عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض محمد بن راشد المكتوم حاكم إمارة دبي ورئيس وزراء دولة الإمارات تجربة إمارته دبي بخاصة، ودولة الإمارات بعامة في التنمية والنهضة، وهي تجربة تقوم على تحقيق الامتياز.

ويسلط الضوء على المقومات الأساسية لصنع التقدم والريادة، خصوصا الرؤية الأصيلة، والقيادة المخلصة، والإدارة الفعالة وفريق العمل القادر على تحويل رؤية القائد إلى حقيقة.

- الكتاب: رؤيتي
- المؤلف: محمد بن راشد آل مكتوم
- عدد الصفحات: 223
- الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر/بيروت
- الطبعة الأولى: 2006

نبض التنمية
مع إطلالة كل صباح في أفريقيا يستيقظ الغزال مدركا أن عليه أن يسابق أسرع الأسود عدوا وإلا كان مصيره الهلاك، ويستيقظ الأسد مدركا أن علية أن يعدو أسرع من أبطأ غزال وإلا أهلكه الجوع، لا يهم إن كنت أسدا أو غزالا، فيتعين عليك أن تعدو أسرع من غيرك حتى تحقق النجاح.

لقد استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ قيامها عام 1971 ترسيخ مكانتها الحضارية والاقتصادية المتميزة، وخلال هذه الفترة كان لدولة الإمارات السبق في عدد كبير من الإنجازات المرموقة على مستويات وحقول عدة، والسباق لا يزال مستمرا.

إن تنمية الدول وتطويرها لا يمكن أن يحدثا مصادفة، بل بالجهد المتواصل لخدمة المجتمع والوطن والأمة، وإن لم تكن في الطليعة فأنت في الخلف.

والفشل الحقيقي ليس أن تقع على الأرض، ولكن أن تظل على الأرض عندما يطلب منك الوقوف، والفشل الأكبر هو ألا تريد أن تقف مرة أخرى.

الاقتصاد عصب الحياة اليوم كما كان في الماضي وكما سيكون في حياة المستقبل، ونحن نعيش في مجتمعات متحضرة، لكن عالم الأعمال يمكن أن يكون مثل غابة السباق فيها اقتناص الفرص وتحقيق الأرباح والتوسع.

إن انتهاج مبدأ العالمية في التجارة والاقتصاد والعلوم هو خيار العرب وباقي الأمم الإسلامية للوصول إلى الرفعة، ونحن أحوج إليها من أي عصر مضى؟

وإذا استعرضنا التاريخ الاقتصادي سنجد فيه ملامح واضحة لعصرين إنتاجيين أساسيين، هما العصر الزراعي والعصر الصناعي، وبرزت في العقدين الماضيين مقدمات عصر اقتصادي ثالث يطلق عليه البعض اسم اقتصاد المعلومات.

هذا الاقتصاد يشكل وضعا عالميا مترابطا يغطي معظم المجالات، ولذلك فإنه عصر العولمة، إنه يتطلب سرعة فائقة من التجاوب ويعتمد على التقنيات العالية القادرة على توفير هذا المستوى المرتفع من التجاوب لذا فإنه عصر التقنية، إنه اقتصاد غير منظور يهتم بالمعرفة والأفكار المبدعة لذا فإنه عصر العقل المبدع.

"
اختيار فريق عمل من المتميزين والناجحين والمبدعين والمتحلين بروح المبادرة لتنفيذ رؤية معينة من أقصر الطرق إلى النجاح
"

مقومات صناعة التنمية
تتمتع دبي بالإمكانات الكفيلة بتوفير الظروف المناسبة لنجاح الأعمال في الاقتصاد الجديد، وإذا أردنا أن تصبح دبي مركزا رائدا في الاقتصاد الجديد يجب إعادة صياغة مفهوم الحكومة، ويجب أن نتعامل مع الاقتصاد الجديد بأسلوب جديد، وسيكون تطبيق خطة حكومة دبي الإلكترونية خطوة أساسية تتلوها خطوات أخرى.

وأهم ما في الاقتصاد الجديد هو الفكرة التي تنفذ في وقتها، فيمكن أن نستعجل الأمور حينا وأن نتريث حينا لكن يجب أن نبدأ من نقطة ما وبسرعة ومن دون أخطاء، لأن الأسرع يأكل الأكبر كما يقول الإنجليز.

فتكفي أيام معدودة لكي تتبخر القيمة السوقية لشركات قيمتها بالمليارات واكتشاف تقنية جديدة أو منتج جديد ربما يرفع القيمة السوقية لشركة صغيرة إلى المليارات.

تأصيل الرؤية
الرؤية الأصيلة هي رؤية المستقبل، ويجب على القائد أن يتمسك برؤيته انطلاقا من قناعته التامة بأنه يرى في المستقبل ما لا يراه الآخرون حوله، وأن رؤيته ستحقق الأهداف المرسومة لها.

