عرض/ محسن صالح
ربما يعبر اختيار الناشر لرسم خريطة العراق في الغلاف على شكل قطع مجمعة للعبة الفكّ والتركيب، عن تعقيدات المشهد العراقي، ولكن قراءة الكتاب تجعلك تتخيل المؤلف مشمراً يسير بحذر في حقل أشواك أو ألغام!!

يناقش الكتاب قضيتين أساسيتين حساستين في الشأن العراقي هما: السنة والشيعة في تاريخ العراق، وعروبة العراق. وقد نجح في أن يغوص في الأمرين (دون أن يغرق) وأن يقدم لنا عرضاً منهجياً سلساً، وموضوعياً موثقاً. ولعل هذا ما يُكسب الكتاب أهميته وجدته.

- الكتاب: العراق.. سياقات الوحدة والانقسام
- المؤلف: بشير موسى نافع
- عدد الصفحات: 219
- الناشر: دار الشروق، القاهرة
- الطبعة: الأولى/2006

السنة والشيعة.. البداية
تحدث المؤلف في الجزء الأول من الكتاب عن تكوّن أهل السنة وتكون الشيعة الاثنا عشرية، والتفاعلات الدينية والاجتماعية والسياسية للمجموعتين على أرض العراق.

ويُلاحظ المؤلف أن تعبير أهل السنة والجماعة أخذ معناه المحدد في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، ويرى أنه خلف الرؤية التفاؤلية للإسلام ومصير الإنسان.

وفي أجواء واسعة من التعدد، كان هناك تيار فكري اعتدالي وسطي ينمو باطراد منذ نهاية القرن الأول للهجرة، وقد ميزه إصراره الحثيث على وحدة الجماعة، وقبوله بعدالة الصحابة وأنهم خير أجيال المسلمين.

لكن الإشارات الأولى للمصطلح كانت في بدايات القرن الثالث الهجري، وخصوصاً أحمد بن حنبل الذي عبر عن المذهب في وجه المعتزلة وفتنة خلق القرآن.

وقد عبر هذا المذهب عن الاتجاه العقدي الغالب على أجيال التابعين وتابعيهم بغض النظر عن آرائهم السياسية، ولاحظ المؤلف أن تصور أهل السنة لأنفسهم جرى في مواجهة الدولة وليس استجابة لها، وأنه جرى في مواجهة التطرف المعتزلي، وليس في مواجهة التشيع.

وذكر أن العراق كان الساحة التي تبلورت فيها رؤية أهل السنة والجماعة، وهو نفسه البوتقة التي أدت إلى ظهور التشيُّع الاثنا عشري.

ونبّه المؤلف إلى أنه لم تكن هناك فرقة أو تيار محدد المعالم في القرون الثلاثة الأولى باسم الاثنا عشرية، لكن التشيع وجد كتيار سياسي أو متعاطف منذ الفتنة الكبرى.

أما بداية تبلور الشيعة الاثنا عشرية فكان في نهاية القرن الثالث الهجري، حينما استقرت فكرة الإمامة.

لكن رفض التسليم بمصداقية الصحابة أو معظمهم لم يبدأ في الظهور حتى "رسالة الاعتقادات" لابن بابويه المتوفى سنة 381هـ، في حين أن فكرة الغيبة أخذت في التبلور بعد شيوع فكرة الغيبة الصغرى منذ سنة 260هـ.

وقال إن التبلور الأيديولوجي للطائفة الشيعية لم يؤد إلى انشقاق سياسي أو اجتماعي عن جسم الجماعة السنية، ذلك أن هذا التبلور حدث في وضح النهار وفي ظل الهيمنة السنية السياسية والفكرية.

وأضاف أن الطائفة ظلت تنمو وتنحسر داخل الجسم السني حتى القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، عندما أخذت الدولة الصفوية التشيّع إلى منحى آخر، مشيرا إلى أن الشيعة لم يكونوا أكثرية في القرن الخامس الهجري في أي من المدن الإسلامية سوى الكوفة والري.

ويلاحظ المؤلف أن الطريقة الصفوية التي أسست الدولة الصفوية فيما بعد، والتي تعود إلى صفي الدين بن إسحق (ت 735هـ - 1334م ) كانت الأكثر أثراً على التشيع وعلى العلاقات السنية الشيعية، لكنه ينبه إلى أن صفي الدين نفسه عاش في مناخ سني.

