عرض/زياد منى
تعد المحرقة النازية التي ذهب ضحيتها الملايين من شعوب أوروبا غاية في الحساسية لدى الشعوب الأوروبية التي عانت منها.

ومع أن الملايين من البشر من مختلف الأعراق والأديان والاتجاهات كانوا ضحيتها، فإن "اليهود" تمتعوا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية باحتكار دور الضحية فيها.

- الكتاب: العرب في المحرقة النازية
- المؤلف: غيرهرد هُب
- المترجم: محمد جديد وزياد منى
- عدد الصفحات: 154
- الناشر: قدمس للنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة: الأولى/2006 م

هذا الاحتكار تم مع أن النظام النازي أباد ما يقرب من عشرين مليونا من الشعوب السلافية، أي: الروس وشعوب أوروبا الشرقية، إضافة إلى ما يقرب من نصف مليون من غجر أوروبا، وأقليات أخرى.

هذا الكتاب يضم دراستين هما "في ظل القمر: ضحايا النازية من العرب"، و"ذاكرة في خطر: معتقلون عرب في معسكرات الإبادة النازية"، أرسلها المستعرب الألماني الراحل غيرهرد هب، إلى الناشر، متمنيا نشرها.

وهناك دراسة ثالثة عنوانها "الخطاب المكبوت: ضحايا النازية من العرب" أشرف على الاتساع فيها "معهد الشرق الحديث" في برلين، ونشرها ضمن كتاب موسع عن علاقة العرب بالنازية، ستصدر دار قدمس ترجمته العربية قريبا.

وقد كان المؤلف الراحل، العالم الكبير، ينوي التوسع في دراسة الموضوع اعتمادا على ما توفر من وثائق، إلا أن ذلك المرض اللعين هاجم دماغه الكبير وأخذه منا.

لكنه تمكن قبل ذلك من أن يترك لنا إرثا مهما يمكن الراغبين من التوسع في البحث ووضع الأمور ذات العلاقة ضمن الإطار التاريخي الصحيح.

وكانت قناة الجزيرة قد بادرت إلى إجراء لقاء تلفزيوني مع المؤلف الراحل عرض فيه الخطوط الرئيسة لأبحاثه عن الموضوع، ويمكن العودة إليها في أرشيف قناة الجزيرة على الإنترنت.

ضحايا من العرب
البحث الأول كتبه المؤلف تحت عنوان (في ظل القمر: ضحايا النازية من العرب) يطرح فيه المؤلف مدخلا للبحث، ويتساءل فيه عن السبب الذي أدى إلى تجاهل الباحثين ضحايا النازية من العرب، مسلمين ومسيحيين، بينما تم التركيز على نحو غير معقول، وعلى نحو دعائي على علاقات بعض العرب بالحكم النازي.

المؤلف يخص بالذكر الباحثة إينا فْريدْمن، التي تجاهلت "غير المسيحيين!" في كتابها المخصص لضحايا النازية من غير اليهود. وهنا كتب المؤلف أن المسلمين، والهندوس والبوذيين والشنتِيون، وحتى الملاحدة، لم يكن لهم مكان في ذلك الكتاب الذي أتى على ذكر إبادة النازيين خمسة ملايين مسيحي!.

ويعيد المؤلف السبب في تجاهل العرب وغيرهم، إلى محدودية أفق أجيال من الباحثين، ومحدودية طاقة تصورهم لشمولية القبضة النازية واتساع دائرة اضطهادها.

في المقال الثاني (الخطاب المكبوت: ضحايا النازية من العرب)، الذي لم يتمكن المؤلف من إكماله، واستكملته الباحثة التركية تركان يلماز، لخص غرهرد هب اضطهاد النازيين للعرب ضمن أطر محددة منها مضايقات وإيذاء المهاجرين العرب في ألمانيا والنمسا، وتعقيم "الهجناء" المغاربة، واعتقال المدنيين العرب عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، ومعاملة أسرى الحرب من العرب الذين كانوا يحاربون مع القوات الفرنسية.

يضاف إلى ذلك استخدام العرب وإلزامهم بالخدمة في فرنسا وشمالي أفريقيا، وملاحقتهم البوليسية في أوروبا المحتلة، إضافة إلى ملاحقة المعارضين للنازية من العرب.

