عرض/محمود عبد الغفار
صدر مؤخرا عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية الذي يعرض في ثلاثة أبواب الاقتصادات العربية والاقتصاد الدولي إضافة إلى وضع الاقتصاد المصري خلال عام 2005 وبداية 2006.

 
-الكتاب: تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية
-المؤلف: مجموعة من الباحثين
-عدد الصفحات: 480
-الناشر: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام, القاهرة
-الطبعة: الأولى/ 2006
وذكر التقرير أن الاقتصادات العربية شهدت استمرارا لحالة الحراك المالي القوية بسبب زيادة الإيرادات الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط التي بلغ عام 2005 معدل زيادتها 40.6% بالمقارنة مع 2004.

كما ذكر أن معدلات النمو الحقيقية للناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية تأثرت بشكل إيجابي تبعا لارتفاع أسعار النفط لكن لم يكن لهذه الزيادة إلا أقل التأثيرات المفترضة.

وعلى العكس تحول تعاظم التدفقات المالية جراء أسعار النفط إلى نقمة وليس نعمة على البورصات العربية إذ تلقت هذه الأسواق التدفقات المالية الضخمة دون تغير في الاقتصاد العيني الحقيقي بصورة موازية مما أدى في النهاية إلى تزايد الطلب وارتفاع أسعار الأسهم بشكل جنوني دون وجود شركات صانعة للأسواق تهدئ من هذا الارتفاع، ودون وجود فورة استثمارية حقيقية توفر مشروعات جديدة للاكتتاب العام.

الاقتصاد البالوني
وكانت النتيجة هو حدوث حالة مما يمكن تسميته اقتصاد الفقاعة أو "الاقتصاد البالوني" الذي تعرض في النهاية للانفجار وانهيار الأسهم في عدد كبير من البورصات العربية وبالذات في الخليج.

وبرغم أن هذا التراجع هو إجراء تصحيحي مهم فإنه كان شديد القسوة على صغار المستثمرين وكبارهم, وأكد التقرير ضرورة أن يكون هناك تواز بين حركة الاقتصاد العيني والاقتصاد الرمزي حتى يمكن تفادي مثل هذه الانهيارات.

ورصد التقرير ما أسماه نزيفا للأموال العربية إلى الخارج في صورة الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة وودائع مصرفية تخرج من البلدان المصدرة للنفط إلى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان ودول شرق وجنوب آسيا.

"
تعاظم التدفقات المالية جراء أسعار النفط تحول إلى نقمة على البورصات العربية إذ تلقت هذه الأسواق التدفقات المالية الضخمة دون تغير في الاقتصاد العيني الحقيقي بصورة موازية مما أدى في النهاية إلى انهيار عدد من البورصات العربية
"
واعتبر التقرير ذلك أسوأ نمط لاستغلال ريع الثروة النفطية أو بالأحرى إهدار إيرادات هذه الثروة الناضبة، وذكر أن توظيف قسم مهم من إيرادات النفط بهذا الشكل يخرجها من معادلة تحقيق التطور الاقتصادي وتوظيف العمالة في داخل هذه الدول أو في أي دولة عربية.

وتتفاوت التقديرات بشأن الأموال العربية العامة والخاصة المستثمرة في الخارج، وإن كانت أدنى التقديرات تشير إلى أنها بلغت نحو ألف وأربعمئة مليار دولار في بداية العقد الحالي بينما تصل بعض التقديرات إلى أكثر من ضعف هذا الرقم المذهل.

وافترض التقرير أنه إذا حصلت الدول العربية لمدة خمس سنوات متتالية على استثمارات مباشرة بقيمة الفائدة أو العائد فقط من هذه الأموال المستثمرة في الخارج فإن مثل هذه الاستثمارات التي ستتراوح بين 350 و400 مليار دولار يمكن أن تحدث تحولا هائلا في اقتصادات المنطقة العربية بأسرها، وفي مستوى تشغيل قوة العمل ومكافحة الفقر وتحديث وتنويع هياكل الاقتصادات والصادرات العربية.

