عرض/ أمل عيتاني
يعرض كتاب الحصار، الذي أعده وائل أحمد سعد، وراجعه وحرره د. محسن محمد صالح، وصدر مؤخرا عن مركز الزيتونة للدراسة والاستشارات سلسلة الأحداث التي جرت في مطلع سنة 2006 على الساحة الفلسطينية.

فقد شهدت بداية هذه السنة حدثا ترك أثرا عميقا في مجريات الأحداث على هذه الساحة, بدأت مع مشاركة حركة حماس في الانتخابات التشريعية وفوزها بالأغلبية وتشكيل الحكومة بقيادتها، وما تعرض له الشعب الفلسطيني وحكومته من حصار، ومحاولات إسقاطها.

محاولات منع حماس من الانتخابات التشريعية
يعرض هذا المحور المحاولات الدولية والداخلية والإسرائيلية لإقصاء حركة حماس عن المشاركة في الانتخابات، فبعد فشل الإدارة الأميركية بتطويع حركات المقاومة ونزع سلاحها أوضحت أن فوز حركة حماس بأغلبية في الانتخابات التشريعية "سينعكس سلبا على العلاقات بين الإدارة الأميركية والسلطة الفلسطينية وعلى مسار عملية السلام"، وسيفرض "عواقب سيئة من الكونغرس".

-الكتاب: الحصار: دراسة حول حصار الشعب الفلسطيني ومحاولات إسقاط حكومة حماس
-إعداد: وائل أحمد سعد
-
مراجعة وتحرير: محسن محمد صالح
-عدد الصفحات: 120
-
الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت
-توزيع: الدار العربية للعلوم/ بيروت، نيل وفرات دوت كوم
-
الطبعة: الأولى/ نوفمبر 2006
كما لعبت الإدارة الأميركية على وتيرة الخلافات الفلسطينية الداخلية، في محاولة منها لتحجيم دور حركة حماس في صنع القرار الفلسطيني.

وقد أراد الرئيس محمود عباس من إجراء انتخابات تشريعية بمشاركة حماس إيقاف الانتفاضة، وإدخال حماس في مرحلة التهدئة، والحصول على الشرعية الكاملة من أجل إطلاق عملية السلام بما يتوافق ورؤيته.

ولكن الخوف من أداء متميز لحماس بدأ بالتسرب إلى نفسه خاصة بعد ظهور قوة حماس في الانتخابات البلدية، فضلا عن انقسام حركة فتح على نفسها وصراعاتها الداخلية، كل ذلك دفع بالرئيس عباس إلى تأجيل الانتخابات التشريعية، ومن ثم التهديد بتأجيلها مرة أخرى بعد رفض "إسرائيل" لإجراء انتخابات في القدس.

أما الاتحاد الأوروبي فقد أظهر رغبته بمشاركة حركة حماس في الحياة السياسية كخطوة أولى تجاه التخلي عن السلاح والاعتراف بـ"إسرائيل"، ولكن فشل هذا المسعى جعل دول الاتحاد الأوروبي تتبنى الموقف الأميركي.

أما "إسرائيل" فلم تكتف بالدعوة إلى إقصاء حماس عن المشاركة في الانتخابات، بل أخذت تعتقل قياداتها ومرشحيها للانتخابات، وصعدت "إسرائيل" العمليات العسكرية ضد حماس، وهددت باستهداف قادتها جسديا، وواصلت الاعتقالات لتحقيق هدفها بعدم مشاركة الحركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.

وقد حاول الإسرائيليون مرات كثيرة توظيف الالتزامات الأمنية للسلطة في خريطة الطريق لمنع مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية.

الانتخابات وتشكيل الحكومة

"
قامت حركة حماس بتشكيل حكومة نالت الثقة بغالبية 71 صوتا مقابل 36 ضدها وامتناع نائبين عن التصويت، وقد تألفت الحكومة الجديدة من 24 وزيرا، 14 من الضفة الغربية و10 من قطاع غزة بينهم امرأة ومسيحي
"
عرض هذا المحور الانتخابات التشريعية، والنتائج التي أتت مخالفة لكل التوقعات وكانت تتوقع فوز حركة فتح على حركة حماس.

