عرض/إبراهيم غرايبة
يقرأ المؤلف في هذا الكتاب الرواية التوراتية لاحتلال أرض كنعان باختبارها ومحاكمتها إلى علم الآثار، وهو اختبار مهم، لأن الرواية التوراتية هذه هي التي تشكل أساسا عقائديا لإنشاء دولة إسرائيل في منتصف القرن العشرين.

والدكتور محمود أبو طالب من العلماء العرب المهمين في حقل التاريخ القديم وعلوم الآثار، وقد نشر عددا كبيرا من الدراسات معظمها باللغة الإنجليزية في دوريات علمية متخصصة، ثم جمع مؤخرا عددا من هذه الدراسات وترجمها الدكتور عمر الغول في كتاب "من السلط إلى القدس".

وقدم أبو طالب في هذا الكتاب إضافات علمية مفاجئة للمثقفين غير المتخصصين على الأقل، وتتحدى الفكرة التاريخية السائدة، مستعينا بمعرفته الواسعة بالمصادر اللغوية والتاريخية والأثرية للشرق الأدنى.

وقد استخدم منهجا تحليليا نقديا موضوعيا لمذاهب ودراسات المستشرقين في فهم تاريخ الأردن وفلسطين، مبينا ما وقعت فيه مناهجهم ودراساتهم من خلل في إسقاطها للنصر التوراتي على فهم تاريخ المنطقة ما أفقدها الرؤية الموضوعية.

- الكتاب: من السلط إلى القدس
- المؤلف: محمود أبو طالب
- المترجم: عمر الغول
- عدد الصفحات: 306
- الناشر: المقتبس، عمّان
- الطبعة: الأولى/2006

إسرائيل المتوهمة!
تقول الرواية التوراتية إن بني إسرائيل قد هاجروا من مصر إلى الأردن وفلسطين في الفترة الزمنية التي تعود إلى 1250 عاما قبل الميلاد، ويفترض أنهم حسب الرواية قد دخلوا في صراعات وتحالفات مع الممالك القائمة، كالمؤابيين والأدوميين والعمونيين.

ولكن التنقيبات والمسوحات الأثرية التي جرت في المنطقة على مدى 100 عام أو أكثر لا تشير إلى أي أثر لاستيطان في المنطقة في العصر المشار إليه في التوراة، رغم أن العمليات التي جرت كانت مجتهدة في محاولة البحث عن أي إشارة توافق الرواية التوراتية.

ومن أهم هذه الجهود والبعثات الأثرية المدرسة الفرنسسكانية التوراتية في القدس التي اكتشفت كنائس وأديرة بالغة الأهمية تاريخيا ودينيا تعود إلى الفترة البيزنطية في القرن الخامس الميلادي، ودراسات العالم التوراتي نلسون غلوك الذي أجرى بين العامين 1932 و1947 مسوحات أثرية شملت الأردن كله، وتضمنت قائمة بـ1000 موقع مر بها، ونشرت نتائجه في حولية المدرسة الأميركية للأبحاث الشرقية.

وتذكر التوراة أسماء 31 مدينة احتلها الإسرائيليون في فلسطين، ولكن عمليات البحث والتنقيب في هذه المواقع المشار إليها تؤكد أنها لم تكن مستوطنة في الفترة المذكورة في التوراة.

ولذلك فإن النتيجة التي يقترحها المؤلف هي أن بني إسرائيل مروا بالمنطقة في القرن السابع قبل الميلاد وليس القرن الـ13، أو أنهم لم يمروا منها قط.

وقد تكون الرواية البديلة أن بني إسرائيل تسربوا إلى المنطقة على نحو سلمي ومتدرج، وأن الهجرة كانت على هيئة عمليات هرب من الرق والاضطهاد في مصر ولجوء إلى الصحراء.

وتعنى كلمة خابيرو أو عبيرو كما وردت في النصوص المصرية القديمة الأشخاص الذين يعملون أرقاء أو جنودا مأجورين في كيان سياسي لا ينتمون إليه.

