عرض/ حسن السرات
لهذا الكتاب عنوان آخر يحمله في نسخته الأميركية: "توشيح العالم: كيف أنشأ المسلمون واليهود والنصارى ثقافة التسامح في إسبانيا الوسيطة". وظهرت طبعته الإنجليزية في نيويورك عام 2002. ترجمته العربية أنجزت باتفاق مع الناشر الأصلي، واختارت له دار توبقال للنشر غلافا أنيقا وجذابا.

وكيف لا يكون جذابا وقد انجذبت مؤلفته بقوة وحماس إلى التجربة العربية الإسلامية بالأندلس مصرة على تقديمها لأوسع شريحة من الجمهور غير الأكاديمي.

المؤلفة والحلم

-اسم الكتاب: الأندلس العربية إسلام الحضارة وثقافة التسامح
-المؤلف: ماريا روزا مينوكال
-ترجمة: عبد الحميد جحفة ومصطفى جباري
-عدد الصفحات: 226
-الناشر: دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب
-الطبعة: الأولى/ 2006
ولدت ماريا روز مينوكال بكوبا ونشأت بفيلادلفيا الأميركية، وهناك حصلت على دكتوراه في الفيلولوجيا الرومانية من جامعة بنسيلفانيا، ومارست التدريس بكوليج برين ماور وبجامعة بنسيلفانيا، ودرست الإسبانية والبرتغالية بجامعة ييل حيث تشتغل منذ 1986.

تشرف على مركز ويتني للدراسات الإنسانية. ألفت كتاب "شذرات الحب"، وهو كتاب مستفز عن مصادر الشعر الغنائي بأوروبا، وقد احتفى النقد بهذا الكتاب.

ونشرت مينوكال العديد من الكتب في مجالات الأدب والثقافة الوسيطين. وتبين مساهمتها في كتاب "أدب الأندلس" الذي نشر في سلسلة كمبريدج للأدب العربي ما توليه من أهمية خاصة لدينامية الاختلاطات الثقافية التي عرفتها الأندلس العربية.

وكتابها "الأندلس العربية" اختارت له عنوانا جميلا في الأصل فسمته "توشيح العالم" وهي عبارة للشاعرة الألمانية هروتسيفيا في وصف الأندلس، وتصر المؤلفة في هذا الكتاب وفي دروسها ومحاضراتها على أن الحداثة الأوروبية تعود في كثير من مظاهرها وأفكارها إلى ما قدمته الأندلس من نموذج حضاري وإنساني، وأن تعايش الديانات السماوية الثلاثة في ظل الإسلام بالأندلس العربية يظل حلما إنسانيا مفتوحا على المستقبل.

حلم تحول دونه همجية معاصرة تقتل وتحرق بأناقة وكبرياء زائفة، وإعلام يشوه الحقائق ويخفيها عن جمهور لم يتحرر بعد من سحر السحرة وكهانة المشعوذين.

أوروبا اليوم.. أموية في الأساس
تلقي الكاتبة نظرة مختلفة تماما على تاريخ الأندلس، وهي نظرة تخلصت فيها مينوكال من المواريث الصليبية والإيديولوجية والسياسية القديمة والحالية.

"
تنطلق المؤلفة من افتراض أن استقرار الأمويين بأوروبا يعتبر حدثا حاسما أسس أوروبا الحديثة وصنعها صنعا من خلال أشكال التأثير التي مارستها الحضارة العربية على العموم، والأموية على الخصوص، في الثقافة الأوروبية الحديثة
"
وتمتد الفترة التي تعرضها المؤلفة من منتصف القرن الثامن الميلادي إلى بداية القرن الثالث عشر الميلادي، وهي الفترة التي تبدأ بفرار عبد الرحمن الداخل من بطش العباسيين بدمشق، مرورا بما بناه الأمويون من مآثر معمارية وثقافية في خلافتهم الأندلسية.

ثم تتناول ما ولي ذلك من مشاهد الدمار التي لحقت مناطق عدة من البلاد عقب سقوط الخلافة وما خلفها من تناحر ملوك الطوائف، ثم دخول الأندلس في دولة المرابطين ودولة الموحدين، وصولا إلى الحروب الصليبية التي سميت حروب الاسترداد وأدت إلى سقوط الأندلس.

غير أن هذا الكتاب ليس كتاب تاريخ بالمعنى المعروف، بل هو رسم للمسارات الثقافية للأندلس منذ أن صارت عربية، عبر تصوير شخصيات هامة مؤثرة أسست لثقافة الحوار والتسامح وبناء المعنى الاجتماعي للثقافة والإنسان، وأيضا عبر وصف وتتبع لبعض المآثر العمرانية الجميلة.