معدلات التضخم
وذكر التقرير أن معدلات التضخم في البلدان العربية سجلت في 2005 مستويات قريبة من تلك المتحققة في 2004، لكنه أشار إلى أن حساب معدل التضخم يتعرض للتلاعب في هذه الدول والنامية بشكل عام وفي النظم التي تتسم بضعف الشفافية، وذلك من خلال التلاعب في السلة السلعية والخدمية التي يتم احتساب التضخم على أساسها لترجيح وزن السلع والخدمات التي تتسم حركة أسعارها بالبطء بحيث يأتي معدل التضخم أقل كثيرا من الواقع لإعطاء انطباع عام بنجاح السياسات الاقتصادية.

وأكد التقرير أن ارتفاع معدل زيادة أسعار المستهلكين (مؤشر معدل التضخم) يؤدي إلى إعادة توزيع الدخل لصالح الأثرياء على حساب أصحاب الدخول الثابتة وشبه الثابتة من العمال والموظفين وأصحاب المعاشات.

"
ارتفاع معدل زيادة أسعار المستهلكين (مؤشر معدل التضخم) يؤدي إلى إعادة توزيع الدخل لصالح الأثرياء على حساب أصحاب الدخول الثابتة وشبه الثابتة من العمال والموظفين وأصحاب المعاشات
"
وفيما يتعلق بمعدلات البطالة السائدة في البلدان العربية ذكر التقرير أنها من أعلى المعدلات في العالم التي تقيس البطالة الإجبارية السافرة والفنية والاحتكاكية فضلا عن أن هذه الدول تعاني البطالة غير المحسوبة في المعدلات الرسمية مثل البطالة المقنعة والبطالة الاختيارية.

وتشير بيانات الجامعة العربية إلى أن عدد العاطلين بلغ 15 مليون شخص في الدول العربية بما رفع معدل البطالة في إجمالي هذه الدول إلى 15% من قوة العمل المحتملة فيها.

واعتبر التقرير أن هذا المعدل المرتفع للبطالة يشكل إهدارا لطاقة عنصر العمل من جهة، ويشكل من جهة أخرى تهديدا للاستقرار السياسي والاجتماعي ويوفر أرضا خصبة لنمو التطرف السياسي والعنف الجنائي.

خيارات الحكومة الفلسطينية
وعرج التقرير على خيارات الحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة حماس جراء الحصار الغربي ضدها، وذكر أنه يمكن لهذه الحكومة أن تكسب احترام العالم بما فيها الدول التي هددت بوقف المساعدات المقدمة لها أو على الأقل شعوب تلك الدول إذا بدأت بإنشاء جهاز وطني مستقل تماما لمكافحة الفساد يتم تشكيله من خبراء ينتمون إلى جميع الاتجاهات السياسية ومشهود لهم بالكفاءة والنزاهة.

أما بالنسبة لتمويل الحكومة فإنها يجب أن ترتكز –بحسب التقرير- على سياسات داخلية وأخرى خارجية، ترتبط في الأولى ببناء إستراتيجية اقتصادية قائمة على المشروعات الصغيرة في مختلف المجالات، وبالذات في قطاع الصناعة وعلى الأخص في الصناعات عالية التقنية والبرمجيات، حيث تكون هذه المشروعات صغيرة ولا تحتاج لمناطق خاصة خارج الكتل السكانية، وبالتالي تكون متمتعة بدرجة أعلى من الحماية بوجودها المتناثر داخل الكتل السكانية.

ولنجاح المشروعات الصغيرة اشترط التقرير بناء حضانة وطنية تضم الخبراء الاقتصاديين من جميع الاتجاهات السياسية لتقوم بالتنسيق بين المشروعات وتساعدها في إعداد دراسات الجدوى وفي اختيار مجالات العمل وفي تمويل التمويل الداخلي والخارجي الميسر وفي مراقبة الالتزام بالمواصفات القياسية حتى تتمكن من التسويق المحلي والإقليمي والخارجي لمنتجاتها بصورة تنافسية وعالية الكفاءة لضمان استمرارها ونجاحها.

كما يجب على الحكومة تطوير ثقافة ادخارية واستثمارية تستنهض مدخرات واستثمارات أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل، ونوه التقرير إلى أن معدل الادخار بالصين التي يتساوى نصيب دخل مواطنها مع نظيره في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 يصل إلى 47% من الناتج المحلي الإجمالي لأن لديها إرادة التقشف والاقتطاع من الدخل الآني والإشباع الآني من أجل بناء مشروعات جديدة تنطوي على اختراق اقتصادي.

