عرض/ محمد عيادي
"الحكومة الملتحية" كتاب شكل الحدث في ساحة التأليف بالمغرب في شهر رمضان المنصرم، وخلق ضجة صحفية لطبيعة مضمونه الساخن ولموقع مؤلفه الذي ظل وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية لمدة 18 سنة، ويشغل اليوم منصب الأمين العام لوكالة بيت مال القدس بتعيين من العاهل المغربي الملك محمد السادس.

حكومة ملتحية تليها حكومة إسلامية
من البداية يؤكد الدكتور عبد الكبير العلوي أن التيار الإسلامي يتوفر في العالم العربي والإسلامي على قاعدة شعبية عريضة ولا فائدة من الوقوف في وجهه بالأجهزة الأمنية، وتضييق القنوات على الخطاب الديني بحصره في المؤسسات الرسمية، ونشر ثقافة اللهو عن طريق مهرجانات الغناء والرقص.

-اسم الكتاب: الحكومة الملتحية، دراسة نقدية مستقبلية
-المؤلف: د. عبد الكبير العلوي المدغري
-عدد الصفحات: 415
-الناشر: دار الأمان للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط
الطبعة: الأولى/2006 

وأوضح أن كل هذا لن يمنع الماء من التسرب تحت الحصير، ولا النور من التسرب عبر الشقوق، والحل الأمثل الذي ينصح به المؤلف، هو فتح قنوات الحوار مع التيار الإسلامي واستبعاد منطق الإقصاء.

فالحكومة الملتحية من وجهة نظره قادمة في عدد من بلدان العالم الإسلامي بسبب عوامل متعددة غير أنها لن تكون إلا مجرد مقدمة لحكومة أخرى تأتي بعدها على إثر عقود من الزمن تسمى بحق الحكومة الإسلامية.

وإذا كانت الأولى لن يكون لها من الإسلام إلا الاسم، فإن الحكومة الثانية ستكون ثمرة مخاض عسير شامل على المستوى الثقافي والديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، وستكون تعبيرا عن اختيار يختاره الشعب بإلحاح تحقيقا للمعادلة البسيطة: شعب مسلم + ديمقراطية = حكومة إسلامية.

اعتراضات ومخاوف
سلط المؤلف في كتابه الضوء على جوانب متعددة من أيدولوجية الحكومة الملتحية والإسلامية، وتطرق في الباب الأول إلى الاعتراضات الممكنة على تلك الحكومة والمخاوف منها، وقبل أن يناقشها أشار إلى فشل كل محاولات عزل العالم الإسلامي عن الدين وتغريبه انطلاقا من حملة نابليون والمستشرقين والاستعمار الفكري والثقافي والمادي التي أدت في نهاية المطاف إلى ظهور طلائع الصحوة الإسلامية.

ساق صاحب كتاب "الحكومة الملتحية" في هذا الفصل جملة اعتراضات على أسلمة الدولة أو على النظام الذي يريده الإسلاميون، مشيرا إلى أن مشروع الأسلمة للدولة والمجتمع يحتاج لدراسة عميقة وحوار شامل وتربية وتعبئة تحتاج عقودا من الزمن.

وعلى رأس تلك الاعتراضات رفض الحكم بما أنزل الله في غير العبادات أي فصل الدين عن الدولة، وتكريس النظام الأتوقراطي وسلطان رجال الدين، وإذلال غير المسلمين والقضاء على القوميات، ونشر ثقافة الفقر والرجوع لعصر الخيل والخيام، وتهمة عمالة الحركات الإسلامية للغرب وللولايات المتحدة الأميركية، وتواطئها مع الأنظمة.

واستثمر المؤلف هذا المبحث الأخير ليدافع به عن نفسه كوزير سابق للأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب وينفي التهم التي وجهها له اليساريون والحداثيون عقب تفجيرات 16 مايو/أيار بالدار البيضاء، بتحميله مسؤولية تفريخ الوهابية والسكوت على الجماعات المتطرفة وغير ذلك.