ففي استطلاع للرأي أعده الدكتور نبيل كوكالي ونشره المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي حصلت فتح على 39.6% وحصلت حماس على 28.8%، وفي 20-21 يناير/ كانون الثاني 2006 كانت النتيجة حسب استطلاع مركز استطلاعات الرأي والدراسات المسحية- جامعة النجاح 39% لفتح و23.4% لحماس، أي تقدم فتح على حماس بشكل كبير.

ولكن النتائج الفعلية جاءت على عكس التوقعات، فلم تحصل فتح إلا على 45 مقعدا مقابل 74 مقعدا لحركة حماس.

ويتطرق الكتاب إلى الخطوط العريضة في برنامج حركة حماس، ورؤيتها في تشكيل حكومة وحدة وطنية ذات كفاءة عالية، وسعيها لإشراك مختلف القوى الفلسطينية بما فيها حركة فتح، لكن الفصائل الفلسطينية رفضت المشاركة في الانتخابات لأسباب مختلفة تم عرضها في الكتاب بالتفصيل.

وقد قامت حركة حماس بتشكيل حكومة نالت الثقة بغالبية 71 صوتا مقابل 36 ضدها، وامتناع نائبين عن التصويت، وقد تألفت الحكومة الجديدة من 24 وزيرا، 14 من الضفة الغربية و10 من قطاع غزة بينهم امرأة ومسيحي.

الوضع الفلسطيني الداخلي
أوضح معد الكتاب في حديثه عن الوضع الداخلي الفلسطيني سبب تركيزه على حركتي فتح وحماس على اعتبار دورهما المحوري. كما أوضح أن التيار المهيمن في حركة فتح المتبني لمشروع التسوية هو الذي أظهر سلوكا معاديا لحماس بعد فوزها.

وتناول هذا المحور موقف الرئاسة الفلسطينية من الانتخابات ومن فوز حماس، وكيفية إصرار الرئيس على تناغم الرئاسة والحكومة وفق برنامج الرئاسة القائم على نهج المفاوضات والحل السلمي للصراع مع "إسرائيل".

ثم تطرق إلى حرب الصلاحيات بين الرئاسة والحكومة الجديدة، فقد قام المجلس المنتهية ولايته بمنح الرئيس عباس عدة صلاحيات على حساب الحكومة الجديدة، والمتعلقة بتشكيل المحكمة الدستورية، وتعيين رئيس ديوان الموظفين، بالإضافة إلى تعيين أمين عام للمجلس التشريعي.

كما أصدر عباس عدة مراسيم تسحب الصلاحيات الأمنية والإعلامية من يد الحكومة الفلسطينية. وتناول المؤلف أيضا موقف الرئاسة من وثيقة الوفاق الوطني ومشكلة الرواتب التي عصفت بالحكومة الفلسطينية، عارضا المحاولات العديدة لمنع حماس من إدخال الأموال.

وتناولت الدراسة موقف التيار المهيمن في حركة فتح ومحاولة إفشالها وفرض الشروط عليها. كما تعرضت الدراسة في هذا المحور للأحداث الأمنية التي وقعت، ومحاولات الحكومة لضبط الانفلات الأمني والتوترات الداخلية.

الحصار الإسرائيلي

"
عمدت إسرائيل إلى تجنيد المجتمع الدولي ضد مشاركة حماس في الانتخابات، ولكن بعد فوزها استكملت "إسرائيل" شروطها للتعامل مع الحكومة الجديدة التي تشمل الحصار السياسي والاقتصادي وتصعيد الأعمال العسكرية
"
يناقش المحور الرابع في الكتاب قضية الحصار الإسرائيلي على الصعيد السياسي والعسكري والاقتصادي، فقد سعت "إسرائيل" منذ إعلان حركة حماس في مارس/ آذار 2006 عزمها على المشاركة في الانتخابات التشريعية، إلى تجنيد المجتمع الدولي ضد مشاركة حماس في الانتخابات، وبعد فوز حماس في الانتخابات استكملت "إسرائيل" شروطها للتعامل مع الحكومة الجديدة.

فقد عممت وزيرة الخارجية الإسرائيلية هذه الشروط على جميع سفرائها، وقالت إن "إسرائيل لن تجري أي اتصال مع الحكومة التي ستقوم في السلطة الفلسطينية طالما لم تعترف بإسرائيل، وتتنازل عن العنف والإرهاب، وتنزع الأسلحة من المنظمات الإرهابية، وتوافق على الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها بين إسرائيل والسلطة".

