عرض/ إبراهيم غرايبة
يعرض الكتاب المشهد السياسي الروسي في المرحلة التي أعقبت رحيل الرئيس الروسي بوريس يلتسين في اليوم الأخير من عام 1999، وتناقضات هذا المشهد الملفتة للاهتمام، الشيوعيون الذين يناضلون من أجل الديمقراطية البرلمانية، والليبراليون الذين يدافعون عن الدكتاتورية، وضابط الاستخبارات السوفياتية الكي جي بي يقود التحول المؤيد للغرب، والشعب الروسي العادي أكثر قابلية للتحديث من النخبة الروسية التي تفضل بقاء الوضع على حاله، كونها غير قادرة على الحكم بالوسائل الديمقراطية.











- اسم الكتاب: روسيا بوتين

- المؤلف: ليليا شيفتسوفا
- ترجمة: بسام شيحا
-عدد الصفحات: 526
-الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت

-الطبعة: الأولى/ 2006

بوتين خليفة يلتسين
عندما جاء فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000 خلفا لبوريس يلتسين كانت روسيا تغرق في أزمات مالية وسياسية، وتبدو متجهة نحو الهاوية.

فقد وجد الروس أن مشروعات الإصلاح السياسي والاقتصادي لم تكن سوى وهم، وخلف يلتسين وراءه تركة سياسية واقتصادية معقدة، من الفساد والتحولات الفكرية والسياسية، والمزج بين السلطة والتجارة والأعمال، والعنف، والشكوك في الخصخصة والنظام الاقتصادي الجديد.

كان بوتين يحظى شعبيا بدعم الشباب وذوي التعليم المتوسط، ولكن الدعم الحقيقي الذي أوصله إلى السلطة جاء من الجيش ووزارة الداخلية ووكالة الاستخبارات والكنيسة الأرثوذكسية، وهي المؤسسات الروسية التي تتمتع باحترام الناس في روسيا، وتعتبر في نظرهم خالية تقريبا من الفساد.

وقد حظي بأصوات نسبة كبيرة من الشيوعيين والقوميين والليبراليين اعتقادا منهم أنهم بذلك يراهنون على الحصان الرابح، وقد عكس فريقه في الحكم والإدارة هذا التشابك بين الأحزاب والأفكار والعهود أيضا، القيصرية والشيوعية وما بعد الشيوعية.

وكان بوتين القادم من الكي جي بي يتمتع أيضا بطريقة تفكير هذا القطاع من العمل، والقائم على الوحدة ورفض التعددية والتنوع والشك والغموض والميل إلى السرية.

وبدأ عمله بحرب مع الحريات والمؤسسات الصحفية والإعلامية، ثم بدأ بشكل تدريجي يدفع بزملائه السابقين في الأجهزة الأمنية إلى مقدمة مواقع السلطة، ودخل في مواجهة مع مجموعة من النخب السياسية والإعلامية والاقتصادية التي سيطرت على المشهد الروسي في السنوات العشر السابقة لمجيئه إلى سدة السلطة.

وعلى مستوى السياسة العالمية فقد كان أمام بوتين قضايا العلاقة مع الغرب والإصلاحات الاقتصادية وحقوق الإنسان وبخاصة في الشيشان، وقد التقى كلا من بلير رئيس الوزراء البريطاني، وجورج روبرتسون الأمين العام لحلف الناتو.

لم يكن بوتين ديمقراطيا، ولم يكن أيضا دكتاتوريا، ودخل في مخططات جديدة للحكم والإدارة لم تواجه مقاومة تذكر، ربما بسبب سيطرة السلطة المركزية على وسائل الإعلام، وعدم وجود معارضة قوية، وسلبية المجتمع وقدريته، وربما كان الروس يعلقون آمالا كبيرة على بوتين، وهكذا فقد انحصر الاستياء من بوتين بين مجموعات قليلة من المثقفين والليبراليين.

"
كان بوتين أقرب إلى أن يكون زعيما شيوعيا من أن يكون زعيما لفترة ما بعد الشيوعية، وكان سلوكه قاسيا مع منتقديه وبخاصة الإعلاميين، وبمجيء صيف عام 2000 كان قد نجح في ترويض حكام الأقاليم, وانحصر الاستياء منه بين مجموعات قليلة من المثقفين والليبراليين 
"
كان بوتين أقرب إلى أن يكون زعيما شيوعيا من أن يكون زعيما لفترة ما بعد الشيوعية، وكان سلوكه قاسيا مع منتقديه، وبخاصة الإعلاميين، وبمجيء صيف عام 2000 كان قد نجح في ترويض حكام الأقاليم، وأسكت الدوما، وأضعف كل المؤسسات السياسية الأخرى، وأرهب الصحافة، وصار القوة الوحيدة على المسرح السياسي.