"
ما السبب الذي أدى إلى تجاهل الباحثين ضحايا النازية من العرب مسلمين ومسيحيين، بينما تم التركيز على نحو غير معقول وعلى نحو دعائي على علاقات بعض العرب بالحكم النازي
"
وفي كل من هذه التصنيفات يقدم المؤلف مجموعة من الأمثلة والأسماء التي أخذها من محفوظات النظام النازي، رغم المصاعب التي تواجه الباحث في العثور على تبعية الضحايا إذ توضع أسماء كثير منهم تحت الدولة التابع لها، مثلا: فرنسا.

ويعدد المؤلف، مع ذكر أسماء كثيرة وتفاصيل مثيرة عن بعض المعتقلين، الدول التي كان بعض مواطنيها المسلمين من ضحايا النازية كأفريقيا وألبانيا وبلغاريا، وفرنسا واليونان، وإيطاليا ويوغسلافيا وهولندا وبولندا والاتحاد السوفياتي وتركيا.

أما الضحايا العرب فكانوا من المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر وفلسطين والعراق ولبنان واليمن.

ويتعرض المؤلف لمختلف الذرائع التي استخدمها النظام النازي في ألمانيا لاعتقال العرب واضطهادهم، ومنها على سبيل المثال انتهاك بنود عقود العمل، والتعطل عن العمل، والابتعاد عن مكان العمل، إضافة ما سمي "الجرائم بحق اقتصاد الحرب".

كما ذكر في عرضه المسهب إجبار العرب على العمل في معسكرات السخرة أو ما أطلق عليه "معسكرات التربية على العمل"، أو "معسكرات الأشغال الشاقة".

وأشار إلى الذين وجهت إليهم تهم بأنهم "مُستخفون"، و"مفسدو الشعب"، و"مُجفِلون من العمل"، و"مفسدو المجتمع"، إذ أودعوا في "معتقلي شرطة"، وفي "معسكر الإبعاد عن البلاد".

ومع أن مقالات الكتاب الثلاثة مختصرة، إلا أن الباحث الراحل شدد على ضرورة متابعة التقصي في المحفوظات الألمانية.

فهو قد تمكن من رصد مئات الأسماء العائدة لعرب ألقت بهم السلطات النازية في مختلف معسكرات الاعتقال.

ومن العرب من قدم في الكفاح تضحيات، إذ أُعدم على سبيل المثال في العشرين من سبتمبر/أيلول عام 1941 أنطوان الحاج، اللبناني المولد.

ولقي المصير ذاته في يناير/كانون الثاني عام 1942، السيد حداد، وفي أول أغسطس/آب عام 1942، أُردي الممرض الجزائري محمد سليمان قتيلا في السجن الباريسي "لا سانتيه"، وكان ينتمي إلى مجموعة "ديوت" التابعة لـ"المنظمة الخاصة"، وقد شارك في عدد من الاغتيالات.

وكان ابن بلده، محمد تهامي الأخضر، قد وزع، قبل أن ينضم إلى منظمة "قناصة وأنصار"، منشورات ضد المحتلين النازيين، في باريس، وقد ألقي القبض عليه في 31 يناير/كانون الثاني عام 1943، وأُعدم في العام ذاته.

عرب في المحرقة
كما ذكر المؤلف حوادث محددة اعتقل فيها العرب بصفتهم رهائن ومن بينهم طاقم السفينة المصرية "زمزم" التي نسفتها السفينة الحربية الاستطلاعية الألمانية المساعدة "أطلانطيس"، بالطوربيد في السابع عشر من أبريل/نيسان، جنوبي الأطلسي، قبالة الساحل الأفريقي، بحجة أنها كانت تحضر لنقل بضائع ذات أهمية في الحرب إلى بلد في حالة حرب مع ألمانيا.

"
العرب تم وضعهم في معسكرات خاصة بالجبهة مخصصة لكل جنس على حدة أقيمت على الأرض الفرنسية المحتلة، ولم يكونوا مجهولي الهوية، بل كانوا بشرا ذوي أسماء
"
الحقيقة هي أن السفينة قد استقبلت على متنها، في نيويورك نحو أكثر من مائة مبشر أميركي كندي مع أفراد أسرهم وذويهم، وكانوا يريدون ممارسة نشاطهم في أفريقيا.

كما اعتقل بحارة آخرون كانوا يعملون على متن سفن لا تحمل أعلام دول عربية ومن ذلك سفينة الشحن الهولندية، "بارنفلد"، التي أغرقتها البحرية الألمانية شمال جزيرة القديسة هيلانة.

