عرض/ إبراهيم غرايبة
يتضمن الكتاب 18 دراسة نسقت إعدادها منظمة أطباء بلا حدود لحالات وأزمات قائمة في العالم عن الصراع المسلح وردود الفعل الدولية التي أثارتها وهي تيمور الشرقية وسيراليون وأفغانستان وكوريا الشمالية وأفغانستان والسودان وأنغولا وليبيريا والشيشان والكونغو وكولومبيا والجزائر وكوسوفو والعراق، ويعرض ومجموعة من القضايا المتعلقة بهذه الأزمات مثل المنظمات الإسلامية وقضايا الدواء والتدخل والعدالة والعمل الإنساني وصراع المصالح.

أزمات وتدخل أو مساهمة أو غياب 









-الكتاب: العنف والسياسة والعمل الإنساني
-المؤلف: مجموعة من المؤلفين/ منظمة أطباء بلا حدود
-تحرير: فابريس ويسمان
-عدد الصفحات: 363
-الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية,
أبو ظبي
-الطبعة: الأولى/2006
ثمة ثلاثة نماذج على الأقل طبقت للتعامل مع أزمات الصراع المسلح التي أدت إلى نشوء حالات إنسانية، التدخل العسكري باسم الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، كما حدث في كوسوفو وتيمور الشرقية وسيراليون.

وثمة مزيج يجمع بين المثل الأخلاقية الإنسانية والأمن القومي صار يساق مبررا للتدخل الغربي والأميركي البريطاني كما حدث في أفغانستان والعراق، وهناك أزمات وحالات غاب العالم عنها ولم يتدخل بها، كما في حالات الشيشان والجزائر والكونغو وكولومبيا وليبيريا، وهناك أيضا حالات أخرى مختلفة عما سبق (ربما) مثل فلسطين والسودان ونيبال ولبنان.

وهي حالات تطرح سؤالا جوهريا عن منهج التعامل الدولي مع الأزمات والقضايا الإنسانية وتقييمها وانتقائها، وتقترح هنا منظمة أطباء بلا حدود اعتبار معدل الوفيات هو العامل الحاسم في اعتبار الحالة أولوية، وثمة سؤال يثير التفكير مجددا في معنى منهج العمل الإنساني.

إن الإنسان باعتباره كذلك مهما كان موقفه السياسي والفكري مدانا يحق له الحصول على العدالة والحياة وضروراتها، وأن يجنب الموت، ومن ثم فإن توجيه العون الإنساني وفقا للموقف السياسي أو الفكري أو الإثني يشكل خطورة على العمل الإنساني.

فالهدف الأساسي للعمل هو تخفيض أعداد الوفيات والحد من معاناة الناس الناجمة عن إحلال النظام العام والحفاظ عليه، ويأتي في هذا السياق على سبيل المثال قانون حماية أرواح غير المقاتلين من المدنيين والجنود الجرحى والأسرى، ومنع التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان التي تمارس في السجون والمعتقلات.

وليست الحروب هي الميدان الوحيد الذي يلقى فيه الناس حتفهم، فيموت كل عام عدة ملايين بسبب مرض الإيدز، وهو رقم يقرب من عشرة أضعاف ضحايا الحروب، ولذلك فإن أسئلة بديهية تطرح نفسها هنا، مثل ما الفرق بين قصف السكان المدنيين وبين منع حصولهم على الدواء؟

ولأن العمل الإنساني يرفض المنطق القائم على تجزئة الجنس البشري إلى من يجوز لهم ومن يتحتم عليهم الموت، فإنه سيعد بالضرورة في نظر السلطة عملا هداما مادام أنصار النظام القائم قلما يتعاطفون مع أولئك الذين يقرر النظام تصفيتهم أو يجيزها، ولذلك فإن الشرط الأول لنجاح العمل الإنساني هو رفض التعاون في عملية الفرز المهلكة هذه، وهو شرط جوهري غير قابل للتفاوض.