ربما كان بوتين أقل دكتاتورية من يلتسين، ولكن المجتمع الروسي الذي تعب كثيرا في أثناء السنوات العشر السابقة، وضعف السياسيين وفقدانهم ثقة الناس، جعلت المنافسة السياسية التي ميزت الفترة السابقة تختفي.

ولكن كارثة الغواصة "كورسك" كانت صدمة كبيرة للروس وكارثة على بوتين، فقد كشفت عن حجم الترهل والارتباك والفساد أيضا في الإدارة الروسية، وأظهرت أن المسؤولين الروس يتمتعون بقدر كبير من اللامبالاة تجاه حياة المواطنين وسلامتهم وأمنهم، وبدأت الشكوك تتراكم في قدرة الحكومة على تحسين الوضع في البلد.

وبعد كارثة كورسك اشتعلت النيران في أبراج أوستانكينو التلفزيونية والتي تعد أحد رموز العظمة السوفياتية، وتبين أن العيوب الكبرى التي تلازم النظام الروسي لم تجر مراجعتها بعد كارثة كورسك، فلم تبدأ عمليات الإطفاء إلا بعد ثلاث ساعات من اندلاع الحريق، ولم يبادر أحد من المسؤولين، المحافظ ووزير الطاقة ورئيس الوزراء لمواجهة الكارثة.

ذلك أن أي قرار في العملية مثل قطع الكهرباء يحتاج إلى قرار من الرئيس الذي تكدست وحصرت بيده جميع السلطات والصلاحيات، وكان رد الفعل لدى بوتين على حملات الانتقاد والاستياء هو الانتقام من الصحفيين والتضييق على وسائل الإعلام.

سلطة في قبضة واحدة
كانت قضية الشيشان بعد سنة من تولي بوتين السلطة هي القضية الوحيدة المتبقية وتزعج القيصر الجديد، فقد فشلت عمليات "مكافحة الإرهاب" وقتل في عام 2000 أكثر من 2500 جندي روسي في الشيشان.

وبدأ الشيشان وغيرهم يعتقدون أن السلطات الروسية أو على الأقل السلطات العسكرية لم تكن تريد إنهاء الحرب، ومن الواضح أن شخصا ما في مكان ما في القيادة العسكرية قرر بأن استمرار الحرب كان مفيدا بحسب تفسير حسبولاتوف، الشخصية السياسية الشيشانية والذي شغل منصب رئيس البرلمان الروسي.

فقد منحت الحرب للجنرالات ترقيات دائمة على السلم المهني، وقدمت التمويل اللازم للجيش والقوات الخاصة، والثروة الشخصية، وتنامى الدور السياسي لأجهزة السلطة الرئيسية في المجتمع، أما سقوط المجندين وصغار الضباط في ساحات القتال فلم يكن يثير القلق لدى القيادتين العسكرية والمدنية على حد سواء.

ولكن بالرغم من كل التساؤلات فقد كان المجتمع يتقبل الحرب في الشيشان برغم تحولها إلى مسلخ يعمل على مدار الساعة، وبدأت السلطة توقف الأنباء عن الخسائر في الشيشان.

"
تمكن بوتين من جمع الأدوات الأساسية الخاصة بالسلطة في يديه، واستطاع أن يبطل تأثير المجموعات المتنفذة في عهد يلتسين، ووجه ضربة إلى أفراد الطبقة الحاكمة، وجعلهم يتخلون عن طموحاتهم السياسية
"
وفي المقابل فقد نشأ جيل شيشاني كامل لا يعرف سوى الحرب، أعد للقتال فقط، ولم يكن يشغل فكره سوى الانتقام من الروس، وبخاصة مع عمليات الاضطهاد والاعتقال بدون محاكمة والإعدام العشوائي، والاستيلاء على أموال وممتلكات الشيشان.

وبدأ بوتين يستعيد الرموز السوفياتية السابقة، ويؤكد على أن روسيا قوة عظمى، وهو في ذلك كان يستقطب تأييد قطاع واسع من الناس وإن ساهم في انقسام المجتمع والنخب في روسيا، ولكنه لغة القوة العظمى كانت عاملا موحدا للروس وسببا في عدم استقرار العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية.

