عرض/نبيل شبيب
مؤرخ جامعي وكاتب إعلامي وسياسي يميني.. هذا ما يمكن أن يوصف به ميخائيل شتورمر مؤلف هذا الكتاب الذي يتحدث عن قضية مطروحة بإلحاح على المتخصصين في العلوم السياسية وأرض الواقع.

وهو في الأصل متخصص في التاريخ، وأستاذ جامعي لسنوات عديدة داخل ألمانيا وخارجها، وله مؤلفات عديدة، أهمها ما كان في نطاق تخصصه عن تاريخ ألمانيا، لاسيما في العهد النازي وفترة "جمهورية فايمار" قبله.

ولكنه حاليا رئيس "قسم المراسلين" في صحيفة "دي فلت"، وهي من أبرز الصحف اليومية الأقرب إلى الحركة الصهيونية في ألمانيا وعالميا، وكتب سابقا في اليوميتين "نويه تسوريخر" السويسرية، و"فرانكفورتر آلجيماينه" الألمانية، المعروفتين بتوجهات يمينية أيضا.

- الكتاب: عالم دون نظام عالمي.. من يرث الأرض؟
- المؤلف: ميخائيل شتورمر
- عدد الصفحات: 256
- الناشر: دار مورمان للنشر، هامبورج
- الطبعة: الأولى 8/2006

في هذا الإطار يكتسب الكتاب أهميته عند من يريد الاطلاع على منظور فئة معينة للأوضاع العالمية، لاسيما أنه من "كتب الرأي" وليس من الكتب المنهجية العلمية، رغم أن مؤلفه يحمل درجة الأستاذية الجامعية، ويستفيد بوضوح من معلوماته التاريخية في ربط أي رأي يطرحه، بحدث تاريخي أو بمقولة مثيرة لأحد مشاهير التاريخ.

الكتاب الصادر في أغسطس/آب 2006م تحت عنوان "عالم دون نظام عالمي.. مَن يرث الأرض؟" يتناول الوضع الدولي ويربطه بتطورات تاريخية سابقة، ولكن من منظور صاحبه الذي يكتب هنا بقلم الإعلامي لا المؤرخ، ولا يجد حرجا في اختيار وقائع تاريخية دون غيرها ليعزز بها رأيه.

ولا يقلل ذلك من أهمية الكتاب، فهو نموذج لأحد الأساليب المتبعة للتأثير على العامة من القراء في الغرب، بما يشمل امتناع الكاتب -المطلع في الأصل- عن ذكر معلومات معينة، تتميز بتناقضها مع رأيه، وهو هنا "رأي سياسي" متشدد إلى درجة التحامل المكشوف.

ويقع الكتاب في مقدمة وخاتمة وثلاثة أبواب، موزعة على 17 فصلا في 256 صفحة، منها 30 لملحقات وخرائط توضيحية.

تؤكد المقدمة ما يعبر عنه العنوان من أن العالم يشهد فترة مرحلية بين حقبتين تاريخيتين مضت إحداهما وكانت قائمة على نظام عالمي صنعته الحرب الباردة، ولا يمكن الجزم بالصورة النهائية التي ستستقر عليها الحقبة القادمة.

وتنحو صياغة المقدمة منحى التحذير من أن لا تكون هذه الصورة مرضية، وفق معايير الكاتب بطبيعة الحال.

وتتناول الأبواب الثلاثة المعالم الرئيسية للمرحلة الانتقالية الراهنة، الأول لتفسير ما خلفته نهاية الحرب الباردة، تمهيدا للباب الثاني الذي يركز على إعطاء صورة إجمالية لأوضاع القوى الدولية الرئيسية دون وجود توازن بينها، بينما يعدد الباب الثالث عناصر أخرى في الواقع العالمي، يمكن أن تؤثر على صناعة عالم المستقبل.