وتنطلق المؤلفة من افتراض أن استقرار الأمويين بأوروبا يعتبر حدثا حاسما أسس أوروبا الحديثة وصنعها صنعا، ولذلك تتوقف الكاتبة أمام أشكال التأثير التي مارستها الحضارة العربية على العموم، والأموية على الخصوص، الغنية والمركبة والفريدة في نوعها، في الثقافة الأوروبية الحديثة، ومن خلالها في حضارة العالم بأسره.

ويعتبر المترجمان عبد المجيد جحفة ومصطفى جباري، اللذان أنجزا ترجمة ممتازة تستحق الإشادة والتنويه، أن الكتاب يقدم صرخة مدوية في وجه العالم الهمجي المعاصر الذي تلفه الأحادية والأصوليات من كل نوع، وتغلفه الأفكار الأيديولوجية الجاهزة.

وتكمن روح الكتاب في تقديمه نماذج من الحوار والتسامح بين الديانات الثلاث التي تعايشت في الأندلس، ومن التساكن الذي غلب على تجاوز القيم الثقافية المتنافرة والمنتمية لشعوب وجماعات إثنية متباينة.

قرطبة.. المدينة الفريدة
تبدأ المؤلفة بتقديم نبذة قصصية موجزة وموضوعية عن ظهور الإسلام ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام، والتأثير الذي خلفه في الجزيرة العربية وسكانها، تأثير جعلهم يخرجون من بلادهم نحو باقي دول المعمورة. وتتابع المؤلفة قصة خروج الإسلام وسفره نحو المغرب وصولا إلى الأندلس.

ولكنها تدعونا للتوقف قليلا لمشاهدة قرطبة تلك المدينة الفريدة التي اعتبرتها عاصمة العالم يومها. تدعونا لإحصاء غناها المذهل وحماماتها العمومية التسعمائة، وحوانيتها التي تصل إلى عشرات الألوف، ومساجدها التي بلغت الألوف، ومائها المسكوب في القنوات، وشوارعها المبلطة المضاءة.

"
كانت قرطبة جوهرة العالم الساطعة التي تلمع في الغرب، مدينة النبل التي اشتهرت منذ مدة قصيرة بالمآثر العسكرية فيها مستعمروها الإسبانيون، قرطبة اسمها، معروفة بثرواتها وبكبريائها، يحتفي بها لملاذها ومتعها، متألقة في كل شيء
"
وتنقل عن الراهبة البحاثة هروتسفينيا دو غاندرسهايم ذات المكانة الكبيرة في الأوساط الدبلوماسية والاجتماعية في بلاط الملك أوتون الأول، تنقل عنها وصفها لقرطبة حيث تقول: "كانت جوهرة العالم الساطعة التي تلمع في الغرب، مدينة النبل التي اشتهرت منذ مدة قصيرة بالمآثر العسكرية فيها مستعمروها الإسبانيون، قرطبة اسمها، معروفة بثرواتها وبكبريائها، يحتفي بها لملاذها ومتعها، متألقة في كل شيء، لامعة على الخصوص بالعلوم العقلية السبعة، وبانتصاراتها المتوالية".

ويقدم الكتاب الوقائع والأشخاص والمآثر بطريقة الاستبطان النفسي مستحضرة الماضي من خلال نفسيات الأبطال مثل عبد الرحمن الداخل ووزيره المنصور وهم يشيدون دولة الأندلس من خلال ذاكرة ممتلئة بالآلام والأحزان تنظر إلى نكبة الأمويين على يد العباسيين وإفلات صقر قريش من موت محقق، ومشاهدته الموت الزؤام لجميع أفراد أسرته.

تقول الكاتبة وهي تحدثنا عن إنشاء لؤلؤة قرطبة ومسجدها النادر "إن مشروع قرطبة والأندلس كان يتمثل في السعي إلى إعادة إنتاج ما دمر في سوريا، وهذا يفيدنا كثيرا في فهم انشغال الأمويين بالحفاظ على هذه الدولة وتعددها الإثني والديني".

وتعلق الكاتبة على الأسلوب المختار في عمارة المسجد والبنيان قائلة "هذا الانفتاح الأسلوبي وهذه القدرة على الملاحظة وعلى الاستيعاب وإعادة التشكيل إحدى أهم خاصيات الأسلوب الإسلامي، التي صارت في الشرق العنصر الأساس للجمالية الأموية".