واتخذ الفريق الحاكم سلسلة من الخطوات لإبداء برودة مشاعره تجاه واشنطن، فقد أشار بوتين إلى عدم اهتمامه بتطوير العلاقة مع الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، أي كلينتون، ووضع كما قال معلق صحفي بطريقته الملتوية المدروسة العلاقات الأميركية الروسية في وضعية الانتظار.

وأبلغ وزير الخارجية الروسي إيفانوف المسؤولين الأميركان أن روسيا غير ملتزمة باتفاق سابق يقضي بالحد من تزويد إيران بالأسلحة، وحلقت مجموعة من الطائرات الروسية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2000 فوق حاملة الطائرات الأميركية "كيتي هوك" وهي عملية لم تحدث منذ انتهاء الحرب الباردة، وكأن الجيش الروسي يبعث رسالة إلى الولايات المتحدة الأميركية بأننا ما نزال أقوياء، ويمكننا أن نسبب لكم المشاكل.

وبعامة فإن العام الأول لبوتين في الحكم برغم أنه شهد تصاعد الحرب في الشيشان وغرق الغواصة كورسك فقد كان التفاؤل الشعبي عاليا على نحو مثير للدهشة، وبخاصة لسكان المقاطعات وكبار السن والفقراء وأولئك الذين يحيون حياة بسيطة معتمدين على أجورهم ورواتبهم التقاعدية، وأما المثقفون وسكان المدن الكبيرة فقد كانوا يشعرون بالإحباط وخيبة الأمل.

ولكن بالنسبة لبوتين فقد تمكن من جمع الأدوات الأساسية الخاصة بالسلطة في يديه، واستطاع أن يبطل تأثير المجموعات المتنفذة في عهد يلتسين، ووجه ضربة إلى أفراد الطبقة الحاكمة، وجعلهم يتخلون عن طموحاتهم السياسية.

وبدأ الروس بعد التجربة "الإصلاحية" التي أعقبت انهيار الشيوعية والاتحاد السوفياتي يعتقدون أن النموذج الغربي في التمدن لم يكن مناسبا للنظام الروسي في التطور.

وعبرت الأغلبية الروسية عن قناعتها بأن الثقافة الروسية والغربية متعارضتان، ولم يكن هذا الموقف يعكس عداء للغرب، وفي الوقت نفسه استمرت روسيا باستعارة نمط الحياة الغربي، وكانت طبقة النخبة أكثر الفئات الاجتماعية اتباعا لذلك النمط.

وفجأة بدأت الرغبة لدى الطبقة الحاكمة وبقية المجتمع بالعودة إلى القيم الروسية التقليدية، وتزايد عدد الروس الذين يعتقدون أن تطور روسيا يقوم على حكومة قوية مركزية، وسلطة مركزة في يد الزعيم، وأيديولوجيا القوة العظمى.

من الدكتاتورية النخبوية إلى الدكتاتورية البيروقراطية

"
استطاع بوتين في عام 2004 أن يحصل على فترة رئاسية ثانية، وقد استطاع أن يوقف تجربة يلتسين الفوضوية، ولكنه دخل في مشروعين متناقضين: محاولة الحفاظ على حكم تقليدي، وبناء اقتصاد حديث في وقت واحد
"
بدأ بوتين بعد عام من توليه السلطة يقدم برنامجه ورؤيته السياسية والاقتصادية، وأعلن عن عزمه على تجديد الإصلاحات الاقتصادية التي توقفت في عهد يلتسين.

ووعد بوضع حد للمنافع المتأتية من المناصب، وإصلاح جهاز الدولة، وقدم إلى البرلمان مجموعة من مشاريع القوانين التي تضمنت إصلاحا قضائيا، وقانونا زراعيا، وإصلاحا للنظام التقاعدي، وتغييرات في التشريع الضريبي، وتنظيم التجارة، وقانون عمل جديدا.

وطرد بوتين رئيس شركة "غاز بروم" الشركة الاحتكارية الأولى في روسيا والتي تمد الميزانية الروسية بربع عوائدها المالية، ثم أجرى تغييرات في شركة الكهرباء، وهي شركة احتكارية، واعتقل عددا من مدراء الشركات، وأغلق عددا من الصحف ومحطات التلفزيون، مثل NTV و TV6 وهكذا فقد أنشأ بوتين نظاما قائما على توليفة من الدكتاتورية السياسية والليبرالية الاقتصادية.

وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول مناسبة لإصلاح العلاقات الروسية الأميركية والغربية، وكانت هذه العلاقات في بداية العام 2002 في أفضل حالاتها، غير أن السعادة الأولية بالتقارب بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية بدأت بالتضاؤل تدريجيا، وعلت أصوات الاستياء، حتى القوى المناصرة للغرب في روسيا كانت تتذمر من موافقة روسيا على كل التنازلات إلى الولايات المتحدة، تلك التنازلات التي كانت تعتبرها قبل سنوات قليلة غير قابلة حتى للمناقشة.

كانت موسكو تأمل أن تحصل مقابل الإذعان الأمني على تعويضات اقتصادية، ولكن بوتين خاب أمله، ولكن أوروبا قدمت إلى روسيا بوتين هدية طال انتظارها، اعتراف الاتحاد الأوروبي بالوضع القانوني لاقتصاد السوق الروسي.

وقد شجعت هذه الخطوة واشنطن على اتخاذ قرار مماثل، وقد أوجد هذا الاعتراف مناخا أفضل للتجارة الروسية، فقد كانت روسيا تخسر من قبل 1.5 مليار دولار سنويا بسبب القيود المفروضة على منتجاتها في السوق الدولية، وهكذا أصبحت الشركات الروسية تملك إمكانيات دخول أوسع إلى الأسواق الغربية.

استطاع بوتين في عام 2004 أن يحصل على فترة رئاسية ثانية، وقد استطاع أن يوقف تجربة يلتسين الفوضوية، ولكنه دخل في مشروعين متناقضين: محاولة الحفاظ على حكم تقليدي، وبناء اقتصاد حديث في وقت واحد.

وهذا التناقض أوجد تناقضات جديدة، لم تكن ظرفية ولكنها بنيوية، بين الطبقة السياسية المحافظة وبين المجتمع الأكثر ديناميكية، بين المنهج المؤيد للغرب وبين النزعة المركزية، بين الاقتصاد الليبرالي والطبقة البيروقراطية المركزية، بين التطلع للحرية ومحاولة كبتها، بين الاستقرار والحاجة للتغيير، لقد أنتج الرئيس بوتين تناقضات ستحتاج إلى شخص آخر كي يحلها، وإذا ما حاول أن يحلها فإنه سيضطر إلى تدمير الكثير مما بناه خلال رئاسته.

"
مازالت روسيا عصية على الإجابات الواضحة والحاسمة، وستبقى دولة هجينة لفترة طويلة من الزمن، وسيجد المتفائلون والمتشائمون حججا صحيحة لدعم وجهات نظرهم، وسيكونون على صواب وفي الوقت نفسه على خطأ
"
إن روسيا مازالت تعيش مرحلة انتقالية لكنها تتحرك نحو المستقبل الذي سيكون مختلفا بالتأكيد عندما تتكرس أجيال نشأت في مرحلة ما بعد الشيوعية ولم تعرف الخوف والاستبداد، وستكون روسيا مضطرة لدفع ثمن تدريب قادتها وفرقهم مرات ومرات، وسيتوجب على روسيا أن تحل مشكلة أخرى عندما تنتقل السلطة من بوتين إلى خليفته بالانتخاب الديمقراطي هذه المرة وليس بالتعيين.

وسيتوجب على روسيا والغرب بناء علاقتهما، ومن غير المحتمل أنهما سيتجنبان الشكوك والاستياءات المتبادلة، فالاقتصاد الروسي ما يزال غير مستقر، ومعرض للهزات لأنه أصبح مرتبطا بالاقتصاد العالمي، ولأنه ما زال غير منظم.

ولا يمكن الجزم بتجنب محنة أخرى لروسيا، فمازال ممكنا أن تهيمن استبدادية أكثر قسوة، وليس واضحا بعد كيف سيتصرف حكام روسيا القادمون إذا ما وقعت أزمة أو عند محاولتهم التشبث بالسلطة؟

مازالت روسيا عصية على الإجابات الواضحة والحاسمة، وستبقى دولة هجينة لفترة طويلة من الزمن، وسيجد المتفائلون والمتشائمون حججا صحيحة لدعم وجهات نظرهم، وسيكونون على صواب وفي الوقت نفسه على خطأ.

المصدر : الجزيرة