وفي الخاتمة محاولة يصعب وصفها بأنها ناجحة، لبيان المقصود بالسؤال: مَن سيرث الأرض؟

"
الأوهام الأولية التي سادت في الغرب بصدد الانتصار التاريخي بعد سقوط الشيوعية وحلول نظام عالمي جديد مستقر، تبددت بالانتقال من مرحلة الحرب الباردة إلى مرحلة الحروب الأصغر في كل مكان، بدءا بالبلقان الأوروبية وانتهاء بالقارة الأفريقية
"
غياب التوازن
في الباب الأول يفند الكاتب نظرية "نهاية التاريخ" لفوكوياما الذي تراجع هو نفسه عنها، وإن لم يجد الكاتب حاجة للإشارة إلى ذلك، ثم يشرح نظرية "صراع الحضارات" لهنتنجتون شرحا يوحي بأنه يميل إلى تبنيها، وإن لم يذكر ذلك صراحة.

فهو يبرز بلهجة الإعجاب أن الكاتب الأميركي أدخل مفعول عناصر "الدين والثقافة" في وقت مبكر نسبيا على تفسير مجرى التاريخ والتنبؤ بالمستقبل، وهي العناصر التي يستفيض الكاتب في الحديث عنها في الباب الثالث لاحقا.

ويلوح في الباب الأول أن الكاتب يريد تركيز الأنظار على المنطقة الإسلامية، بادئا بالإشارة إلى إعادة صياغة مهام حلف شمال الأطلسي منذ مطلع التسعينيات الميلادية في اتجاه ما سمي "هلال الأزمات" بين المغرب وإندونيسيا (وأشهر مَن استخدم هذا التعبير كان مستشار شؤون الأمن القومي الأميركي بريجينسكي، وفي فترة لاحقة الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي فورنر).

ويؤكد الكاتب أن الأوهام الأولية التي سادت في الغرب بصدد الانتصار التاريخي بعد سقوط الشيوعية وحلول نظام عالمي جديد مستقر، تبددت بالانتقال من مرحلة الحرب الباردة التي كانت مرحلة "حربٍ غير محتملة وسلامٍ مستحيل" إلى مرحلة الحروب الأصغر في كل مكان، بدءا بالبلقان الأوروبية وانتهاء بالقارة الأفريقية.

وهذه الفترة استمرت حتى يوم التفجيرات في نيويورك وواشنطن، فهو اليوم الذي حدد في منظور الكاتب بداية عهد جديد يتميز بالحرب "المفتوحة".

ويقول في الباب الأول إن العناصر الجديدة التي بدأت تظهر بقوة بعد الحرب الباردة إنما بدأت بذورها أثناءها، ويأخذ الأمثلة على ذلك من ثورة أسعار النفط الخام للتركيز على منطقة الخليج، وبالتالي العراق وإيران، ومن الحروب الإسرائيلية العربية و"سلام السادات" وردود الفعل شعبيا مع ظهور العنصر الإسلامي بعد الثورة الإيرانية.

وفي الباب الثاني يتناول الكاتب على التوالي أوروبا وروسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية، ليؤكد نظرية عدم وجود توازن بينها، لأن أوروبا المتعددة القوميات والمصالح، سادها ويسودها التردد سياسيا وأمنيا، وروسيا "إمبريالية دون إمبراطورية" وتواجه المشكلات في داخلها وعلى حدودها.

أما الصين فهي لا تزال بين السعي لمكانة قوة دولية والعودة إلى مكانة "مملكة الوسط" كما سميت في عهود ماضية تأكيدا على موقعها آسيويا.

وتبقى الولايات المتحدة الأميركية التي لا تُعتبر القوة الدولية الأكبر فقط وإنما يتبين من خلال خوضها لحروبها الجديدة لاسيما "الحرب المفتوحة ضد الإرهاب"، أنها وقعت في "ورطة الإمبراطوريات" التي تُضطر إلى التحرك على أكثر من موقع في وقت واحد.

ولا يذكر شتورمر ذلك "ناقدا" بقدر ما يذكره تمهيدا لفكرة يدعو إليها لاحقا، وتتمحور حول التلاقي الدولي على القبول بمتطلبات "الأمن الضروري للحرية".