وعندما أقدم رؤيتي لمشروع معين يجب أن تكون رسالتي واضحة لجميع المعنيين بتنفيذها، فالتحدي الأكبر الذي يواجه القائد هو دفع جميع المعنيين بتنفيذ رؤية معينة في اتجاه تحقيق هذا الهدف المشترك وحشد كل الجهود والطاقات لتحقيق نجاحها.

إن اختيار فريق عمل من المتميزين والناجحين والمبدعين والمتحلين بروح المبادرة لتنفيذ رؤية معينة من أقصر الطرق إلى النجاح.

ويجب على القائد أن يحدد فترة معلومة لتنفيذ كل رؤية بذاتها، وكل مرحلة من مراحل الرؤية أو الرؤى التي يريد تحقيقها، فالرؤية سباق هدفه النهائي الفوز في معركة ضارية بلا قتال هي التنمية.

والتنمية اليوم ليست توجها بل صناعة قائمة بذاتها، وبما أنني أعتبرها صناعة فلا بد أن يكون لها إنتاج، ولا بد أن يكون لهذا الإنتاج عناصر معينة، وأول هذه العناصر الرؤية.

والمستقبل هو الشباب، فهم المستهدفون بأي رؤية اقتصادية وأي جهد تنموي، إذ يجب أن تتضمن الرؤية إعداد الشباب ليس لتتبع خطوات الاقتصاد الجديد، بل للأخذ بزمامه، أي القيادة المتميزة.

وإذا أردت تلخيص مفهوم القيادة المتميزة فربما قلت إنها النتاج الطبيعي للإبداع المتواصل والعمل الجاد والقدرة على تحفيز الآخرين، لكن كل ما تقدم ليس بالطبع القول الأخير لأن القيادة عملية مستمرة.

وأزمة الأمة العربية اليوم ليست أزمة مال، ولا رجال ولا أخلاق ولا أرض، ولكنها أزمة إدارة وقيادة، ولو كانت الإدارة العربية جيدة لكانت السياسة العربية جيدة، والاقتصاد جيدا، وكذا التعليم والإعلام والخدمات الحكومية والثقافة والفنون وكل شيء آخر.

وعندما نفشل في إدارة النمو وإدارة الاقتصاد وإدارة الاستثمار وإدارة الموارد البشرية فمن الطبيعي أن نفشل في إدارة كل شيء آخر.

لقد كانت كوريا الجنوبية في بداية الستينيات أفقر من مصر وتعيش ضغوطا عسكرية واقتصادية قريبة من التي نعرفها، لكن هذا لم يقف عائقا أمام تطورها وتحولها إلى دولة صناعية كبيرة.

نحن نعتبر التنمية البشرية مقياسا لتحديد مدى تقدم دولتنا، فمن دون موارد بشرية مدربة لن تستطيع أي جهة تحقيق النجاح، وهذه مسؤولية الإدارة، لكنها مسؤولية القائد أولا لأنه قائد الإدارة والمجتمع.

إن أحد أسباب المكانة التي وصلنا إليها في الإمارات هو اهتمامنا بالإدارة وسعينا الدائم إلى التطوير، مما يقتضي من القيادة الإدارية تنظيم عمل دوائرها طبقا لأهدافها.

ومعظم الأهداف مرحلية لذا على القيادة الإدارية أن تدرس هذه الأهداف باستمرار وتتأكد أنها تلبي الهدف الوطني العام وهدف الدوائر في آن واحد.

وللإدارة مهمة محددة هي خدمة الشعب بإخلاص، ويجب إعلاء مصلحة الشعب على كل المصالح الأخرى.

"
أزمة الأمة العربية اليوم ليست أزمة مال ولا رجال ولا أخلاق ولا أرض، ولكنها أزمة إدارة وقيادة
"
رؤية القائد ليست رؤية اقتصاد وتنمية فقط، بل رؤية اجتماعية وأخلاقية تتكامل فيها التنمية مع الأخلاق، ولدى القائد رؤية وهدف، وهو يعرف الطريق الذي يمشي فيه ويبدع في هذا الطريق ولا يستطيع التوقف أو اختصار المسافة لأن معنى هذا اختصار الهدف.

قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" فيجب أن نتقن الأعمال التي نقوم بها.

الطريق إلى المستقبل
أقوى شيء في العالم هو القرار الصائب في الوقت الصائب، واتخاذ مثل هذه القرارات أهم صفات القائد لأنه يتطلب الجراءة والإرادة وسرعة البت والإدراك العميق لأبعاد قراره والأهداف التي يريد تحقيقها.

إن القيادة هي القدرة على اتخاذ القرار، وإذا لم يستطع القائد أن يترجم رؤيته إلى قرار ويترجم قراره إلى واقع فهو قائد فاشل.

يجب ألا نتخذ قرارا بشأن مشروع إن لم نكن متأكدين تماما من جدواه والقدرة على استيعابه وتسويقه، ولكن عندما نبدأ مشروعا فإننا لا نتوقف إلا لحظة استكماله.

ويجب أن يكون القائد مستعدا في أي لحظة لأخذ أصعب القرارات لتحقيق أهداف معينة خلال فترة زمنية قصيرة وبلا أي تأخير.