أما على الصعيد العسكري فقد رأت "إسرائيل" في تصعيد عمليات الاغتيال عامل ضغط على المقاومة، خاصة من الذين يريدون إعطاء فرصة للحكومة الجديدة عن طريق التهدئة غير المعلنة، فلجأت إلى اغتيال عدد من قادة المقاومة الداعمة للحكومة.

وفي مقارنة بسيطة لعدد الشهداء والجرحى في الفترة الممتدة من 31 يناير/ كانون الثاني 2006 حتى 31 مايو/ أيار 2006، الذين بلغ عددهم 148 شهيدا و975 جريحا، مع الفترة نفسها من العام الماضي حيث قتل 57 شهيدا و445 جريحا.

وصعدت إسرائيل عمليات الاعتقال، فمنذ تشكيل الحكومة بقيادة حماس في 28 مارس/ آذار 2006 وحتى تاريخ 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2006 اعتقلت "إسرائيل" نحو 2834 فلسطينيا.

أما الحصار الاقتصادي فقد عمدت إسرائيل إلى الضغط على الحكومة الجديدة بمنع إدخال الأموال والمساعدات ووقف دفع المستحقات الضريبية التي تجبيها إسرائيل من عائدات الضرائب، كما سعت "إسرائيل" إلى إقامة حلف دولي من أجل تشديد الحصار على الحكومة الجديدة وعلى الشعب الفلسطيني.

فقد قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، التي بدأت عملها بلقاء زعيمين عربيين مؤثرين في الساحة الفلسطينية، "إن إسرائيل تسعى لتنسيق جهودها مع دول الغرب ومع الدول العربية المعتدلة، وتحاول إقامة حلف دولي واسع في مواجهة التنظيمات الإرهابية في العالم عموما، وفي الشرق الأوسط بشكل خاص".

الموقف العربي والإسلامي

"
أسهم الموقف العربي والإسلامي إلى حد ما في حصار الحكومة الفلسطينية، فالمساعدات المالية التي قدمتها ذهبت إلى حساب رئاسة السلطة
"
تناول المحور الخامس من الكتاب الموقف العربي والإسلامي من فوز حماس، وتشكيل الحكومة بقيادتها، والحصار المفروض عليها.

متناولا الزيارات التي قامت بها حماس إلى العديد من الدول العربية والإسلامية مع التركيز على الموقف المصري والأردني والموقف السعودي، بالإضافة إلى مواقف الدول العربية والإسلامية الأخرى كسوريا وإيران وقطر.

وخلال الحديث عن الدور العربي في ظل الحصار تعرض الكتاب للمساعدات العربية للشعب الفلسطيني وعجز الدول العربية عن إيصال المساعدات المالية للحكومة الفلسطينية.

وخلص الكتاب إلى أن الموقف العربي والإسلامي أسهم إلى حدٍ ما في حصار الحكومة الفلسطينية، فالمساعدات المالية التي قدمتها ذهبت إلى حساب رئاسة السلطة.

وأوضح الكتاب أن المطلوب من الدول العربية والإسلامية هو موقف سياسي واضح مؤيد لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره دون ممارسة ضغوط عليه.

الحصار الدولي
ناقش الكتاب الحصار الدولي الذي فرض على الشعب الفلسطيني وحكومته، متناولا الضغوط الأميركية عليها، فقد تبنت الإدارة الأميركية الشروط الإسرائيلية للتعامل مع حكومة بقيادة أو مشاركة حماس، وهي التخلي عن السلاح والاعتراف بإسرائيل والاعتراف بالاتفاقيات الموقعة معها.

أما دول الاتحاد الأوروبي ورغم تحفظها على منع تقديم المساعدات للشعب الفلسطيني فقد التزمت بقرار الرباعية الدولية القاضي بوقف تقديم المساعدات للسلطة الفلسطينية، وكذلك التزمت روسيا بهذا الموقف رغم استقبالها وفدا رفيع المستوى من حركة حماس، وعدم اعتبار حركة حماس منظمة إرهابية.