ورغم الرؤية السائدة عموما بأن معالم نظام عالمي -وهو محور عنوان الكتاب- تحددها مخلفات نظام سابق وتفاعل القوى الدولية الأكبر عالميا، فإن المؤلف أعطى الحديث عن ذلك في البابين السابقين معا حوالي 100 صفحة، وأعطى الباب الثالث وحده مثل ذلك، وهو الباب الذي يتناول العناصر الإضافية التي يرجح تأثيرها في صناعة المستقبل، من أجل أن "يحذر" من مفعولها.

"
لا تنسب الثروة النفطية إلى دول المنطقة وسكانها، فهي ثروة العالم المستهلك لها، ولا ينبغي أن تقع تحت سيطرة دولة نفطية أصولية بربرية بلا ضمير سياسي تستخدم الإرهاب سلاحا وتعادي إسرائيل
"
هلال الأزمات
يفصل الكاتب الحديث في هذا الباب عبر خمسة فصول تتحدث عن "هلال الأزمات" الإسلامي والنفط الخام، والحروب الصغيرة، و"الإرهاب"، والأسلحة النووية.

ويتجلى هنا الرأي السياسي في القلم الإعلامي أكثر فأكثر بدلا من البحث المنهجي للمؤرخ الجامعي، فالنفط الخام يعبر مضيق هرمز الآن بنسبة 40% ومستقبلا بنسبة 60% وهذا تصور مفزع، يعبر الكتاب عنه بصورة نموذجية تصلح مثالا على سواها عندما يتحدث عن إيران، فيربط بين مطلب الحيلولة دون تسلحها نوويا، وبين ضرورة ضمان التوازن والاستقرار لمنطقة يوجد فيها النفط "العالمي".

والأمر لديه بدهي أن لا تنسب الثروة النفطية إلى دول المنطقة وسكانها، فهي ثروة العالم المستهلك لها، ولا ينبغي أن تقع تحت سيطرة "دولة نفطية، أصولية بربرية، بلا ضمير سياسي تستخدم الإرهاب سلاحا، وتعادي إسرائيل، وتسعى للطاقة النووية، وتحكمها هيكلية سياسية غامضة، فإيران دولة تيوقراطية، تستند إلى القرآن الذي لا يمكن تبديل ما نظمه لشؤون الحياة، ولا يقبل تفسيرا بشريا، ناهيك عن التغيير، وليس المبدأ فيها انتخابات ديمقراطية، بل مبدأ الحقيقة الإسلامية، كما هي لدى حفنة من رجال الدين، الذين لا يعرفون شيئا عن العالم ولا خبرة لهم معه".

ويظهر من اختيار التعابير التي لا تليق في الأصل بأستاذ جامعي أو بحث علمي ولا تتجاوز حدود لغة إعلام غوغائي، أن الهدف من الكتاب هو التأثير على شريحة عريضة من عامة القراء.

وإيران هنا مثال فقط، فهو لا يقتصر عليها في حديثه بهذا الأسلوب، وإن خصص لها فصلا كاملا، بل ينتقل إلى دولة بعد أخرى، بدءا بالحديث عن "عراق صدام حسين" -رغم الإقرار في النهاية بأن الحرب الأميركية ضد العراق أدت إلى ملء الفراغ السياسي الإقليمي من جانب إيران- انتهاء بتعليله "استمرارَ المشكلة الفلسطينية" بما تثيره إيران عن طريق منظمة حزب الله وحماس وسواهما من جهة، وبأن "الدول العربية الاستبدادية في المنطقة" تخشى أن تفقد -إذا حُلت المشكلة- ذريعة استخدامها لتسويغ ممارسة الاستبداد من جهة أخرى.

ويتحول الربط بين "الإسلام والنموذج الإيراني" على النحو المشار إليه آنفا، إلى الأرضية التي يقوم عليها حديث الكاتب عن أهمية النفط الخام حاضرا ومستقبلا، في فصل أقرب إلى التهويل من شأن الخطر على الاقتصاد العالمي، في ظل نمو الاحتياجات العالمية لاسيما من جانب الصين الشعبية.

