عرض/زياد منى
يعد تاريخ مدينة القدس القديم عموما، وتحديدا العائد منه إلى الفترة الواقعة بين القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد، ذا أهمية كبيرة في الصراع/الحوار الدائر بين الشرق العربي المسيحي والمسلم، والغرب المسيحي والعلماني.

وتتجلى أهمية ذلك في الصراع على فلسطين بين الحركة الصهيونية ومن ورائها الذين اتخذوا من النقاش التاريخي قاعدة يستندون إليها في تسويغ اغتصاب فلسطين العربية وإقامة دولة لليهود عليها، وبين أصحاب الأرض الشرعيين ومن ورائهم أنصار الحق والعدل في العالم.

- الكتاب: القدس في العصر الحديدي
- تأليف: مارغريت شتاينر
- المترجم: رزق الله بطرس وزياد منى
- عدد الصفحات: 204
- الناشر: قدمس للنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة: الأولى/2006

مدينة داود

وأهمية الفترة الواقعة بين القرنين العاشر والتاسع تعود إلى ادعاءات تاريخية، ذات قاعدة لاهوتية يهودية مسيحية مستمدة من الأسفار التاريخية (القضاة والأخبار)، تقول إن دَاود بن يسي الذي يعرف تقليديا في التراث العربي والإسلامي بأنه هو النبي داود، انتزع مدينة القدس التي عرّفها كتاب اليهودية والمسيحية المقدس بأنها مدينة يبوس من أهلها وأطلق عليها اسم أورشليم، مشكلا بذلك منطلق مملكة بني إسرائيل من مدينته (مدينة داود) التي أضحت عاصمة تلك المملكة (1000-960 ق م!).

كما يسجل ذلك التاريخ أن أحد أبنائه، واسمه التوراتي شلمه (ينطق شلومو ’960-930 ق م!)، ويعرف عادة في التراث العربي والإسلامي بأنه النبي سليمان، أسس مملكة مشرقية سادت في القسم الأكبر من المشرق العربي.

وفي القرون العشرين الماضية شكلت تلك الرؤية اللاهوتية أرضية كل بحث في تاريخ فلسطين القديم عموما، وتاريخ مدينة القدس تحديدا.

وعندما تمكن الكيان الصهيوني من استكمال احتلال فلسطين (الانتداب) وجوهرتها القدس عام 1967م فتح أمامه المجال على أوسع أبوابه لوضع أرضية "علمية تاريخية" لادعاءاته التوسعية المعاصرة في فلسطين، خصوصا أنه أعلن المدينة العربية المحتلة عاصمة إسرائيل الأبدية "غير القابلة للتقسيم".

ولتأسيس أرضية تاريخية لادعائه قام بنشر مجموعات من فرق التنقيب الأثرية الإسرائيلية والدولية المتعاطفة معه في المناطق الواقعة في ما يعرف في القاموس السياسي باسم الضفة الغربية التي شكلت المكان المفترض لمملكتي "يهوذا" و"إسرائيل" المفترضتين.

وكانت منطقة القدس أو ما يعده علماء الآثار القسم الأقدم من جنوبها الذي أطلقوا عليها اسما اعتباطيا هو "مدينة داود" الأساس الذي عمل فيه أولئك العلماء، بهدف تثبيت تاريخ للمدينة يتطابق مع الأسس اللاهوتية التي ينطلق منها.

وقد كان من الطبيعي أن يتركز البحث فيها عن "مدينة داود" ويبوس وما إلى ذلك من الأسماء التي لم يعثر على أثر لها في غير الكتب اللاهوتية اليهودية والمسيحية.

وكانت المنطقة الآنفة الذكر قد خضعت لتنقيب أثري قامت به عالمة الآثار الإنجليزية الشهيرة كاثلين كنيُن (1906-1978م) ابنة "عالم الآثار التوراتية" ومدير المتحف البريطاني سير فرديك كنيُن التي اشتهرت عالميا بتنقيبها في مدينة أريحا.

