عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض هذا الكتاب ويحلل الإنتاج الفكري العربي الحديث عن اليهودية واليهود, ويسميه الاستهواد العربي, أي دراسة العربية لليهود, وقد شكل الارتباط المتين للنص القرآني بالنص التوراتي سواء في المجالات العقدية أو التشريعية، إضافة إلى تجارب التعايش بين المسلمين واليهود مرجعية ثرية للفكر الإسلامي الكلاسيكي وللفكر العربي الحديث في معالجة الظاهرة اليهودية.

ثم شغل الفكر العربي المستجد باليهودية واليهود بعد قيام الدولة العبرية التي تستلهم وجودها الحضاري من التوراة، وشكل ذلك قائمة من المراجع العربية -شغلت بهذا الحقل- تمازج فيها الأيديولوجي بالعلمي والديني والسياسي (الاستهواد).

الفكر العربي الحديث واليهودية

يعود انتشار اليهودية في البلاد العربية إلى القرن السادس قبل الميلاد بعد ترحيل جماعات من اليهود إلى بابل، ونزوح بعضهم إلى الجزيرة العربية (نزلوا بخيبر وتيماء وفدك ووادي القرى) وكانت الموجة الثانية عام 70م وامتدت إلى شمال أفريقيا، ثم كانت موجة ثالثة بعد سقوط الأندلس عام 1492، وقد تهودت بعض القبائل العربية في الجزيرة باليمن وفي شمال أفريقيا.











- اسم الكتاب: الاستهواد العربي، في مقاربة التراث العبري
- المؤلف: عز الدين عناية
-عدد الصفحات:
302
-الناشر: منشورات الجمل، كولونيا, ألمانيا
- الطبعة: الأولى/2006

ولكن الاهتمام الحديث باليهودية سياسيا بدأ عندما تطرح المسألة اليهودية ووطنهم القومي في فلسطين أواخر القرن التاسع عشر، وكان الرهبان الكاثوليك أول من نبه وكتب عن مخاطر الاستيطان اليهودي في فلسطين، وإن كان قبل ذلك يوجد اهتمام ديني بالتوراة والكتب والأسفار اليهودية، وكان ذلك الاهتمام يغلب عليه الغرض الدعوي للإسلام.

ويلاحظ المؤلف أن المقاربات العربية حول اليهود اليهودية قد بدأت أوائل القرن العشرين انفعالية ومرتبكة، ولكنها بدأت في النصف الثاني من القرن تسلك في دراسة التراث العبري سلوكا منهجيا علميا، وإن كانت في ذلك تيارات عدة، منها تيارات ظلت وفية للمنهج التقليدي المتأتي من أوساط دينية ورؤى إيمانية، وتحاكم الأفكار والموضوعات إلى القرآن والسنة ومقاصد الشريعة الإسلامية، ومنها أيضا تيارات نقدية تسلك المناهج التاريخية والأثرية واللغوية.

يعرض المؤلف في التيار الأول "الدعوي" نماذج مثل حياة موسى لمحمود شلبي، ومقارنة الأديان لأحمد شلبي، واليهود واليهودية لعلي عبد الواحد وافي، والكتب المقدسة لعبد الوهاب طويلة، واليهود في القرآن لعفيف عبد الفتاح طبارة.

ويعرض في التيار النقدي نماذج مثل قراءات في التوراة لمحمد وليد خياط، والفكر الديني اليهودي لحسن ظاظا، ومن يهوه إلى الله لطيب تيزيني، والتراث الإسرائيلي لصابر طعيمة.

وتسعى القراءة اللغوية لليهودية لبناء منظومة جديدة بدراسة والتحليل البنية اللغوية والأسطورية للتوراة، ومن أهم روادها كمال الصليبي والذي أصدر دراسة مشهورة بعنوان "التوراة جاءت من جزيرة العرب" وممن سلك في هذا الاتجاه زياد منى في كتابه طجغرافية التوراة.

ويحاول ثروت أنيس الأسيوطي أن يؤسس لمنهج سماه "المراحل الحضارية" يرصف من خلاله التوراة ضمن تسلسل زمني منتظم بغرض تجاوز الفوضى النصية التي تحجب الحقيقة.