"
رفض الحكم بما أنزل الله في غير العبادات, وتكريس النظام الأتوقراطي وسلطان رجال الدين، وإذلال غير المسلمين والقضاء على القوميات، ونشر ثقافة الفقر والرجوع لعصر الخيل والخيام، وتهمة العمالة للغرب, اعتراضات يثيرها الآخرون ضد الإسلاميين
"
فحمل مسؤولية ذلك لوزارة الداخلية لما كان زميله في الحكومة يومها إدريس البصري على رأسها بالقول "ولعل الأجهزة الأمنية كانت أيام وزير الدولة السابق تغض الطرف عن تلك الجماعات في طور التكوين لأسباب معقولة، وإلا كيف استطاعت الأجهزة نفسها أن تكشف تلك الجماعات وتلقي عليها القبض وعلى المئات من عناصرها في ظرف وجيز بعد تفجيرات 16 مايو/أيار, ونظن ظنا أن الداخلية كانت في عهد وزير الداخلية في الدولة ترعى الحركة الوهابية لأسباب جيوسياسية معينة من جهة ولأسباب أخرى شخصية".

وكشف المدغري كذلك ولأول مرة تغييب وزارته ساعتها عن ذلك الملف وعن الشأن الديني في أوساط الجالية المغربية في أوروبا.

في الفصل الثاني من الباب الأول لكتابه شبه المدغري جمعيات المجتمع المدني في العالم الإسلامي -قبل أن يتطرق لمخاوفها من الحكومة الملتحية- بكونها تقوم مقام رجال القبعات الزرق.

وأوضح أن مخاوفها تتعلق بالأساس بمفاهيم تروج عند أو عن عموم الإسلاميين، ومنها الإكراه في عقيدة النظام، ومفهوم الجهاد ودار الحرب ودار العهد وثقافة التكفير والردة والاستعلاء الإيماني، وما سماه المؤلف بزعزعة النظام الاقتصادي الحالي، والحمولة النضالية للثقافة الإسلامية.

وقارب المؤلف تلك المخاوف كل واحدة على حدة بمنهجية جمعت بين التناول الشرعي والتناول الواقعي، كاشفا الغطاء عن حقيقة كثير من المصطلحات التي لا تفهمها جمعيات المجتمع المدني على حقيقتها وتتساهل فيها، وتحملها تأويلات الإسلاميين ما لا تحتمل ويتشددون في فهمها على غير وجهها الصحيح، معتبرا أن العلماء كقيادة فكرية للمجتمع مطالبون بتحمل مسؤولياتهم في صيانة المجتمع من الفهوم السيئة للدين أو التنزيلات المتعسفة له.

وفي السياق نفسه أرجع المؤلف التخوف والفزع من تطبيق الشريعة إلى عدم تقديم الحدود في إطار مقاصدها الإسلامية وشرحها ضمن نظامها وشروطها، مشددا على أن الحديث عن تطبيق الشريعة يتطلب أولا الاهتمام ببناء شخصية المسلم، ومعالجة الاختلالات الاجتماعية بنفس طويل ومنهجية علمية، وسماحة وتدرج، وليس بأسلوب المطوعين والسياط لأن ذلك لن يزيد إلا الفزع والنفور من الدين.

أسلمة المجتمع والدولة
لمواجهة التوجه الداعي لأسلمة المجتمع والدولة، لم يتردد كثير من السياسيين الحداثيين في المطالبة بفصل الدين عن الدولة والسياسة، بل وبالمطالبة بالدولة اللائكية (العلمانية) على النمط الغربي أو الشرقي، في حين يصر الإسلاميون على الوصل بين السياسة والدين وعلى تغيير الواقع بجميع الوسائل.

هذه الوسائل تشمل الدعوة عند من يصفهم المؤلف بالعقلاء الحكماء، ووسائل العنف والإرهاب عند من يسميهم بالسفهاء الدمويين البلداء، الأمر الذي يحيط مفهوم الأسلمة فعلا بمخاطر الإكراه والتطرف وربما استغلال الديمقراطية لأهداف غير ديمقراطية.

"
أعادت تفجيرات 16 مايو/أيار بالدار البيضاء، المغرب إلى أسلوب المواجهة مع الإسلاميين، خاصة لما دخل التيار الحداثي على الخط، ووجدها فرصة لضرب شعبية التيار الإسلامي ومرجعيته مجندا في ذلك أجهزته الإعلامية، ومستغلا لموقعه في الحكومة
"
ويعتبر صاحب "الحكومة الملتحية" أن الحوار هو الوسيلة الوحيدة لتفادي كل المخاطر والمخاوف، وفي هذا السياق بسط التجربة المغربية أيام كان على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في التعامل مع التيار الإسلامي.

