عرض/حسن السرات
ما كان للعالم أن يعرف عائشة الوافي لو لم تقع أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، فهذه الأحداث نقلتها من ظلمات الإعلام إلى أضوائه، ومن ظله إلى حروره.

أضواء وحرور ظلت فيهما، ولا تزال، منذ تلك التفجيرات بسبب اتهام ولدها زكريا الموسوي بالتورط فيها، ثم تقديمه للمحاكمة في مسلسل ممتلئ باللحظات المتوترة، استغرق سنوات، وإن قصرت مقارنة مع عمر عائشة الوافي، إلا أنها هي الأطول والأشد قسوة ولوعة.

وعلى طريقة "الفلاش باك"، يجعل كتابها "ولدي المفقود" أحداث 11 سبتمبر/ أيلول نقطة البدء في الحديث، لتعود الوالدة المفجوعة إلى أحداث طفولتها المغتصبة وزواجها القسري وحياتها الزوجية الشقية كمقدمات للفاجعة الكبرى.

- الكتاب: ولدي المفقود
- المؤلفة: عائشة الوافي
- عدد الصفحات: 245
- الناشر: دار بلون، باريس
- الطبعة: الأولى، سبتمبر 2006

أأنت فعلت هذا يا زكريا؟
لم تصدق عائشة الوافي بنتها جميلة وهي تخبرها أن الإعلام الدولي يتحدث بعد يومين من 11 سبتمبر/ أيلول 2001 عن مشاركة زكريا الموسوي، ثاني الذكرين من أولاد عائشة الوافي، في الإعداد للهجوم الانتحاري والمشاركة غير المباشرة فيه.

وعندما رأت صورته على شاشات التلفزيون شعرت كأن لكمة تزن طنا تصوب إلى بطنها، فتفقد على أثرها القدرة على التنفس.

تسقط على ركبتيها ضاربة رأسها بيديها وهي تردد "هذا غير ممكن". تتذكر أنها بكت، بالأمس فقط، الضحايا الأبرياء للعمل الهمجي، فإذا بها اليوم تعلم أن ابنها واحد من القتلة المجرمين.

تنهض بصعوبة لتمسك صورة كبيرة لابنها ذي العشرين عاما وتسأل "أأنت فعلت هذا؟ قل لي يا زكريا إن هذا غير صحيح.. ماذا فعلت يا زكريا؟ كيف يعقل أن يكون ابني الذي حملته وأحببته واحتضنته طيلة سنوات، مشاركا في هذه الهمجية الظلماء؟".

يتوقف الزمن، ولا تبرح عائشة مكانها على الأرض ملقاة تصرخ من شدة الخوف والألم. "في بضع ثوان، تستعرض الأم حياتها أمام عينيها: "بعد سنوات من الصراع والمواجهة، ظننت أني استطعت حماية أسرتي من الكراهية والحقد، ومن العنف والظلامية، غير أن هذا الهاجس الذي ظننت أنه قد ولى، أحكم ملاحقتي حتى أمسك بي".

بين يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001، حين انهدت الأرض من تحت عائشة الوافي ويوم 4 مايو/ أيار 2006، حين صدر الحكم بالمؤبد على ولدها.

ولا تكف الوالدة عن الدفاع عن ولدها، ولا تكاد تعثر على لحظات ضاحكة مستبشرة في مسار حياتها العامر بالآلام والكدمات منذ الطفولة المبكرة في المغرب إلى الكهولة المتعبة في فرنسا. ما عرفت من الحرية إلا نسيما عابرا مر كأن لم يكن.

طريق الحرية الطويل
ولدت عائشة الوافي بمدينة أزرو في جبال الأطلس المغربية، بينما ولد ابنها زكريا الموسوي في فرنسا، وبين ولادة الأم وولادة الابن رحلة طويلة من البؤس والعذاب ترويها عائشة في فصول من المرارة والأسى.