كما وضع العرب في معسكرات خاصة بالجبهة مخصصة لكل جنس على حدة أقيمت على الأرض الفرنسية المحتلة، منها على سبيل الذكر إبينال، وشومون، وجوانيي.. إلخ.

المعتقلون العرب لم يكونوا مجهولي الهوية، بل هم بشر ذوو أسماء، منها محمد كاتب إلياس، وكاتب ياسين، وأحمد إسماعيلي الذي حكم عليه بالقتل بسبب نضاله ضد النازية، وكذلك معمر بن برنو، ومحمد أرزقي بركاني ومهند أموكرين خليفاني وأحمد ميزيرنا.

وكذلك محمد بدسي، والعربي بوعالي وعمار أوزيفان، وقدّور بلقايم، وعلي ربيعة، وعلي ديبابيش ومحمد دُوار.

والباحث عثر على معتقلات ومعتقلين عرب في معسكرات الإبادة النازية أيضا، وعددهم أيضا، ومن ذلك مثلا: 34 في أوشفتس، و21 في برغن-بلزن، و148 في بوخنفلد، و84 في دخاو، و39 في فلُسنبرغ، و112 في غروس-روزِن، و62 في ماوتهوزن، و39 في متلباو-دورا، و37 في نتستفايلر، و110 في نوينغَمِّه، 25 في معتقل النساء رافنزبرك، و42 في زكسنهاوزن، و4 في معسكر الإبادة لُبلين-مَيْدَنِك.

وكانت أغلبية المعتقلين ترجع إلى شمال أفريقيا: الجزائر والمغرب وتونس، وبعضهم كان من مصر، والعراق، ولبنان، وفلسطين، وسوريا.

ويصل الكاتب إلى نتيجة، وهي أن الأبحاث المتعلقة بضحايا النازية من العرب لاتزال في بدايتها الأولى، وأنه يجدُرُ بها ألا تقتصر على المعتقلين في معسكرات الاعتقال، الذين تمَّ عرض النتائج الأولية بصددهم هنا، بل يحسُن أن تشمل فئات أخرى من الضحايا، كعمال السخرة، وأسرى الحرب.

وأخيرا فقد كان من الواجب أن يتوجه النظر أيضا إلى أمثال هؤلاء العرب الذين ناضلوا نضالا فاعلا ضد النازية والفاشية، كما ينظر إلى المدافعين عن الجمهورية في الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، وإلى المشاركين في المقاومة الفرنسية، وفي المقاومة في البلدان المحتلة الأخرى، وكذلك إلى الجنود والضباط في جيوش الحلفاء.

على أن إعادة التركيب هذه، لتجارب ضحايا النازية من العرب، والمناضلين الناشطين ضدها، ليست توصية فحسب، بل ربما أمكنها أن تكون إسهاما في إعادة النظر في تلك الفترة من التاريخ العربي-الألماني بين عامي (1933 و1945)، وفي كتابة تاريخها، بل في كتابة هذا التاريخ من جديد، من بعض الوجوه.

"
الأبحاث المتعلقة بضحايا النازية من العرب لاتزال في بدايتها الأولى، ويجدُرُ بها ألا تقتصر على المعتقلين في معسكرات الاعتقال، بل يحسُن أن تشمل فئات أخرى من الضحايا كعمال السخرة وأسرى الحرب
"
خاتمة

لقد فتحت أبحاث المستعرب الألماني الراحل، البروفسور غيرهرد هب أبوابا جديدة أمام تقويم دقيق لمرحلة مهمة من تاريخ علاقة العرب بألمانيا النازية وكيفية التعامل معها.

وسيكون من الأمور المفيدة أن يقوم العرب باستكمال هذه الأبحاث اعتمادا على محفوظات ألمانيا، تماما كما فعلت الباحثة التركية تركان يلماز التي قدمت بتوسعها في الموضوع خدمة جليلة في الكشف عن ماض أراده البعض أن يبقى طي النسيان خدمة لهدف "احتكار دور الضحية".

إن استكمال هذه الأبحاث أكثر أهمية لنا، بما لا يقاس، من إضاعة الوقت والجهد في التشكيك في "المحرقة".

ولكن لابد من استكمال الأبحاث تلك بالتعامل مع التعاون الصهيوني-النازي، وكشف دور الحركة الصهيونية في مصير يهود أوروبا.

المصدر : الجزيرة