العربية الساحرة
تنقل الكاتبة نصا جميلا لبول ألفار القرطبي المسيحي الذي اشتهر في أواسط القرن التاسع عشر وعرف بالجرأة والشجاعة، ينعكس فيه كيف فتنت اللغة العربية المسيحيين واليهود في العهد العربي الإسلامي الأندلسي حتى اعتنق كثير منهم الإسلام بسببها، ومن لم يعتنقه إيمانيا، فقد عشقه ثقافيا.

لندع النص يتحدث عن هذا فيقول "يعشق المسيحيون قراءة الأشعار والقصائد العربية، يدرسون الفقهاء والفلاسفة العرب، لا من أجل الرد عليهم أو مجادلتهم، وإنما من أجل اكتساب عربية جيدة وأنيقة. هل يوجد من بين غير المتدينين من مازال يستطيع قراءة الحواشي على الكتابات المقدسة باللاتينية، أو كيف يعكف على دراسة الأناجيل أو الأنبياء والدعاة والمبشرين؟ للأسف، فبحماس يقرأ الشبان المسيحيون ويدرسون الكتب العربية, إنهم يصرفون أموالا طائلة في جمع مكتبات هائلة. يحتقرون الأدب المسيحي، ويعتبرونه غير جدير بالاهتمام. ومن فرط ذلك نسوا لغتهم. مقابل كل رجل قادر على كتابة رسالة إلى صديق باللاتينية، هناك ألف يتحدثون العربية بأناقة، وينظمون بهذه اللغة أشعارا تتفوق على أشعار العرب أنفسهم".

"
كانت جموع غفيرة في الأندلس تغادر الكنيسة وتنضم إلى الإسلام, وتصاعد اعتناق الدين الجديد واللغة العربية الفاتنة حتى تعربت المسيحية واليهودية بكتبها المقدسة وصلواتها الخاصة، فأطلق العرب على هؤلاء اسم المستعربين
"
تعلم العربية حد الإتقان يكشف شيئا آخر شهدته الأندلس، وهو الاعتناق الكثيف للإسلام، إذ كانت جموع غفيرة -تقول الكاتبة- تغادر الكنيسة وتنضم إلى الدين الجديد. وتصاعد اعتناق الدين الجديد واللغة العربية الفاتنة حتى تعربت المسيحية واليهودية بكتبها المقدسة وصلواتها الخاصة، فأطلق العرب على هؤلاء اسم "المستعربين".

وبفضل هذا التلاقح والافتنان ولدت لغة جديدة هي "الموزارابية" وتسللت إلى بيوت الحضانة منتقلة من جيل إلى جيل بواسطة الأمهات القرطبيات، المسلمات والمسيحيات، فعاشت "الموزاراب" اللغة الرومانية لمسيحيي الأندلس في حضن دار الإسلام، وكانت تحاذي العربية وتحاورها باستمرار.

اليهود السعداء
اختار اليهود الأندلسيون طريق الاندماج في الثقافة العربية الإسلامية، وانفتح الباب على مصراعيه أمام وجوههم، حتى بلغوا أعلى المراتب عن جدارة وكفاءة، وبرز منهم من وصل منصب وزير الخليفة.

ويعتبر حسداي بن شبروت المزداد بقرطبة عام 915 نموذجا لثقافة الاندماج والتسامح، وهذا بعد أن كانوا يحتلون أسفل المراتب الاجتماعية والثقافية في عهد القوط المسيحيين.

ومع ذلك لم تؤاخذ العشيرة اليهودية حسداي على النجاح الذي حققه داخل الخلافة، بل بقي "ناصي" العشيرة وأميرها، وكان يصير كل سنة أقوى، مما دفعه لمساعدتهم على إحياء هلالهم الخاص وأيامهم المقدسة، فعاش اليهود التفتح والرخاء التامين.

ومن مظاهر تأثير الاستعراب في الثقافة اليهودية والديانة اليهودية عودة الحياة للعبرية وخروجها للمرة الأولى منذ آلاف السنين من المعابد لتصبح متعددة الاستعمال، وتنظيم شعر حي يفيض بالعذوبة والجمال.

تقول المؤلفة بهذا الخصوص "كان أقرب إلى المعجزة أن تتمكن العبرية من جديد من نظم شعر حي، قد نقول عنه إنه عريق، وقد تأتى ذلك من أن العديد من اليهود الذين ازدهروا في الخلافة العربية التي كانوا يحسون أنهم ينتمون إليها، وجدوا أنفسهم الآن في عالم مختلف تماما عن السابق.

