الأميركية والإعلام الأميركي.

وهنا يرى المؤلفان أن هذه المشكلات كانت أولى بالعلاج لعلها تساعد على حماية الديمقراطية الأميركية بدلا من تبديد موارد أميركا في مغامرات محكوم عليها بالفشل لنشر الديمقراطية في العالم.

المصدر : الجزيرة