لكن التحول الشيعي الحاسم كان تحت قيادة إسماعيل الذي استولى على تبريز سنة 1501م، وخلال 15 عاماً كان قد سيطر على العراق ومعظم إيران، وقد بالغ في التشدد، وفي إهدار دماء غير الشيعة.

"
تصور أهل السنة لأنفسهم جرى في مواجهة الدولة وليس استجابة لها، وقام في مواجهة التطرف المعتزلي وليس في مواجهة التشيع
"
ولكن غالبية سكان البلاد التي استولى عليها كانت من المسلمين السنة، ولذلك استعان بعده ابنه طهماسب (1524– 1576) بعلماء جبل عامل في لبنان لبناء المؤسسة الشيعية.

ويستنتج المؤلف أن المشروع الصفوي قام بإغلاق الطائفة الشيعية على ذاتها، ناقلاً التشيع من التوكيد على العنصر الإيماني الداخلي والارتباط بوعد العدل الذي سيحمله ظهور المهدي، إلى التوكيد على العنصر الطقوسي الخارجي والخطاب الطائفي المرتبط به.

ويشير المؤلف إلى تمكن إسماعيل الصفوي من الاستيلاء على العراق في سنة 1508، وقيامه بتخريب مشاهد الأئمة وكبار العلماء وإعمال السيف في أهلها من السنة، بما في ذلك نبش قبر أبي حنيفة، مما استفز الدولة العثمانية التي تبنّت المذهب الحنفي وتمكنت من السيطرة على العراق سنة 1534 بقيادة سليمان القانوني.

قدّم القانوني نفسه حامياً للإسلام السني، ولكنه عدَّ نفسه سلطاناً للجميع، وكما أمر بإعمار مقامي أبي حنيفة وعبد القادر الجيلاني، أمر كذلك بإتمام بناء الحضرة الكاظمية، وزار المقامات السنية والشيعية، وأمر بحفر نهر الحسينية لإيصال المياه إلى مدينة كربلاء. وتحت الدولة العثمانية انفصل الفضاء الشيعي في العراق مديراً شئونه بقدر كبير من الاستقلال.

ويذكر المؤلف أن الدولة العثمانية لم تقع تحت وطأة التعصب الطائفي، إذ يُلاحظ أنه بسبب التداخل بين التشيع والتصوف في آسيا الصغرى في العصور الإسلامية الوسيطة المتأخرة، فقد احتلت الرموز الشيعية والولاء لآل البيت موقعاً بارزاً في الثقافة العثمانية المبكرة.

وينبه إلى أن الصراع السني الشيعي العسكري كان صراعاً على مستوى الدولة، قادَتْه الجيوش؛ ولم يكن صراعاً على صعيد المجتمع نفسه.

كما حكم العثمانيون بطريقة لا مركزية ولم يتدخلوا في حياة الناس، وكان أغلب الولاة العثمانيين، رغم أنهم سنة أحناف، متصوفة تشوب تصرفاتهم "مسحات شيعية" فكانوا يعتنون بمراقد الأئمة في بغداد والنجف وكربلاء.

أدى انهيار الدولة الصفوية في إيران سنة 1722، وما صاحبه من فقدان للأمن وحروب الأمراء، إلى هجرة أعداد متزايدة من العلماء الشيعة إلى النجف وكربلاء.

وأدّى انتصار التيار الأصولي على التيار الإخباري في الوسط الشيعي إلى تطور مهم في العلاقة بين المجتهد والمجتمع الشيعي، حيث لا يوزن الفقيه المجتهد بعلمه وتقواه فقط، وإنما بعدد طلابه وأتباعه ومقلديه أيضاً، وهي مؤسسة تنمو بأموال الزكاة والخمس والهبات التي توظف بدورها لرعاية التعليم والخدمات الاجتماعية، كما أسهم هذا الدور النشط للفقيه في نشر التشيّع في جنوب العراق في القرنين التاسع عشر والعشرين.