ولكن بعد سقوط "الضفة الغربية" تحت الاحتلال الإسرائيلي منعت السلطة الجديدة العالمة من إكمال أبحاثها ووضعت التنقيب تحت إشرافها المباشر.

"
الاستنتاج العلمي الصلب بأن القدس لم تكن في تلك المرحلة مدينة بمعنى الكلمة، وإنما مستوطنة صغيرة يعني إلغاء للتأريخ الخلاصي الذي فرضته الرؤية التوراتية عبر قرون
"
منهج الكتاب
كان لابد من هذه المقدمة/الخلفية لتوضيح أهمية الكتاب الذي يناقش المسألة التاريخية من منظور علم الآثار، والفترة الزمنية التي يتعامل معها.

والكتاب الذي ألفته عالمة الآثار الهولندية مارغريت شتاينر التي عُهد إليها بتقويم إرث كاثلين كنين العلمي عن آثار مدينة القدس في العصر الحديدي، يتضمن مراجعة كاملة لكل ما تركته العالمة البريطانية من آثار وملاحظات عن عملها.

وحتى تتمكن العالمة الهولندية التي كتبت مقدمة خاصة بالنسخة العربية من متابعة الموضوع المعقد انطلاقا من منهجية علمية صارمة واعتمادا عليها، رأت أن الأسلوب الأفضل هو تعقب الآثار ذات العلاقة، أو التي يظن أنها كذلك تعقبا تسلسليا زمنيا.

وقد قسمت المؤلفة كتابها الذي يحوي ما يزيد عن مائة مصور وخريطة إلى سبعة فصول، منها مقدمة وملخص.

وقد حوت المقدمة المعطيات المتوفرة للكتاب، إضافة إلى أمور عملية تتعلق بأسلوبها في البحث، منها نظام الترقيم وتحليل طبقات الصخور، والتأريخ والترتيب الزمني، وغيرها من الأمور العلمية المحض.

أما الفصول الواقعة بين المقدمة والملخص فقد خصصتها لفترات زمنية تبدأ بالفترات الأكثر قدما، حين بحثت في المواد العائدة للعصر البرونزي المبكر والوسيط، وأهمية ما عثر عليه لتقويم وضع "المدينة" في تلك الفترة.

وقد وضعت المؤلفة نتائج أبحاثها عن تلك الفترة بالارتباط مع الآثار التي عثر عليها، من أوان وجدران وكهوف وما إلى ذلك.

أما الفصل الثالث فقد خصصته المؤلفة لآثار العصر البرونزي الوسيط الثاني حيث قامت بدراسة استنتاجات كاثلين كنين، وناقشتها مناقشة مستفيضة، شارحة في الوقت نفسه أسباب قبولها بعض تلك الاستنتاجات واعتراضاتها على بعضها الآخر.

وأما الفصل الرابع فخصصته للعصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي المبكر حين قامت أيضا بتقويم المواد الأثرية التي تركتها كاثلين كنين، إضافة إلى ملاحظاتها عنها.

تأخذنا المؤلفة في الفصلين الخامس والسادس إلى المرحلة الأساس في البحث ألا وهي العصر الحديدي الثاني، وإلى الفترة الممتدة من القرن العاشر قبل الميلاد إلى القرن السادس قبل الميلاد.

وهذا القسم يحوي أهم الأبحاث، نظرا لأهمية المرحلة بالعلاقة مع التأريخ التوراتي لمدينة القدس، وفيهما تناقش المؤلفة كل ما توفر من آثار، ومن أوان وبيوت وكهوف ومصاطب وجدران.. إلخ، وإمكانية علاقتها بتاريخ المدينة في تلك الفترات الزمنية.