وقد قسم التاريخ اليهودي إلى مراحل: الرعي (1700-1200 ق.م) تليها فترة اضطرابات لمدة قرنين معروفة بعصر القضاة، ومرحلة الزراعة (1020–587 ق.م) وعصر السبي والتبعية (587 ق.م–135م) ومجتمع التجارة والتفرق من عام 135م إلى القرن العشرين، ويربط الأسيوطي بين الشرائع اليهودية وبين المرحلة الحضارية.

الاستهود العربي والميثولوجيا التوراتية

"
الاستهواد العربي الحديث في تناوله موضوع الميثولوجيا في التوراة حاول فصل المقطوعات الأسطورية عن سياقها البنيوي العام وفحصها منفصلة مما يوحي باستقلالية بينها، في حين تخضع هذه المقطوعات التوراتية لمنطق موحد وجامع
"
شغلت دراسات عربية عدة بقضايا الإيمان والعقيدة اليهودية، مثل عباس محمود العقاد: الله، كتاب في نشأة العقيدة، وأنيس فريحة: دراسات في التاريخ، وشفيق مقار: قراءة سياسية للتوراة، الذين شغلوا بدلالة كلمة يهوه في التوراة والتلمود، ويوسف الحوراني: البنية الذهنية الحضارية، وحسن باش: العقائد الوثنية وغيرهم، والذي شغل بتفسير "إيل" بمعنى الله أو الإله وعلاقته بالإله الكنعاني إيل، وعلاقة اليهودية بالتراث الأسطوري والوثني الذي كان قائما في المنطقة، بل وأسقطت على الديانة اليهودي صراعات الآلهة مثل إيل وبعل، وانحياز اليهود إلى بعل الإباحي الوثني المتجسد في مواجهة إيل الرحيم المحتجب.

ولقي ربط صلة دينية وتاريخية بين اليهود وإبراهيم اهتماما كبيرا في الدراسات العربية كما هو في التوراة، فالتوراة تصور إبراهيم في ثلاثة عشر إصحاحا في سفر التكوين من آباء اليهودية الذين قادوا طلائعهم الأولى للعبران من العراق متجها إلى الأرض المقدسة، وبنى بيته وحصل على وعد بوراثة الأرض الممتدة من النهر إلى النهر.

ولإبراهيم حضور كبير في القرآن، ولكنه حضور ديني ودعوي لأجل التوحيد ومواجهة الوثنية مختلف عن حضوره السياسي والقبلي في التوراة، مما يجعل أحمد سوسة "العرب واليهود في التاريخ" ينفي صلة إبراهيم باليهود، ولم يكن الانتساب إليه إلا لأجل شرعية الوجود التاريخي بالانتساب إلى رجل مشهور، فالإله الذي يدعو إليه إبراهيم مختلف عن إله التوراة، ودعوته عامة لجميع الناس بخلاف ما يذهب إليه اليهود.

ويتابع كثير من الباحثين العرب مرحلة الحيرة "التيه" بعد موسى والتي كانت أيضا تيها دينيا، فاليهود بعد خروجهم من مصر ودفن نبي التوحيد "موسى" ظلوا يتيهون في الأديان والآلهة، وتأثروا في المرحلة الإسلامية بمذاهب الكلام الإسلامية (إبراهيم موسى هنداوي: الأثر العربي في الفكر الديني اليهودي) وقبل ذلك ارتدوا إلى العبادات والديانات السائدة في مصر والمنطقة، مثل عبادة العجل (عبد الكريم الخطيب: اليهود في القرآن).

ويعرض كامل سعفان (اليهود تاريخا وعقيدة) العبادة المجسمة لدى اليهود والتي بهرتهم مع التأثير الحضاري للكنعانيين، وجعلهم ذلك ينزلون إلهم المتعالي الذي وصفه لهم موسى ووضعه في التجسيم والتشبيه، وأحيانا تمثله في أشكال حيوانية وإيقونية.