"
الحكومة الفلسطينية يمكن أن تحصل على مساندة من الخارج عبر أربعة محاور: تنشيط الدعم من الفلسطينيين بالشتات، وتشكيل صندوق عربي تموله الدول البترولية, واستنهاض التبرعات من الشعوب الإسلامية, وبناء مناطق صناعية فلسطينية في دول الجوار
"
وأكد التقرير أن تطوير الجهاز المصرفي والأوعية الادخارية وانتهاج سياسات نقدية مرنة وسياسات مالية توسعية، إلى جانب التغيير الثقافي المطلوب يمكن أن تساعد في مجملها على استنهاض المدخرات والاستثمارات المحلية.

وبالنسبة للمساندة التي يمكن أن تحصل عليها الحكومة من الخارج فحددها التقرير بأربعة محاور: الأول هو تنشيط الدعم من الفلسطينيين بالشتات، والثاني عبر تشكيل صندوق عربي يتلقى موارده خصوصا من الدول العربية المصدرة للنفط بواقع ربع دولار فقط عن كل برميل بما يوفر نحو ملياري دولار سنويا.

أما المحور الثالث فهو استنهاض التبرعات من الشعوب العربية والإسلامية ويمكن أن توفر 1.3 مليار دولار إذا تبرع كل مواطن بدولار واحد، في حين يكون المحور الرابع في بناء مناطق صناعية فلسطينية قائمة على التجمعات الصناعية الكبيرة في دول الجوار التي تعمل على تنشيط الاستثمارات لديها مثل مصر وسوريا وربما الأردن إذا غير موقفه من الحكومة.

التباطؤ سمة 2005
أما عن الاقتصاد العالمي في عام 2005 فاعتبر تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية أن عنوانه الأبرز هو "التباطؤ"، مشيرا إلى أن هذا هو التعبير الذي تكرر في التقارير الاقتصادية الرئيسية الصادرة عن صندوق النقد والبنك الدوليين والأمم المتحدة.

وذكر التقرير أنه بينما ساد تفاؤل متعاظم بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية وانتشار النمو عبر مناطق وأقاليم العالم الاقتصادية المختلفة عام 2004، فإن هذا التفاؤل اتسم بقدر من الحذر مع بروز مؤشرات عام 2005 والتي لم تدفع إلى المستوى نفسه من التفاؤل.

وتقدر مصادر البنك الدولي أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي قد انخفض إلى 3.2% في 2005 بعدما كان 3.8% في 2004.

ورصد التقرير ثلاثة مستجدات رئيسية كان لها التأثير الأكبر على الاقتصاد العالمي في 2005، وتأثير هذه المستجدات على الواقع الاقتصادي الدولي وتفاعلها مع بعضها بعضا يمكن أن يؤدي لتشكل خريطة اقتصاد عالمي جديد.

"
"التباطؤ" هو العنوان الأبرز للاقتصاد العالمي في عام 2005 وهو التعبير الذي تكرر في التقارير الاقتصادية الرئيسية الصادرة عن صندوق النقد والبنك الدوليين والأمم المتحدة
"
وتتمثل هذه العوامل الثلاثة في الأول: ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير يذكر بحقبة السبعينيات، والثاني: الكوارث الطبيعية التي بلغت عام 2005 مستوى غير مسبوق منذ 154 عاما حين بدأ تسجيل الأعاصير رسميا لتدخل بذلك الكوارث عصرا يمكنها فيه أن تكون قيدا على الاقتصاد العالمي وتحد فيه من النمو، والثالث: خطر انتشار فيروس إنفلونزا الطيور بين البشر ليشكل وباء فتاكا يذكر بالأوبئة الكبرى التي أدى بعضها إلى تغيير نمط الاقتصاد القائم في القرون السابقة.

من جهة أخرى رصد تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية في مصر –التي يصدر بها التقرير- موضوعات تتعلق بعلاقات مصر مع الفاعلين الرئيسيين في الاقتصاد الدولي، وقراءة نقدية لبرنامج الخصخصة الذي تنفذه الحكومة المصرية وللبرامج الاقتصادية للأحزاب السياسية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة إضافة إلى قراءة تحليلية لبيان الحكومة.

كما يرصد التقرير ما أسماه بواقع الإفقار في مصر وأجواء واقع الاتصالات، إضافة إلى العلاقات بين مصر وأفريقيا.

المصدر : الجزيرة