وقد استقرت هذه المجموعات الهاربة في كيانات وعشائر وجدت لها مكانا في المجتمعات الجديدة، وطورت مع الزمن كيانا ومجتمعا خاصا بها، وسيطرت على القرى والمدن الواقعة في السهول الموجودة أسفل الهضاب غربي فلسطين، ويؤمن بهذه النظرية علماء آثار يهود، مثل يوحنا أهاروني الأستاذ بجامعة تل أبيب.

وبعد قيام دولة إسرائيل ثم احتلال الضفة الغربية وسيناء عام 1967 قامت جهود أثرية دقيقة ومكثفة، على أساسها رجح باحثون إسرائيليون مثل فنكلشتاين نظرية التسرب السلمي التدريجي.

وتكشف البحوث الأثرية أنه بعد القرن العاشر قبل الميلاد بدأت تتشكل قرى بدائية مختلفة عن القرى الكنعانية يعمل سكانها في الرعي والزراعة، وكانت أدواتهم الفخارية والمعدنية المستخدمة للطهو والتخزين بسيطة الصنعة عديمة الزخرفة، ولكن لم يعرف بعد شيء عن ديانة أهلها، إذ لم يعثر علماء الآثار على مقامات دينية أو أدوات طقوسية.

"
ثمة ثلاثة أنواع من إسرائيل: إسرائيل الحقيقية القديمة، وإسرائيل الأدبية القديمة، وهي إسرائيل الأسطورية، وإسرائيل العلماء القديمة أي إسرائيل غير الشرعية
"
وقد يكون هؤلاء برأي فنكلشتاين إسرائيليين، ولكنهم انبثقوا من المجتمعات الكنعانية بعد انهيار نسق مدن الدول في العصر البرونزي المتأخر، ولم يأتوا من مصر في خروج واسع النطاق، ولم يدمروا مدنا أو يحتلوها، ويبدو أنهم تحولوا مع الزمن إلى الديانات السائدة في المنطقة.

وهكذا فإن عملية بناء تاريخ الإسرائيليين اعتمادا على العهد القديم (الذي كتب في الفترة 332-63 ق.م) والنتائج التي توصل إليها علماء الآثار التوراتيون بدأت تذوي حتى بطل الأخذ بها منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين.

وما تعلمه الأثريون الإسرائيليون من تنقيبهم على حد تعبير أحدهم هو أنه "لم يكن الإسرائيليون في مصر، ولم يتيهوا في الصحراء، ولم يحتلوا الأرض بحملة عسكرية، ولم تكن مملكة داود وسليمان سوى مملكة قبلية صغيرة، ولم يتحول اليهود إلى التوحيد إلا بعد فترة طويلة في أواخر عهد المملكة.

وأما المؤرخ كمال الصليبي فيرجح أن الإسرائيليين هاجروا من مصر إلى اليمن، ثم انتقلوا إلى فلسطين بعد أكثر من 400 سنة على شكل هجرات قبلية رعوية مثلما كانت القبائل العربية تهاجر من الجزيرة العربية إلى الشام والعراق.

وبدأت تلك الهجرات مع الزمن تشكل مجتمعا وكيانا خاصا استعاد التوحيد بعدما تحولت القبائل الإسرائيلية إلى الديانة الوثنية والديانات السائدة في المنطقة.

ويرى فيليب ديفيس وهو من المؤرخين الإسرائيليين الراديكاليين أن ثمة ثلاثة أنواع من إسرائيل، إسرائيل الحقيقية القديمة، وهم الناس الحقيقيون الذين عاشوا قبل 3000 عام وخلفوا آثار بيوتهم وحضارتهم المادية.

وإسرائيل الأدبية القديمة، وهي الموصوفة في صفحات العهد القديم (التوراة)، التي لم توجد إلا في أذهان مؤلفي تلك النصوص، أي أنها إسرائيل الأسطورية.

وإسرائيل العلماء القديمة، وهي التي اخترعها هؤلاء عن طريق إسقاط النصوص التوراتية على الأدلة الأثرية، أي إسرائيل غير الشرعية.