"
تعامل الاستهواد العربي مع القضايا اليهودية من منطلق تيارين، الدعوي يحاكمها إلى القرآن والمصادر الإسلامية، والآخر يحاول تفسير الوقائع حسب الإمكانيات العقلية والإدراكية لمنتجيها وأصحابها باعتبارها قصة حقيقية ومعيشية
"
ويتابع باحثون الجوانب الأسطورية في الفكر الديني اليهودي، مثل سيد القمني: "الأسطورة والتراث"، والذي يعتبر أن التشكلات الدينية نشأت داخل حضن الأسطورة، وعليه فإن قراءة التاريخ القديم دون الأسطورة سيكون ناقصا، باعتبار أن الأسطورة هي السجل الأمثل للفكر وواقعه في مراحله الابتدائية عندما كان يحاول تفسير الوجود من حوله.

ويحاول قراءة الواقع الاجتماعي وتفسيره، فيكون البحث عن لحظات الإدراك الأولى محاولة للتعرف على آليات التطور والتحول التي عرفها التراث اليهودي، فالعناصر الأسطورية التي حفلت بها التوراة والتي كانت بمثابة سبل الفهم للكون، عبرت عن انسجام فيما بينها.

ويرى المؤلف هنا أن الاستهواد العربي الحديث في تناوله موضوع الميثولوجيا في التوراة حاول فصل هذه المقطوعات عن سياقها البنيوي العام وفحصها منفصلة مما يوحي باستقلالية بينها، في حين تخضع المقطوعات الأسطورية التوراتية لمنطق موحد وجامع، اشترك فيه اليهود مع شعوب عدة كانوا في درجة السلم الحضاري نفسها، مما أفضى أن تسيطر على ذهنيته مفاهيم إحيائية وطوطمية كانت وسيلته لتفهم العالم.

كان التسرب الأسطوري إلى اليهودية متداخلا وغامضا ومتدرجا، ثم تكرس عبر الزمن ومن خلال كتبة متعددين وفي مراحل تاريخية مختلفة، وتتداخل الأساطير الذاتية الخاصة بالشعب العبري مع أساطير الشعوب الأخرى، ثم جرى تنسيق ذلك مع حركة التدوين.

ويناقش كتاب قضية الأضحية في التوراة، مثل محمد أحمد الطالبي، ومحمد أحمد حسن "مصر والعرب وإسرائيل" وعلي عبد الواحد وافي "الصوم والأضحية بين الإسلام والأديان السابقة" ويظهر فيها عمق تأثير الأديان المجاورة على الديانة اليهودية، فتذكر الأسفار اليهودية عن تقديم قرابين بشرية، مثل الملك آخاذ (853 ق.م) الذي قدم ابنه قربانا للآلهة.

تعامل الاستهواد العربي مع هذه القضايا وغيرها من منطلق تيارين، الدعوي يحاكمها إلى القرآن والمصادر الإسلامية، مثل الشيخ محمد سيد طنطاوي "بنو إسرائيل في القرآن والسنة" وأما كمال الصليبي "خفايا التوراة" فإنه يحاول تفسير الوقائع حسب الإمكانيات العقلية والإدراكية لمنتجيها وأصحابها باعتبارها قصة حقيقية ومعيشية.

ولكن غلب على التيار النقدي رفض هذه الأساطير دون تفهم اللامعقول التوراتي والتعامل معه من داخل شروطه التي نشأ في حضنها، أي إدراك الأبعاد التي سيطرت على التجربة الدينية لدى الإنسان في بداية وعيه الديني.



الاستهواد العربي واليهودي
يجد المؤلف أن الاهتمام العربي بالتلمود كان قليلا ومتأخرا، واعتمدت القراءة الحديثة على نص مترجم لكاتب ألماني اسمه روهلنغ، ترجمه يوسف نصر الله ونشر سنة 1899، ولكن عبد العزيز الثعالبي "محاضرات في تاريخ المذاهب والأديان" نبه إلى خطأ وخطورة الاعتماد على هذا المصدر المسيحي الوحيد.