وقد بدأ المجتمع الدولي منذ نهاية الحرب الباردة عمليات تدخل لأهداف إنسانية، استدعت في بعض الأحيان استخدام القوة العسكرية، ولكنه نوع من التدخلات الإنسانية التي تعتبر استثناء ولا تمثل القاعدة.

وإذا كان ينظر إلى الحق في التدخل على أنه جبهة أخلاقية لحماية مصالح القوى العظمى، فقد جرى توسيع نطاقه باسم الحرب على الإرهاب، بعد أن كان يراد له أساسا وضع نهاية عاجلة لأعمال العنف الشاملة التي يكتوي المدنيون بنارها، وصار مفهوم التدخل الدولي يأخذ صيغة الحرب الوقائية.

وأصبح الهدف المعلن الذي ينادي به كل من رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الأميركي جورج بوش الابن هو إعادة ترتيب العالم بزعامة أمة عظيمة.

وتعرض الحملة العسكرية الأميركية على أفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول مثالا مثيرا للاهتمام حول الطريقة التي تدار بها "الحرب العادلة" والعواقب التي يخلفها هذا المفهوم الخادع، فالحرب على الإرهاب كان الشعار الذي أريد به حشد صفوف أنصار الهجوم الأميركي على أفغانستان، ولكن سادت الغلبة للمواقف الانفعالية والعاطفية على المنطق والعقل.

فجرى التغاضي على التجاوزات والتعتيم على الانتقادات، ولكن سوء إدارة هذا "العمل الإنساني" كان شديدا إلى الحد الذي لا يمكن التغاضي عنه، فقد منع اللاجئون من الفرار من ويلات الحرب، وقطعت الطريق أمام المعونات الغذائية، وزج بعناصر عسكرية في هيئة عمال إغاثة، وشنت هجمات عسكرية على مراكز المنظمات الإنسانية، واستخدمت القنابل العنقودية، ونفذت مجازر بحق أسرى الحرب.

"
ثمة ثلاثة نماذج على الأقل طبقت للتعامل مع أزمات الصراع المسلح التي أدت إلى نشوء حالات إنسانية، التدخل العسكري باسم الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، ومزيج يجمع بين المثل الأخلاقية الإنسانية والأمن القومي, وهناك أزمات وحالات غاب العالم عنها ولم يتدخل
"
ويعكس النمط الثاني من ردات الفعل الدولية، الاهتمام بالضريبة الإنسانية التي تفرضها الأزمات، ففي عام 2001 كانت كوريا الشمالية والسودان وأنغولا مسارح لثلاثة من أضخم برامج المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة.

ورغم هذا الحضور الإنساني الواسع النطاق، فإن الخسائر البشرية التي سببتها الأزمات هناك ظلت عالية في معدلاتها، ففي أنغولا لم يتسلم ثلاثة ملايين إنسان احتجزوا في منطقة التمرد أي معونات خلال الفترة 1998 – 2002، فلقي عشرات الآلاف منهم حتفهم جوعا ومرضا أو نتيجة أعمال عنف ارتكبتها بحقهم الأطراف المتقاتلة.

وهناك حالات من الصراع وقع ضحيتها عدد كبير من القتلى والجرحى، مثل الجزائر وكولومبيا والشيشان والكونغو، لم يتدخل المجتمع الدولي بشأنها، وفي أوضاع كهذه يصبح الجهد الإنساني متعارضا تماما مع النوايا المشتركة لهذه الأطراف في شن حرب شاملة من شأنها إفناء مجموعات كاملة من السكان.

ومن هنا وفي ظل انتشار أعمال العنف المادي والاجتماعي وتفاقمها يجري اختزال المعونات الدولية أو تغييبها، فلا يتبقى لها من تأثير سوى الشيء اليسير، وفي غياب اهتمام المجتمع الدولي وقلقه حيال قسوة هذه الصراعات ووحشيتها يغدو ضربا من المستحيل خلق المناخ المطلوب لاحترام غير المحاربين أو ضمان توزيع فعال لهذه المعونات.