الكتاب المقدس العبري
يحمل الكتاب المقدس لدى اليهود اسم "توراه، نفيئيم، كتوفيم" وتعنى "الشريعة والأنبياء والكتابات"، وقد قسم الكتاب نفسه في النص المسيحي إلى إصحاحات، وقسمت الإصحاحات إلى آيات ذوات أرقام، ثم أقر اليهود هذا التقسيم.

ويتكون الكتاب المقدس من مجموعة من الأسفار، لكل سفر عنوان خاص به، يتخذ من لفظة في الآية الأولى منه أو من موضوعه الرئيس، أو من اسم من يظن أنه كتبه، ولكن الأسفار مرتبة حسب التقسيم الثلاثي للكتاب المقدس (الشريعة والأنبياء والكتابات).

وردت أول إشارة إلى هذا التقسيم في سفر سيراخ، وهو سفر مخفي ينبغي ألا ينظر فيه إلا المطلعون على دخائل الأمور الدينية لأنها تشتمل على معارف خفية، أو معارف لا يطلع عليها إلا الراسخون في العلم.

وهذا السفر قد كتبه بالعبرية حكيم يهودي اسمه يشوع بن سيراخ في حوالي العام 180 ق.م، وترجمه إلى اليونانية حفيد له لا يعرف اسمه حوالي عام 132 ق.م، وضاع الأصل العبري بعد ذلك.

والشريعة تقسم إلى قسمين، شفوية "شبعل بيه" ومكتوبة "شبختاف"، ويتصل المفهومان باسم عزرا، وهو كاهن يعد مؤسس الديانة اليهودية، وقد ولد عزرا ونشأ في بابل، ثم رحل إلى القدس في عهد الملك "أرتحشيا" في حدود العام 457 ق.م أو 397 ق.م، ثم لحق بعزرا أحد موظفي الملك الفارسي من اليهود وهو نحميا الذي ينسب إليه أحد الأسفار.

ويروي نحميا في سفره أن عزرا جمع أهل يهوذا في القدس، وصعد إلى منبر خشبي، ووقف معه على المنبر ستة كتاب، وقرأ عزرا من أول الصباح إلى وسط النهار "سفر شريعة موسى التي أمر بها يهوه إسرائيل".

"
كشفت الدراسات النقدية اللغوية والأنثروبولوجية أنه تعاقب على نص الكتاب المقدس عدة كتاب عبر قرون عدة
"
وكان هناك 13 كاتبا ذكروا بأسمائهم، وعدد غير معروف من اللاويين، وهم قبيلة موسى التي عهد إليها برعاية الهيكل، وعزرا هو أيضا من قبيلة موسى "اللاويين" وينتسب إلى هارون أول كاهن أعلى، ويفصله عن عزرا 16 جيلا، أي حوالي 400 عام.

وسمي أتباع عزرا "الفريسيين" وكانت تعارضهم فئة أخرى من الكهنة هم "الصدوقيون"، ويقول الفريسيون إنهم تلقوا الشريعة شفهيا من موسى الذي انتقلت منه إلى يشوع ثم إلى "الزقونيم" أي الشيوخ، ومنه إلى الأنبياء، ومنهم إلى عزرا، ثم إلى "الزوجيم" أي الأزواج، ومنهم إلى التنائيم، أي المرددين.

وقد دونت هذه التعاليم الشفهية حوالي عام 210م في المشناة، ثم في التلمود اليروشليمي حوالي عام 425م، ثم في التلمود البابلي حوالي عام 550م.

ولكن الصدوقيين الذين ينتسبون إلى داود وكانوا مجموعة مهمة في القرن الثاني قبل الميلاد ينكرون وجود الشريعة الشفوية، ويتابعهم في ذلك السامريون والإسنيون والقرائيون.

وقد انتشرت اللغة الآرامية ثم اليونانية، ولم يعد أحد يعرف اللغة العبرية إلا القليل من الناس، حتى إن عزرا كان يتخذ مترجمين إلى الآرامية، لأن كثيرا من الإسرائيليين لم يكونوا يعرفون العبرية.