وقال إنه على عكس تغليب السلطة المشرفة على الأجهزة الأمنية يومها لخط المواجهة، دعا إلى الحوار من خلال جامعة الصحوة الإسلامية، التي كانت فضاء للحوار مع الجماعات الإسلامية وآلية من آليات خلق التقارب بينها وبين القصر، سواء منها ما تحول إلى حزب أو ما بقي متمسكا بالعمل الجمعوي.

غير أن تفجيرات 16 مايو/أيار بالدار البيضاء، أعادت البلد إلى أسلوب المواجهة، خاصة لما دخل التيار الحداثي على الخط، ووجدها فرصة لضرب شعبية التيار الإسلامي ومرجعيته مجندا في ذلك أجهزته الإعلامية، ومستغلا لموقعه في الحكومة.

ومثل هذا حصل في بلدان إسلامية أخرى، غير أن ذلك وعلى عكس المتوقع زاد التيار الإسلامي شعبية، وهي الحقيقة التي صعب على أولئك اليساريين والحداثيين عموما الاعتراف بها.

الحكومة الملتحية بين الديمقراطية والشورى
لبحث التهمة التي ستواجه بها الحكومة الملتحية المرتقبة من أنها غير ديمقراطية، قام المؤلف باستقراء لكتابات أبرز منظري الحركات الإسلامية، وخلص إلى أن موقف عموم الإسلاميين من الديمقراطية يبدو مشوبا بغموض، وأنه اختيار له جذور في الفقه وتاريخ نظام الحكم في الإسلام، يتعلق أساسا بمفهوم الحاكمية والتشريع كفرع عن الحاكمية.

 فهم يعتبرون أن الحاكمية لله وليس للشعب بواسطة المنتخبين، وذكر الدكتور المدغري بالمناسبة ملاحظات الإسلاميين على النظام الديمقراطي التي تجعلهم يشككون في قدرته وجدارته، ويطرحون مفهوم الشورى بديلا عنه.

وهاهنا رد عليهم موضحا، أنه بالرجوع للمسار التاريخي لتطبيقات الشورى نجد أنه لم يتم التطوير العملي لمبدأ الشورى الراسخ في القرآن والسنة على نحو دستوري، وبالتالي ليس هناك بين أيدي المسلمين في تاريخ الإسلام من الشورى سوى المبدأ.

"
على الذين يبشرون بالخلافة على منهاج النبوة أن يعترفوا بأن الإسلام لم يأت بخلافة جامدة وهيكل يابس وبشكل معين من أشكال الحكم، بل جاء الإسلام بمبادئ وترك الناس أحرارا في اختيار النظام الذي يلائمهم
"
ويقول "على الذين يبشرون بالخلافة على منهاج النبوة أن يعترفوا بأن الإسلام، لم يأت بخلافة جامدة وهيكل يابس، وبشكل معين من أشكال الحكم، بل جاء الإسلام بمبادئ هي: الشورى والعدل والمساواة والحرية والإحسان، وعقد البيعة وشروطها الشرعية الملزمة للخليفة ومجتمع المسلمين وترك الناس أحرارا في اختيار النظام الذي يلائمهم".

ودعا المؤلف الإسلاميين وأبناء الصحوة الإسلامية إلى أن يصحو من حلم الرجوع للتاريخ، وإلى التمسك الصادق بالديمقراطية، لأن كل الاعتراضات الواردة عليها والعيوب التي تكتنفها لا تكفي دليلا ولا مبررا لرفضها ولا عذرا للتنفير منها، مادام بإمكان الفكر الخلاق المبدع تصحيح تلك العيوب.

وتناول الوزير السابق في كتابه مشروع الدستور الإسلامي بمقاربة تحليلية مقارنة بين ثلاثة نماذج ومشاريع: المشروع القائم على ولاية الفقيه، والمشروع القائم على الوظائف، والمشروع القائم على تنظيم الإجماع.