في أرض الهجرة هذه، بعيدا عن خلافة قرطبة، اكتشفوا من جديد موروثهم الخاص الذي كان مستترا منذ زمن، ورأوا أن لغة ربهم تستحق، مثل لغة المسلمين -التي اشتركوا معهم فيها منذ زمن- أن تتجاوز حدود الصلاة". فتجاوزت الصلاة إلى الغزل والحب وغير ذلك.

أنوار الأندلس
تتنقل ماريا روزا مينوكال بالقارئ من لوحة تاريخية إلى لوحة أخرى مستعرضة أحداثا موارة بالخصب والجمال والتسامح والحضارة الفريدة.

فهذه مدينة الزهراء العامرة ببساتين الذاكرة، وهذه ساحة معركة أراغون بين قرطبة وغرناطة، تلك كنيسة على قمة التل في طليطلة، وهذا هويسكا الأندلسي في لندن، وذلك كلوني رئيس الدير والقرآن، وهؤلاء وجهاء أجانب في بلاطات إشبيلية. لوحات ومشاهد ومواقف تصلح مادة فنية تعرض على المشاهدين في قناة فضائية واسعة الانتشار.

حتى إذا ما شارف الكتاب على أجله، أشرقت "أنوار الأندلس" على أوروبا كلها. "أنوار الأندلس" هو عنوان خاتمة هذا الكتاب النفيس الصادر عن كاتبة تستحق الإشادة والتنويه لموضوعيتها وإنصافها للإسلام دينا وثقافة وحضارة، ولن تجد بين سطور مؤلفها غير ذلك.

"
الأنوار التي تختتم بها الكاتبة حديثها العذب تتجسد في مواقف التسامح البطولي الذي أبداه المسلمون في أحلك اللحظات بالأندلس عندما شنت حروب الاسترداد وأحرقت الذاكرة الثقافية وألوف المكتبات، تسامح جعل المسلمين ينقذون اليهود وثقافتهم ودينهم من حرب إبادة حقيقية
"
الأنوار التي تختتم بها الكاتبة حديثها العذب تتجسد في مواقف التسامح البطولي الذي أبداه المسلمون في أحلك اللحظات بالأندلس عندما شنت حروب الاسترداد وأحرقت الذاكرة الثقافية وألوف المكتبات، تسامح جعل المسلمين ينقذون اليهود وثقافتهم ودينهم من حرب إبادة حقيقية.

وتربط مينوكال الماضي بالحاضر حين تقف بخشوع وجلال أمام شهامة المسلمين في كوسوفو وهم يغامرون بإخفاء اليهود في منازلهم ضد النازيين، وهم ينقذون وثيقة تاريخية دينية يهودية تخفيها امرأة مسلمة عجوز تحت ثيابها ليتسلمها وفد يهودي كان يشارك في عمليات الإنقاذ والصرب يدمرون كل شيء بما فيه المكتبات والمراكز الحافظة لوثائق عز نظيرها.

الوثيقة التاريخية النادرة هي مخطوط شهير يدعى "هغادة سراييفو"، والهغادة كتاب صلوات وحكايات تتلى يوم عيد الفصح، إحياء لذكرى خروج اليهود الجماعي، ويعتبر أجمل نسخة من نوعها في العالم. يرجع تاريخه، شأنه شأن معبدي طليطلة اليهوديين، إلى إسبانيا الوسيطية.

وعندما نجا من النيران في المرة الأولى، حمله اليهود السيفارديون وهم يغادرون إسبانيا عام 1492، وتغربوا بعد ذلك في الإمبراطورية العثمانية. "هنا -تقول الكاتبة- كان موقرا ومحميا لما يقارب خمسمئة سنة. ثم أنقذ من جديد خلال الحرب العالمية الثانية، ونعرف من أوساط المثقفين أن المحافظ المسلم لمكتبة سراييفو كان أنقذ هغادة السيفاراد من النازيين، الذين كانوا يريدون إحراقها هم أيضا".

ومن الطبيعي أن يصبح هذا المكتبي البوسني المسلم بطلا لأنه انتشل من الهمجية المعاصرة هذه الشهادة على مئات السنين من التسامح، كما تشهد بذلك مينوكال بانفعال وصدق.

في النهاية تعلق مينوكال على الأندلس العربية المسلمة وموقفها الرائع في حفظ تراث الآخرين فتسمي هذه البلاد الساحرة قصرا وتقول "هنا، في أنقاض هذا الصرح الذي ما زال واقفا، وفي أشيائه الجميلة، في الكتب المحروقة، وفي تلك التي وصلت إلينا، توجد أسس ذاكرة ثقافتنا ومستقبلها".

المصدر : الجزيرة