وفي العهد اليوناني جرت ترجمة الكتاب المقدس إلى اليونانية، وكانت ترجمات عدة مختلفة، وأجريت تعديلات عدة على الكتابة العبرية في القرن التاسع الميلادي تأثرا بالعربية، مثل علامات الترقيم وحروف العلة الصوتية.

ويعد هارون بن موسى بن أشر الذي عاش في طبرية في أواخر القرن التاسع الميلادي وأوائل القرن العاشر هو المرجع المعتمد الذي ضبط النص العبري للتوراة، وهو الذي أعد النسخة المحتفظ بها حتى اليوم في مكتبة لينغراد عام 1009م.

وتعد نسخة التوراة التي كانت في كنيس يهودي في حلب حتى سرقت منه عام 1951 لتنقل إلى الجامعة العبرية في القدس أقرب النصوص إلى ابن آشر.

وتتفق النسخ المختلفة من الكتاب المقدس على ترتيب أسفار التوراة والأنبياء، ولكنها تختلف في ترتيب أسفار الكتابات، وهذه الأسفار هي:
أ- التوراة: التكوين، الخروج، اللاويون، العدد، التثنية، ب1- الأنبياء الأوائل: يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك
ب2- الأنبياء المتأخرون: أشعياء، أرميا، حزقيال، هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجي، زكريا، ملاخي
ج- الكتابات: المزامير، أيوب، الأمثال، نشيد الإنشاد، الجامعة، المراثي، إستير، دانيال، عزرا، نحميا، أخبار الأيام.

وكشفت الدراسات النقدية اللغوية والأنثروبولوجية أنه تعاقب على نص الكتاب المقدس عدة كتاب عبر قرون عدة.

"
الدراسات الأثرية تجمع على أن أورشليم الداودية اليبوسية تركزت على التلة الجنوبية الشرقية ولم تكن محاطة بسور، بل إنها لم تكن قبل القرن الثامن قبل الميلاد جزءا من أورشليم
"
القدس واليبوسيون وداود

وفقا للتوراة فإن القدس كانت مدينة يبوسية محاطة بسور، وسيطر عليها داود حوالي العام 965 ق.م، وأقام فيها قصورا ومنشآت، مستعينا ببنائين ونجارين من صور، ولكن البحوث الأثرية لم تصل إلى أي إشارة إلى السور أو المنشآت التي يقول العهد القديم إن داود قد أقامها.

ويبدو أن اليبوسيين (وينسب إليهم وادي اليابس في شرق الأردن) الذين كانوا يقيمون في القدس كانوا مجموعة ضعيفة من السكان بلا دولة أو مملكة حقيقية، لأن داود نفسه كان يقود عصابة من الخارجين على القانون الذين يطاردهم الملك شاؤول (طالوت)، وكان بحماية أخيش ملك جت الفلستي.

ولكن بعد موت شاؤول قوي شأن داود واستولى على الملك، ووحد القبائل الإسرائيلية، ثم انفض هذا التجمع بعد سليمان، وقسمت مملكة إسرائيل إلى شمالية وجنوبية.

وظلت بقية مملكة يهوذا من أسرة داود في القدس "أورشليم" فترة من الزمن، ولكن يبدو أن محرري النصوص ومترجميها أدخلوا أخبارا اعتقادية وأسطورية لتمجيد داود، ولكنها ادعاءات ليس لها سند آخر في العهد القديم ولا في الأصول التي نقل عنها سفر صموئيل.

ولكن الدراسات الأثرية تجمع على أن أورشليم الداودية اليبوسية تركزت على التلة الجنوبية الشرقية ولم تكن محاطة بسور، بل إنها لم تكن قبل القرن الثامن قبل الميلاد جزءا من أورشليم، وليس ثمة ما يدل على وجود حضاري أو عسكري للإسرائيليين فيها.

المصدر : الجزيرة