عائشة الوافي نموذج لكثير من النساء المغربيات والعربيات والمسلمات اللاتي هاجرن مع أزواجهن من عالم التخلف والأمية والجهل والاستبداد، إلى عالم التقدم والمعرفة والديمقراطية والحقوق، فوقعت الصدمة بين العالمين بما في الصدام من ضحايا وآلام.

"
تكشف عائشة عن مكانة الدين في حياة أسرتها، فتعترف بأنها لم تضغط على أبنائها ليتبعوا الإسلام أو المسيحية، إذ إن القرآن والإنجيل كانا جنبا إلى جنب في بيتها
"
تفتح عينيها وسط مجتمع ذكوري يؤمن بامتلاك المرأة روحا وجسدا، لا حق لها في العلم والتعلم، ولا في الاستمتاع بالطفولة، تقع تحت وصاية أخيها ثم تكره على الزواج من عمر الموسوي لتستمر الوصاية والحجر، مع عنف لا تنتهي ألوانه وأشكاله حتى يشرف على التصفية الجسدية مرات ومرات، دون أن تنبس بشفة، ولا أن تجد من يحميها.

تلتحق بزوجها الأجير في فرنسا، فتذوق من صنوف القهر ما يجعل المجتمع الفرنسي والسلطات الفرنسية تعمل جاهدة على إنقاذها من وحشية الزوج المدمن، مع بناتها الثلاث وابنيها زكريا وعبد الصمد، ثم يقضون على أميتها ويساعدونها حتى تصير موظفة.

تتوقف عائشة الوافي لتقارن بين ما وجدته في فرنسا من مساعدة وعناية وما عاشته في المغرب من ظلم وإذلال، فتقول بكل فرح وسعادة "أنا الفتاة الأمية التي تخلت عنها أسرتها لرجل مدمن وعنيف، ها أنذي موظفة في الجمهورية الفرنسية".

انقلاب زكريا
تحصل عائشة على الطلاق من عمر الموسوي بعد جهد جهيد، ولكنه يظل ينغص عليها حياتها، ويؤلب الأبناء على أمهم، فينجح في ذلك رغم شهودهم عدة مرات على وحشيته واستعداده للقتل.

يتبعون خطوات الغواية والانحراف فينجرفون إلى اللهو والخمر والجنس، والأم عاجزة عن الإنقاذ، بل إنها انقلبت في أعينهم إلى عدو لدود.

تكشف عائشة عن مكانة الدين في حياة أسرتها، فتعترف أنها لم تضغط على أبنائها ليتبعوا الإسلام أو المسيحية، إذ إن القرآن والإنجيل كانا جنبا إلى جنب في بيتها.

وتحدثنا أن جدها كان إمام مسجد، وأن أفراد أسرتها كانوا مطبقين لشعائر الإسلام، لكنهم لم يفرضوا عليها الصلاة رغم أنهم فرضوا عليها أشياء أخرى.

في نصف الكتاب تقريبا، يبدأ التركيز على زكريا، فتحيطنا أمه علما بأنه صاحب فتاة فرنسية مدة ست سنوات، لكنه فارقها حين أهانه أبوها بسبب بشرته السمراء.

يتنكر زكريا لأمه وأخيه عبد الصمد، ويسيء معاملتها إساءة بالغة، وتزداد الإساءة حتى تضطر الأم إلى طردهم من منزلها ذات يوم.

تلاحظ عائشة الوافي أن ولدها زكريا بدأ يتغير بعد أن غادر فرنسا لمتابعة دراساته في إنجلترا، إذ بدأ يصلي في المسجد، وجاءها طالبا منها السماح والعفو عما فعل لها، ثم طلب منها أن تخيط له لباسا مغربيا تقليديا للصلاة، وبين الفينة والأخرى كان يكلمها هاتفيا.

في البداية تلقت هذا التغيير بابتهاج صامت، و"أقواله أحيت حرارة القلب" على حد قولها.

تعلم العربية وسافر إلى باكستان وأرسل لها كتابا بالعربية من هناك، وقضى في المغرب مدة قصيرة دون علمها عند أسرة أمه، لكنه فر بجلده دون أن يخبر أحدا مخافة أن يزوجوه بمغربية.