والأسوأ من هذا كله أن الأطراف المتقاتلة كثيرا ما تعمد إلى إساءة استخدام هذه المساعدات الدولية أو استعمالها في غير الأغراض التي حددت لها، ومن ثم توظيفها على النحو الذي يضاعف أعمال العنف.

العدالة والعمل الإنساني صراع مصالح
تشكل مخيمات اللاجئين مجتمعا خاصا له قياداته التي تتشكل وتؤثر في وجهته، وقد وجهت تهم تلقفتها وسائل الإعلام إلى العاملين في المنظمات الإغاثية بالاستغلال الجنسي لأطفال ونساء في المخيمات، ولكن التقارير الإعلامية لم ترق إلى دليل يصلح للإدانة.

ويبدو أن الواقع الحقيقي، بما في ذلك الاغتصاب والهيمنة، يقوم على نظام اجتماعي غير مرئي في المخيم يعزز السلطة المطلقة للذين يملكون المال والنفوذ في المخيم.

وشكلت هذه الفضاءات الاستثنائية مع الزمن، والتي تحرم اللاجئين من حق المواطنة والعمل والسفر في بعض الأحيان، إقطاعيات يملكها شخص أو أكثر يتحكمون بالمؤن والمساعدات والأمكنة وتوزيع اللاجئين، ويصاحب عادة هذه الحالات كثير من حالات الإساءة والاستغلال، فكل شيء مباح لأولئك الذين يتحكمون بالمخيم بما في ذلك إعاقة عمل منظمات الإغاثة بل وتلفيق القصص والتهم عن إساءاتها وتجاوزاتها.

وقد نشأت مبادرات للارتقاء بالقدرات المهنية لمنظمات العمل مع اللاجئين والتعامل مع المشكلات المختلفة التي تنشأ في بيئة مثل هذه، مثل الصدمات النفسية بسبب الاعتداءات والعنف والتي يدفع اللاجئون ثمنها بصمت.

"
رغم المجهود الإنساني والتضحية التي تنطوي عليها عمليات الإغاثة فإنها أيضا تعكس تفكك المجتمعات وعجزها عن تنظيم وإدارة نفسها وتأمين احتياجاتها، وثمة محاولات تبذل لإعادة التوازن إلى العلاقة القائمة بين المنظمات الإنسانية والضحايا
"
وكثيرا ما وقف خفض حجم التمويلات الدولية أو عدم كفايتها عائقا أمام طريق تأمين معونات وافية للسكان وهم يواجهون المخاطر، وبخاصة مع وضع معايير للأعمال والمشروعات التي وإن كانت ترتقي بالعمل الإغاثي فإنها تؤدي إلى غيابه أحيانا، فهل يجب على المنظمات غير الحكومية وقف عملياتها الإغاثية تخوفا من الخروج على المقاييس العملية المفروضة؟

وبالطبع فإن عمليات الإغاثة رغم المجهود الإنساني والتضحية التي تنطوي عليها فإنها أيضا تعكس تفكك المجتمعات وعجزها عن تنظيم وإدارة نفسها وتأمين احتياجاتها، وثمة محاولات تبذل لإعادة التوازن إلى العلاقة القائمة بين المنظمات الإنسانية والضحايا وإعادة تنظيم العلاقة بين المنقذ والضحية.

وقد يكون ذلك صعبا مادامت هذه العلاقة تقوم على الاعتماد الكلي، فلا بد من إيجاد بدائل لهذا الاعتماد، ومنح السكان الذين يواجهون الخطر أملا في مستقبل إنساني.

ومهما يكن من أمر فإن النشاطات الإنسانية باتت تتغير من حال إلى حال، ومع أنها أوجدت بهدف تأمين العون والحماية لفئة من السكان، فإنها في حالات معينة قد أسهمت في إلقائهم خلف قضبان "فضاءات استثنائية" ووضعهم تحت رحمة سلطان قضائي اعتباطي، وبدلا من أن يعلى شأن القانون والنظام الدوليين، فإن استمرار وجود مثل هذه "الفضاءات" صار يعيد إقحام الأعمال الوحشية البربرية في قلب المجتمعات كافة.