ويقول البعض إن العرب جيدون كأفراد وسيئون كفريق، ولكن هذا تعميم ظالم لا تمكن البرهنة على صحته، وفي جميع الأحوال فلا خيار أمامنا سوى الدخول في مرحلة عمل الفريق.

فالاقتصاد اليوم أكثر تعقيدا وتنوعا من اقتصاد الأمس بكثير، وهذا يقتضي درجة أعلى من التنسيق بين أعضاء فريق العمل الواحد، بل وبين مجموعة من فرق العمل لتحقيق الأهداف المشتركة التي تتضمنها الرؤية.

فرق العمل هي مغاوير التنمية، ووظيفتها تنفيذ المهمات الحرجة التي تضمن تحقيق النصر في حرب التنمية وما لم يتعهد القائد هذه الفرق بالتدريب والتحفيز والعناية والتشجيع، وما لم يبق قادرا على أن يكون على رأس هذه الفرق فلن تستطيع اقتحام المصاعب وقهرها وتحقيق الأهداف المرسومة لمهمتها.

كانت تجارة اللؤلؤ هي العمود الفقري للخليج والإمارات عامة ولدبي خاصة، ورغم النمو التجاري الذي جلبه الغوص للمنطقة ولسكانها، فإن هذا الاقتصاد تعرض لتحديات بسبب تراجع الطلب على اللؤلؤ الطبيعي في فترة الكساد الذي ضرب المنطقة بأسرها في الثلاثينيات من القرن العشرين، وبسبب إنتاج اللؤلؤ الصناعي الذي بدأه اليابانيون على نطاق واسع في الفترة نفسها.

"
أقوى شيء في العالم هو القرار الصائب في الوقت الصائب، واتخاذ مثل هذه القرارات أهم صفات القائد لأنه يتطلب الجراءة والإرادة وسرعة البت
"

وكانت السنوات التي تلت انهيار هذه التجارة من الفترات الصعبة التي عرفتها المنطقة وإمارة دبي خاصة في تاريخها، حين تحول كثير من سفن الغوص إلى سفن أسفار تجارية تجوب موانئ الدول القريبة والبعيدة وتنقل البضائع والمسافرين إلى جهات مختلفة، وساعد موقع دبي التجاري المميز، كما لعب الخور مجالا مهما في تنمية التجارة.

أحسب أحيانا أنني أردد مفاهيم عرفتها دبي قبل تأسيس منظمة التجارة العالمية بمائة عام، وكانت أحد أهم أسباب المكانة التجارية العالية التي احتلتها.

ففي عام 1902 أصدر الشيخ مكتوم بن حشر قرارا بإعفاء الواردات من الضرائب الجمركية، فتدفقت البضائع من الهند إلى دبي، وتحولت بسرعة إلى أهم مركز في الخليج.

وشملت هذه التجارة عددا كبيرا من السلع كان الذهب أهمها، وبدأ الاتجار به يزداد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم ارتفع بحدة عندما قررت بعض الحكومات منع استيراد الذهب لأسباب اقتصادية محلية، ومع الزمن وتراكم الخبرة تحولت دبي إلى واحد من أهم مراكز إعادة تصدير الذهب في العالم.

إن العامل الحقيقي الذي أخرج دبي من الأزمة الخانقة التي عصفت بها بعد انهيار تجارة اللؤلؤ لم يكن الذهب، ولم يكن النفط بعد ذلك، بل الرؤية المستقبلية التي أتقن حكام دبي صياغتها وأصروا على تحويلها إلى واقع منذ نهاية القرن التاسع عشر.

لا يوجد تاريخ معين كنقطة بدء لنهضة دبي الحديثة فالبحث عن بدائل لتجارة اللؤلؤ لم يتوقف منذ انهيار ذلك النشاط، وكان الشيخ راشد بن مكتوم يتمتع بعدة صفات جعلت منه قائدا مميزا وذا رؤية مستقبلية مميزة، كان يعرف معنى الجوع والعوز، وكان يريد أن يصلح أوضاع الناس لأنه عرف معاناتهم بسبب الركود.

وقد أنشأ واستغل مجموعة من المشروعات، منها خور العريض ومطار دبي الدولي وميناء راشد وميناء جبل علي ومصهر الألمنيوم وعشرات المشاريع الأخرى التي أتاحت لمكونات الاقتصاد التقليدي والحركة التجارية الدولية العبور إلى دبي.

يقول ابن خلدون في مقدمته: "إذا كان الراعي قاهرا باطشا بالعقوبات منقبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم شملهم الخوف والذل، ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة، فتخلفوا بها، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات".

كيف يمكن أن يكون الفرد مبدعا إذا كان جائعا أو خائفا أو محبطا؟ وإذا كان الفساد ضاربا في الجذور، وتكافؤ الفرص معدوم، ومعظم الوظائف والترقيات لا تأتي إلا بالوساطة والمحسوبية؟ في حالة مثل هذه لا يوجد أمل في الحاضر ولا في المستقبل.

المصدر : الجزيرة