"
صورت أعمال عربية عدة الشخصية اليهودية بهالة أسطورية، فتكاد تكون جميع الثورات والانقلابات والحروب التي وقعت من صنع اليهود، وأنهم لجؤوا إلى ذلك بدافع من تعاليم التلمود التي تحض على القضاء على غير اليهود، وحكم العالم والسيطرة عليه من أورشليم
"
وأشار إلى أن التلمود ليس مدونة عدائية ضد الإنسانية، بل هو مدونة فقهية دينية، وقال إن قسم المعاملات في التلمود فيه من الأحكام مالا يختلف كثيرا عما هو مدون في الفروع من الأحكام الفقهية الإسلامية، ولكن الفكرة المسيحية التي راجت في فترة العداء المسيحي اليهودي تسربت إلى العرب في أجواء العداء العربي اليهودي.

وصورت أعمال عربية عدة الشخصية اليهودية بهالة أسطورية، فتكاد تكون جميع الثورات والانقلابات والحروب التي وقعت من صنع اليهود، وأنهم لجؤوا إلى ذلك بدافع من تعاليم التلمود التي تحض على القضاء على غير اليهود، وحكم العالم والسيطرة عليه من أورشليم.

ومن الأمثلة في هذا المجال كتاب عبد الله التل: "الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام" وفؤاد الرفاعي: "حقيقة اليهود" وحسن الباش: "بروتوكولات حكماء صهيون، من التنظير إلى التدمير"، وقد وجدت الأدبيات العربية في بروتوكولات حكماء صهيون سندا هاما لمقولات المؤامرة اليهودية على العالم والسعي لإفساده. (أنظر عرض كتاب "البروتوكولات والصهيونية واليهودية")

ويقول المؤلف إن أدبيات الثقافة العالمية عن اليهود تسربت إلى الأدب العربي "الاستهواد" في مقاربتها لليهودي والقائمة على خيالات الوجدان الشعبي وأوهامه، الذي رأي اليهودي هنا وهناك، في الشمال والجنوب وفي البلاد الحارة تحت الشمس الحارة في أواسط أفريقيا، وعلى الشواطئ الأميركية يؤدي مهمة عالمية لنصب الشراك والحبائل.

ولا يبدو للتيار الدعوي ثمة اختلاف بين اليهودي المناهض للدعوة الإسلامية في عهد النبوة وبين الإسرائيلي في القرن العشرين رغم الفارق الزمني والاختلافي الظرفي بين الحدثين، أنظر على سبيل المثال كتاب صلاح الخالدي: "الشخصية اليهودية"

"
الشخصية اليهودية ليست جامدة أو ثابتة على مدار التاريخ، ولذا ينبغي التعامل معها ضمن التبدلات الاجتماعية ومتغيراتها مع ملاحظة التراث اليهودي وأثره في تركيب الشخصية اليهودية وتوجيهها
"
وأما التيار النقدي فهو متأثر بانعكاسات حركة اللاسامية، ولهذا فقد جاء البحث في خفايا الشخصية اليهودية تكرارا لتمثلات الفكر الغربي في هذا المجال والتي ركزت على تحليل سلوكي لليهود قائم على الانطوائية والعنصرية.

ويستنتج أن العربي الحديث في رؤيته لليهودي يرزح تحت ثقل تراث طويل ومتراكم بفعل العداء المسيحي اليهودي بالإضافة إلى العداء الإسلامي اليهودي، ويتجاهل الظروف التاريخية التي تعرض لها اليهود وبخاصة في الغرب ووقوعهم تحت هيمنة سلطوية دينية مغايرة فرضت عليهم تقسيماتها للفئات الاجتماعية.

فقد جاء عزل اليهود بأوروبا في بدايته بقرار كنسي أصدره البابا بولس الرابع (1550–1559م) يأمر فيه بعزل اليهود إجباريا، بالإضافة إلى الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية التي تشكلت في تاريخ اليهود وبين أفرادهم والتي ولدت تكتلا طبقيا في المعازل "الغيتو" لمواجهة المغاير الثقافي الاجتماعي.

فالشخصية اليهودية ليست جامدة أو ثابتة على مدار التاريخ، ولذا ينبغي التعامل معها ضمن التبدلات الاجتماعية ومتغيراتها مع ملاحظة التراث اليهودي وأثره في تركيب الشخصية اليهودية وتوجيهها.

المصدر : الجزيرة