 وخلص إلى أن الإسلام جاء بنظام مرن قابل للتكيف مع الظروف الزمانية والمكانية، والمراحل التاريخية لكونه ترك للأمة مجالا واسعا للتصرف، والأخذ بما هو أنسب للمرحلة وتحقيقا للمصلحة.

الإسلاميون وتحدي البرنامج البديل
في الفصل الأخير تطرق الدكتور المدغري للبرنامج السياسي للحكومة الملتحية المحتملة، ملاحظا أن المنظرين وقادة الفكر لدى الحركات الإسلامية على اختلاف ألوانها وقربها وبعدها من الاعتدال أو التطرف، لم يعملوا النظر والفكر في صياغة برنامج وحصر القضايا التي تشغل المجتمع، واقتراح حلول واضحة بشأنها.

مع العلم أن القضية الأساسية لا تتمثل في أن تعلن الأمة التزامها بإسلامها، لأنها مسلمة، ولكن القضية هي كيف ومتى تعيش إسلامها؟

ونبه المؤلف الإسلاميين إلى أن من يدخل غمار السياسة ويقدم نفسه كبديل، مطالب بالتقدم ببرنامج شامل ودقيق يعالج المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع انطلاقا من مرجعيته، وعدم الاكتفاء بالشعارات فقط، لأن النجاح في الانتخابات بدون برنامج سيكون أكثر شرا من الفشل.

وفي هذا الفصل تناول المؤلف كذلك بالدراسة البرنامج السياسي لثلاث حركات (جماعة الإخوان المسلمين، وجبهة الإنقاذ الإسلامية بالجزائر، وحزب العدالة والتنمية المغربي)، فلاحظ على الأول نزوعه للقضاء على الحزبية وهيمنة روح قهرية استبدادية عليه تتجلى في عبارات تتصدر جل البنود مثل (القضاء على..، مراقبة كذا، محاربة كذا، منع كذا، إغلاق كذا، تحريم كذا، حصر كذا...) وهو ما يجعل البرنامج مخيفا يعطي صورة قاتمة عن الإسلام، ونفس الانتقادات وجهها للبرنامج الثاني بخصوص حديثه عن الجمع بين المطالبة والمغالبة وغياب الحديث عن الديمقراطية واستعمال بنود وعبارات تثير بدورها الفزع والنفور.

"
السبيل الوحيد الذي يحول دون أن يشكل مجيء حكومة إسلامية أي خطر، هو اعتماد أسلوب الحوار بين مكونات الأمة على اختلاف مشاربها الفكرية، والانفتاح على التيار الإسلامي واستيعابه، ودمجه في إطار عمل ديمقراطي
"
ولئن شهد الدكتور المدغري بأن حزب العدالة والتنيمة يظهر أنه يتبنى الديمقراطية بدون تحفظ فإنه لم يجد في برنامجه ما كان يتطلع إليه من تفرد وجدة في الخطاب والطرح وتجاوز الشعارات والعموميات، منبها إلى أنه هو الآخر استعمل كلمات موحية بالتشدد والتسلط من قبيل: تطهير، مناهضة، حظر، إغلاق، زجر.. وهي كلمات غير سياسية وتوحي من وجهة نظره بالعدوانية والتطرف.

وأضاف المؤلف أن حزب العدالة والتنمية في البرلمان أبى إلا أن يكون سياسيا، ويلعب مثل الباقي اللعبة نفسها فقدم تنازلات تدخل في الأخذ والعطاء السياسي، وسكت حين كان الواجب الديني يفرض عليه الكلام.

خاتمة
شدد المؤلف في خاتمة كتابه على أن السبيل الوحيد الذي يحول دون أن يشكل مجيء حكومة إسلامية أي خطر، هو اعتماد أسلوب الحوار بين مكونات الأمة على اختلاف مشاربها الفكرية، والانفتاح على التيار الإسلامي واستيعابه، ودمجه في إطار عمل ديمقراطي.

وكذا تحمل العلماء كقيادة فكرية للأمة مسؤوليتهم في توجيه الصحوة الإسلامية وتأطيرها، والاجتهاد لكي يعيش الناس عصرهم وحياتهم وإسلامهم بدون تناقضات.

المصدر : الجزيرة