لكن القلق أخذ يساورها عندما بدأت الاستخبارات الفرنسية تتابع خطواته وتستفسر أمه عنه، خاصة عندما علمت من أفراد المخابرات أنه سافر إلى الشيشان ثم إلى الولايات المتحدة الأميركية في ربيع سنة 2001.

رسالة تغير كل شيء
عندما تلقي السلطات الأميركية القبض على زكريا الموسوي تتسارع الاتهامات ضده وتتلقفها الصحافة الدولية، وتجد والدته نفسها تخرج فجأة من عالم المجاهيل إلى عالم المشاهير، ويا له من عالم هذا الذي أخرجت إليه دون سابق علم.

لا يطمئن لها بال حتى تصلها رسالة طويلة من ولدها المعتقل يؤكد لها فيها أنه بريء، وسيثبت ذلك في الوقت المناسب، ويعدها وعدا حسنا.

تعيد الأم قراءة الرسالة عدة مرات حتى تتعب عيناها ثم تعانقها وتعانقها، "أشعر، مع كل هذا بنوع من القلق، كما تقول معلقة، من كثرة تكرار اسم الله والرسول في الرسالة. غير أنها مع ذلك تغير كل شيء: فولدي زكريا بريء، وهذا ما أومن به".

"
أول شيء غيرته الرسالة التي وصلتها من ولدها بعد اعتقاله هو حال عائشة الموسوي وقرارها بالوقوف إلى جانب ولدها ومواجهة صحافة العالم التي تدفقت عليها من كل أرجاء الدنيا
"
أول شيء غيرته الرسالة هو حال عائشة الموسوي وقرارها بالوقوف إلى جانب ولدها، ومواجهة صحافة العالم التي تدفقت عليها من كل أرجاء الدنيا.

تقول واصفة هذا التغير "هذه الرسالة أخرجتني من حالة الشلل، يجب أن أفعل كل شيء لمساعدة زكريا واحترام حقوقه. في هذا الصباح فقط كنت منهارة، بلا رد فعل، والآن أشعر أن لدي من القوة ما أحمل به الجبال.

إن ولدي متهم بالمشاركة في ما سيبقى أسوأ المآسي في بداية هذا القرن، ولا أريد أن يصاحب هذه الفظاعة ظلم مبين.. وسوف أقاتل بكل ما أوتيت من طاقة لإظهار الحقيقة حتى آخر نفس من حياتي".

أم الإرهابي
تنهض والدة زكريا وتصمم العزم للدفاع وحدها عن ولدها، وترفض عروض كثير من المحامين الباحثين عن الشهرة، لكنها في النهاية تقبل عرض المحامية روكس.

ترافقها المحامية إلى مقر وزارة الدفاع للاستفسار والاحتجاج عن إحجام الحكومة الفرنسية عن الاهتمام بمواطن فرنسي معتقل في الولايات المتحدة، ثم تمتطيان الطائرة رفقة فريق إعلامي عريض نحو واشنطن، وعند النزول يجدون جيشا من الصحافيين في انتظار رؤية "أم الإرهابي" وندوتها الصحفية الأولى غير المرتقبة، "فكيف أفلح في مواجهة كل هؤلاء الذين ينتظرون الكلمات الأولى من "أم الإرهابي"، كيف ينبغي تجنب حيلهم؟ شعرت كأنني ألقيت نفسي في فم الوحش".

تدرك لأول الأمر أن الأميركيين على العموم، والصحافيين على الخصوص، ينظرون إليها على أنها "أم الإرهابي"، وتتأهب لمحو ذلك، وعندما نظرت إلى وجوه القوم لاحظت أنهم استرخوا بعد توتر، فأبصرت أنها أفلحت في تغيير صورتها في الندوة مجيبة عن الأسئلة بحذر وعفوية الأم.