القدس والرواية الخلاصية
في القسم الأخير من أبحاثها تلخص المؤلفة ما وصلت إليه من استنتاجات بالقول: استنادا إلى الدلائل الأثرية يمكن وصف القدس في القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد بأنها مدينة صغيرة محصّنة، لا يزيد حجمها عن (12 هكتارا) ومن الممكن أنها كانت تتسع لسكنى ألفي نسمة.

لقد تأسست كمدينة جديدة كما لم تكن أي مدينة أخرى، وكان فيها بعض التحصينات المثيرة وربما عدة مبان عامة، وقليل من الأحياء السكنية. وربما كانت تقوم بمهمة المركز الإداري الإقليمي أو العاصمة لدولة صغيرة أنشئت حديثا.

وقد أكدت الكشوف في البلاد الكثيرة التلال من "يهوذا" هذه الصورة للقدس كمركز للإقليم في العصر الحديدي الثاني، وهذا يعني سحب القاعدة العلمية من تحت أقدام (التاريخ الخلاصي) المنطلق توراتيا والذي يعيد كل مكتشف في فلسطين عموما، وفي القدس على نحو خاص، إلى الرواية التوراتية المعتمدة يهوديا ومسيحيا.

إن قول المؤلفة المعتمد على أساس علمي صلب إن القدس لم تكن في تلك المرحلة (1000-950 ق م) مدينة بمعنى الكلمة، وإنما مستوطنة صغيرة يعني الإلغاء الفعلي للتأريخ الخلاصي الذي فرضته الرؤية التوراتية عبر قرون.

وعلى هذا فإن ما يعرف باسم "المملكة المتحدة" في التراث التاريخي الخلاصي التي انشقت فيما بعد إلى مملكتي "يهوذا" و"إسرئيل" غير مثبت علميا.

"
التنقيبات الأثرية العلمية التي أشرف عليها علماء صهاينة إشرافا مباشرا في مدينة القدس تقدم صورة مختلفة لتاريخ المدينة عما تحاول الصهيونية اليهودية والمسيحية فرضه على العالم
"
بل أكثر من هذا، إن التنقيبات الأثرية العلمية في مدينة القدس التي أشرف عليها علماء صهاينة إشرافا مباشرا تقدم صورة مختلفة لتاريخ المدينة، وبالتالي الإقليم عما تحاول الصهيونية اليهودية والمسيحية فرضه على العالم.

وقد أثرت المؤلفة كتابها بملحق مهم كتبه عالم الآثار ديني بواس فدر يشرح فيه على نحو مسهب بعض الآثار المقدسية ذات العلاقة بالبحث ومنها الجدار وأسس المباني والبوابات والطرق.. إلخ.

ويعد هذا الملحق مثيرا لأنه يشرح للقارئ غير المتخصص، والمتخصص أيضا كيفية إجراء حسابات الفترة الزمنية التي أنجز فيها سور ما أو مبنى ما وكلفته، وعدد العاملين فيه، وبالتالي، السلطة التي أشرفت على إنجازه، مما يقود إلى تقويم حجمها وأثرها في البلاد.

خاتمة
مؤلفة هذا الكتاب حافظت على رصانتها العلمية الصارمة ولم تنجر إلى أي مقولات سياسية، قد تؤدي في النهاية إلى سحب أوراق اعتمادها كعالمة ملتزمة.

إضافة إلى ذلك، فإن أهمية ما وصلت إليه من استنتاجات يكمن في حقيقة التزامها الإيماني المسيحي بما يجرد أعداءها الكثيرين من سلاح "تهمة العلمانية".

وإضافة إلى أهمية المعارف التاريخية العلمية التي يحويها الكتاب، فإنه يعد بحق دليلا في البحث التاريخي والأثري نحن في أمس الحاجة إليه، حتى تهتدي كتاباتنا التاريخية بأسس علمية صلبة وإيضاح أن كتابة التاريخ ليست هواية يستطيع أي أحد ممارستها، بل إنها علم معقد ذو أدوات معرفية من غير الممكن الاستغناء عنها.

المصدر : الجزيرة