وفي تفسيره لظاهرة "الإرهاب" يعتبر الكاتب العمليات التي جرت حتى الآن محاولة لممارسة "حرب غير نظامية"، مع تأكيد مخاطر أن يصبح "إرهابا نوويا"، ويريد بذلك تسويغ المواجهة بوسائل غير اعتيادية، وهذا ما يطرحه على القارئ عبر إشادته بالرد الأميركي الذي يراه قائما على ثلاثة محاور، حظر انتشار الأسلحة النووية، والحرب ضد "الإرهاب الإسلامي"، والمواجهة المركزة على "دول فوضوية".

وهنا يصل إلى مقصوده في مطالبة الأوروبيين وحلف شمال الأطلسي بالاستعداد الأكبر لمواجهة "الحالة الجادة" التي تدور حول محور "الحروب الصغيرة" كما أشار لها.

وفي حديثه عن خطر التسلح النووي يعدد الأمثلة الراهنة على الساحة الدولية، ويفصل في مثال كوريا الشمالية، ليطرح السؤال عن كيفية السيطرة على الخطر النووي الجديد، مع المسارعة إلى استبعاد أسلوب السيطرة عليه في حقبة الحرب الباردة، وهنا الهدف من هذا الفصل الختامي.

فالمطلوب هو إنكار فائدة الأخذ بما كان يسمى آنذاك "توازن الرعب" وبالتالي مفعول القوة الرادعة التي دفعت الطرفين إلى معاهدات الحد من التسلح والحيلولة دون مواجهة نووية مدمرة.

والبديل تبعا لذلك هو منع وجود قوة رادعة لدى "دول فوضوية".

وهذا ما يعطي المضمون لدعوته الدول النووية الخمس الرئيسية إلى التفاهم، وتحذيره الضمني من انزلاقها إلى "سياسات جانبية" تعيق هذا التفاهم، متسائلا بلهجة النقد والاستنكار عن مدى أهمية كوريا الشمالية بالنسبة إلى الصين، والهند بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، وإيران بالنسبة إلى روسيا.

"
من يرث الأرض هو من يملك القدرة على التصرف مع تناقضات العالم، وهذا ما لا يضمنه سوى نظام حياة قائم على "المدنية المتحضرة" وشامل للحرية الاقتصادية والمالية
"
من يرث الأرض
؟
"من يرث الأرض؟" سؤال جعله الكاتب عنوانا إضافيا على الغلاف، وعنوانا لخاتمة الكتاب، التي يوجز فيها أفكارا وردت في أبوابه الثلاثة، مع طرح ظاهرة العولمة مدخلا إلى تحديد تحليله للتطور العالمي الجاري في اتجاهين متناقضين: أحدهما فوضى خطيرة، والآخر تشابك المعلومات والإنجازات تشابكا لا حدود له.

والنتيجة هي ولادة مزيد من التناقضات عالميا، منها التناقض بين الثراء والتقنية وبين الفقر والتخلف، ثم التناقض الناجم عن تفاوت الزيادة في عدد السكان بين منطقة عالمية وأخرى، ثم تناقض المصالح والسياسات بين مستوردي النفط ومصدريه، وبين أطراف كل فئة من الجانبين، ثم التناقض الناجم عن اختراقات في توزيع العالم بين من يملك الطاقة النووية ومن لا يملكها.

ويخرج الكاتب من ذلك إلى تأكيد أن مَن يرث الأرض هو من يملك القدرة على التصرف مع تناقضات العالم، وهذا ما لا يضمنه سوى نظام حياة قائم على "المدنية المتحضرة" وشامل للحرية الاقتصادية والمالية.

وهذه الحرية تتطلب الأمن، والمقصود هو الأمن من "الإرهاب" الذي "يهدد بخطره النسيج الاجتماعي للعلاقة بين حرية المواطنة والنظام العام".

والمطلوب إذن إيجاد الموازنة بين عنصر الحرية ومتطلبات الأمن، ومَن ينجح في تحقيق هذه الموازنة "يرث الأرض"، ولكن لا أحد يعلم الآن من سينجح فعلا، وهذا التحدي مطروح على "أوروبا القديمة" في نظر الكاتب.

وكما سبقت الإشارة يصعب القول إن في الخاتمة محاولة ناجحة لبيان المقصود من السؤال "من يرث الأرض" وبالتالي ما هي المعالم المحتملة لنظام عالمي مقبل.

المصدر : الجزيرة