وقد دخلت إلى حيز التنفيذ منذ عام 2002 الاتفاقية التي تشكلت بمقتضاها المحكمة الجنائية الدولية، وسوف تصدر المحكمة أحكامها بشأن الجرائم بالغة الخطورة التي تقلق المجتمع الدولي بأسره، بما في ذلك عمليات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، والجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، وجرائم العدوان، وستكون محكمة دائمة، وتتمتع بسلطة قضائية عالمية.

ولكن المحكمة هذه قد تؤدي إلى مأزق يصعب الخروج منه، فمن المرجح أن يجد المتطوعون الإنسانيون أنفسهم وجها لوجه أمام موقف قائم على التناقض، فهم إما سيضعفون قدرتهم على المساعدة إن أدلوا بشهادتهم، وإما أنهم سيوفرون الحماية للمجرمين كي يظلوا قادرين على مواصلة إسداء العون لهؤلاء الضحايا.

وتتجه منظمة أطباء بلا حدود إلى التعامل الإيجابي مع مبدأ العمل من خلال النظام القضائي الذي يقضي بأن النشاط الإنساني يقع ضمن بنية القانون الدولي، ويعتبر التعهدات الإنسانية جزءا لا يتجزأ من الكفاح ضد منح الحصانة لأولئك الذين يقترفون جرائم خطيرة.

ولكن منظمة الصليب الأحمر حصلت على إعفاء رسمي من واجب الإدلاء بالشهادة متذرعة بالسرية التي ينبغى أن تحاط بها نشاطاتها، وفي المقابل فإن منظمة مثل هيومن رايتس ووتش تقوم مهمتها على تقصي الحقائق ترى في التعاون النشيط مع المحكمة الجنائية الدولية تتمة منطقية لجهودها.

"
تتجه منظمة أطباء بلا حدود إلى التعامل الإيجابي مع مبدأ العمل من خلال النظام القضائي الذي يقضي بأن النشاط الإنساني يقع ضمن بنية القانون الدولي، ويعتبر التعهدات الإنسانية جزءا لا يتجزأ من الكفاح ضد منح الحصانة لأولئك الذين يقترفون جرائم خطيرة
"
ومن المرجح أن مثل هذه المنظمات ستلزم نفسها بتبني مدونة سلوك يسترشد بها محققوها شبيهة بتلك التي وضعتها المحكمة للمحققين الرسميين العاملين لديها، وهو ما سيسهم بالتالي في إضفاء الشرعية على التحقيقات التي تجريها هذه المنظمات، بل إنها بتصرف منطقي جدا باتت تضع في حسابها تنظيم نشاطاتها على النحو الذي تتوقعه المحكمة منها كي تعمل حلقة وصل بين هذه الأخيرة وبين الضحايا, ولتسهيل سبل الوصول إليهم.

وتعتزم هذه المنظمات أيضا تضمين تحقيقاتها فكرة توزيع استمارات يوزع فيها الأشخاص المعنيون إلى فئات، فهم إما ضحايا أو شهود أو طلاب تعويضات، فضلا عن تفكيرها بإعداد قائمة بأسماء الأشخاص يمكن إيصالها إلى المحكمة بشرط الحصول على موافقتهم بطبيعة الحال.

ولكن يجب القول إن الاستسلام للإغواء الخادع القائل بأن بإمكان اللاعبين الإنسانيين الاضطلاع بدور في عملية التحولات الاجتماعية السياسية عن طريق دعم هذا "النموذج الجديد للرد على الأزمة والذي يمثل العدالة الدولية" قد يفقدهم قدرتهم على تأمين المعونات الإنسانية من خلال إلزامهم باحترام الأحكام والشروط القضائية.

وبدلا من إقحام العون الإنساني ضمن أهداف محكمة الجنايات الدولية، فقد يكون من الأجدر تدارس الخروج بسيناريو يقيم الدليل على أن متطلبات المحكمة واشتراطاتها تضر بالجهود المبذولة والرامية لإسداء العون للضحايا.

المصدر : الجزيرة