آثار الحصار على الاقتصاد الفلسطيني

"
حاولت حماس كسر الحصار الاقتصادي عن الشعب الفلسطيني باستنفار الشارع العربي والإسلامي عبر حملات الدعم وجمع التبرعات للحكومة المنتخبة, واستطاعت تأمين ولو جزءا من الدعم المالي من العديد من الدول العربية
"
في هذا المحور تناولت الدراسة الآثار السلبية على الشعب الفلسطيني في ظل الحصار الإسرائيلي والدولي والإقليمي، فقد عانى الاقتصاد الفلسطيني من جراء الحصار، وتراجع النمو الاقتصادي الفعلي بنسبة 24.5% في 2006، مقارنة مع نمو 6.3% في 2005.

وقد توقع تقرير للأمم المتحدة أن تصل معدلات البطالة لسنة 2006 إلى 43% في 2006. أما نسبة الفقر فقد كانت هي الأخطر، إذ إن معدل الفقر في الضفة الغربية وقطاع غزة ارتفع إلى ما يزيد عن 66%، وتعدى هذا المؤشر في قطاع غزة الـ87.7%، ما أدى إلى تزايد حالات سوء التغذية بين الأطفال، وزيادة حالات التسرب من المدارس والتسول.

حماس وكسر الحصار
تناول هذا المحور محاولات حماس كسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني والحكومة التي تقودها من خلال قيام وفودها بعدد من الزيارات للدول العربية والإسلامية، في محاولة لجمع التأييد السياسي للحكومة.

أما على الصعيد العسكري فقام الجناح العسكري لحركة حماس بعملية فدائية في 25 يونيو/ حزيران 2006 أسر خلالها جنديا إسرائيليا، ومن ثم سعى للدخول في مفاوضات من أجل تبادل الأسير الإسرائيلي بأسرى فلسطينيين.

أما محاولات كسر الحصار الاقتصادي عن الشعب الفلسطيني فقد حاولت حماس استنفار الشارع العربي والإسلامي من خلال حملات الدعم وجمع التبرعات للحكومة المنتخبة.

كما استطاعت تأمين ولو جزءا من الدعم المالي من العديد من الدول العربية وإدخال مبالغ من هذه الأموال ولو عن طريق تهريبها. ولكن رغم الجهود المبذولة استمر الحصار.

وعرض الكتاب في محور إنجازات الحكومة الفلسطينية في ظل الحصار بعض تلك المنجزات, سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، حيث إن أهم ما تجدر الإشارة إليه على المستوى السياسي هو أن الحكومة الفلسطينية الجديدة رفعت السقف السياسي الفلسطيني، فرفضت الاعتراف بـ"إسرائيل"، ولم ترضخ للضغوط الهائلة الداخلية والإسرائيلية والعربية والدولية لإجبارها على التنازل عن أي من ثوابتها.

شعبية حماس في ظل الحصار

"
المطلوب اليوم هو وضع برنامج وطني فلسطيني وفق القياسات الفلسطينية، وليس وفق القياسات الأميركية والإسرائيلية، برنامج يحافظ على حقوق الشعب الفلسطيني، ويعيد القضية الفلسطينية إلى هدفها الأساسي
"
تعرضت الدراسة لشعبية حركة حماس في ظل الضغوط المفروضة عليها سواء داخليا أو إقليميا أو دوليا، وأظهرت الاستدلالات بنتائج استطلاعات الرأي أن حركة حماس لم تتأثر شعبيتها إلا بشكل هامشي، وأنها فرضت نفسها في الشارع الفلسطيني، وأنه لم يعد بالإمكان تغيبها عن أي حل للقضية الفلسطينية بعد الآن.

وخلصت الدراسة إلى أن المطلوب اليوم هو وضع برنامج وطني فلسطيني وفق القياسات الفلسطينية، وليس وفق القياسات الأميركية والإسرائيلية، برنامج يحافظ على حقوق الشعب الفلسطيني، ويعيد القضية الفلسطينية إلى هدفها الأساسي وهو التخلص من الاحتلال، وليس مجرد الاهتمام بكيفية إدارة الوضع تحت الاحتلال.

ختاما يقدم الكتاب رغم صغر حجمه عرضا هاما لفترة انتقالية حساسة من التاريخ الفلسطيني المعاصر، وهو عرض يتسم بالطرح والتوثيق الأكاديمي العلمي.

المصدر : الجزيرة