ومثل تكسر النصال على النصال فوق ظهر المتنبي، لا تفقد عائشة الوافي ولدها زكريا فحسب، بل تفقد أيضا الولد الآخر عبد الصمد عندما "اعتنق هو الآخر الإسلام، وانحاز إلى جماعة مضادة لجماعة أخيه" بعد أن غادر المنزل متزوجا ببنت خاله التي جاءت من المغرب.

وما اكتفى عبد الصمد بهذا، بل أخذ يكيل التهم لزكريا ويوزع التصريحات على وسائل الإعلام.

وحيدة دون سند
كما عاشت وحيدة في زواجها، وفي بؤسها مع زوجها، ومع أبنائها الأربعة بعد الانفصال، تعلن عائشة الوافي أنها خاضت معركة إنقاذ ولدها دون سند ولا دعم.

حتى الأسرة العريضة بالمغرب خاب ظنها فيها، وتخلت عنها كما فعلت بها من قبل.

تنعى والدة زكريا الموسوي "ولدها المفقود"، ومع ذلك لا تفقد بصيصا من الأمل في إمكان خروجه وعودته إلى أحضانها رغم الحكم عليه بالسجن مدى الحياة.

كانت تتوقع أن يعدم فينقطع الأمل، فإذا بهذا الحكم يحيي الأمل رغم أنه يضاعف من الألم، على الأقل فيه كلمة الحياة كما تقول "في أعماقي كان شيء ما يدفعني لأن أتمنى الحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ففي هذا التعبير توجد على الأقل كلمة الحياة. لم أستطع مدافعة الأمل في أن يتخلص ولدي من شياطينه داخل الزنزانة".

"
ليس لي كلمات أقسى من هذه لتقييم أفكار ولدي، غير أني لن أكون محقة إذا ما تركته وحيدا، ففي مكنون صدري، مثل كل الأمهات، أعرف أن شعاعا رقيقا من الإنسانية يومض في نفس ولدي، ومعركتي المستمرة هي أن أخرجه من الظلمات
"
تعترف عائشة الوافي أنها ما بحثت قط عن تهوين دور ولدها زكريا، ولا أنكرت انتماءه لتنظيم القاعدة أو أحلامه في الجهاد، وما كانت أفكاره ولن تكون هي أفكارها أبدا، "فالإسلام الذي أومن به، على حد قولها، هو قبل كل شيء رسالة سلم وأخوة".

وينتهي الكتاب بكلمات تكشف معاناة الأم الراغبة في تخليص ولدها من كل شيء، مقرة بأنه مذنب وضحية: "ليس لي كلمات أقسى من هذه لتقييم أفكار ولدي، غير أني لن أكون محقة إذا ما تركته وحيدا".

"الحق يقال، في مكنون صدري، مثل كل الأمهات، أعرف أن شعاعا رقيقا من الإنسانية يومض في نفس ولدي، ومعركتي المستمرة هي أن أخرجه من الظلمات التي سجن فيها، وإعادته إلى أحضاني".

حيرة وتمزق
عندما ينتهي القارئ من متابعة هذه الفصول الغاصة بالتوتر والفياضة بالمعاناة والألم، يدرك أن عائشة الوافي، هي قبل كل شيء أم، فالأمومة تقطر في جميع سطور "ولدي المفقود".

ولكنها أم حائرة وممزقة بين ثقافتين، ثقافة مغربية تقليدية وجامدة، وثقافة فرنسية حداثية، تبدي إعجابها بها دون تحفظ، وتبدي كراهيتها لثقافة مجتمعها الأصلي دون هوادة، وتحمل المجتمع وزر ما عانته مع أسرتها ومع ولدها القابع في أقسى سجون الولايات المتحدة الأميركية.

وعندما تتحدث عن الإسلام تبدي كثيرا من المخاوف والتوجسات لتأكيد وجود مسافة بينها وبين حركات الإحياء الإسلامي.

وعلى كل حال، ليس الإسلام شريكا في معاناتها، إذ ما كان زوجها مسلما ملتزما في يوم من الأيام، وهل يكون الزوج المدمن الوحشي الهمجي الجاهل مسلما.

المصدر : الجزيرة