"
لم تكن ردود الفعل الرسمية أو الشعبية تجاه عمليات التشييع في جنوب العراق حادة، وكان تركيز الدولة العثمانية الرئيس على فكرة الجامعة الإسلامية والوحدة الإسلامية سنية وشيعية في مواجهة التحديات الغربية للإسلام
"
تغلغل التشيع في العراق
منذ منتصف القرن 18م أخذ التشيع في الانتشار بين عشائر جنوب العراق، فبدأ في الانتشار بين عشائر الخزاعل منذ منتصف القرن 18، وبين كعب وربيعة النازلة شرق بغداد منذ مطلع القرن 19، كما انتشر في القرن نفسه بين بطون من زبيد وتميم، وآل بومحمد في العمارة، وعشائر الديوانية بما في ذلك فرع من الجبور، وعشائر نهر الهندية، وتشيع آل فتلة في نهاية القرن 19، كما انتشر التشيع في عشائر المنتفق على مدى زمني طويل.

وكان الإنجاز الرئيس للتشيّع في القرن العشرين جهود تشييع العشائر التركمانية الغالية في شمال العراق.

وهناك عشائر انقسمت بين سنة وشيعة، فقد أصبح جناح ربيعة في جنوب شرق العراق شيعياً أما جناحها في غرب بغداد فقد حافظ على تسننه، وتشيع آل فتلة في منطقة النجف، بينما عشائر الدليم الأخرى، التي ينتمون إليها، في أعلى الفرات ظلت سنية.

كما تشيع بعض الجبور الجنابيين، وتشيعت شمر طوقة، بينما حافظت شمر جربا وشمر زوبع على تسننها، وعندما اكتمل تشيّع عشائر المنتفق أو كاد، كان آل السعدون شيوخ المنتفق مازالوا سنة.

استفادت حركة التشيع من الروح التبشيرية التي أحدثها الصفويون، ومن صعود التيار الأصولي وسط العلماء الشيعة، ومن التسامح العثماني، ورؤية المسؤولين العثمانيين أن نشر قيمة التدين، شيعية أو سنية، بين العشائر يساعد على استقرارها ويردعها عن الغزو والإغارة والنهب.

ولذلك فإن انتشار التشيع في جنوب العراق تم تحت سمع الدولة العثمانية وبصرها، وبموافقة رجالها في معظم الأحيان.

ويرى المؤلف أن الحركة الوهابية والتوسع العسكري السعودي - الوهابي في نهاية القرن 18 وبداية القرن 19 وتهديدها جنوب العراق وتحديها للدولة العثمانية، قد أحدث حالة تضامن بين الإدارة العثمانية، والعلماء الشيعة، والعشائر التي مالت إلى التساهل الشيعي مقابل التشدد الوهابي.

لم تكن ردود الفعل الرسمية أو الشعبية تجاه عمليات التشييع في جنوب العراق حادة، وكان تركيز الدولة العثمانية الرئيس في عهد السلطان عبد الحميد 1876- 1909 على فكرة الجامعة الإسلامية والوحدة الإسلامية (سنية أو شيعية) في مواجهة التحديات الغربية للإسلام.

ولعبت حركات الإصلاح والإحياء الإسلامية في الوسطين السني والشيعي دورها في تخفيف حدة الاحتكاك بين الطرفين وإيجاد نقاط التقاء مشتركة.

التعريب والانصهار
يتحدث الجزء الثاني من الكتاب عن عروبة العراق، ويبدأ بالفتح الإسلامي للعراق وما حمله من قبائل شاركت في الفتح من مضر وربيعة وقيس وتميم وأسد وأزد وخشعم وطيء وقضاعة وبجيلة وكندة… فضلاً عن المهاجرين والأنصار.

وقد انضمت هذه القبائل إلى وجود عربي سابق لعشائر عربية سكنت منطقة الحيرة وصحراء العراق الجنوبية، فتعرب العراق بسرعة لأن أبوابه ظلَّت مشرعة لهجرات لاحقة.

وشجع القائد الأموي مروان بن محمد قبائل ربيعة لاسيما تغلِب على الاستقرار في منطقة الموصل، كما شجع عشائر بكر بن وائل على الاستقرار شمال وشمالي غرب الموصل ، وهي المنطقة التي عرفت بديار بكر.

"
الديناميكية الفاعلة التي عاشها العراق من خلال التفاعل البشري بين المدنية والريف والبادية من ناحية، وبين الجزيرة العربية من ناحية أخرى، أسهمت في المحافظة على عروبة العراق
"
يرى الكاتب أن الدينامكية الفاعلة التي عاشها العراق من خلال التفاعل البشري بين المدنية والريف والبادية من ناحية، وبين الجزيرة العربية من ناحية أخرى، أسهمت في المحافظة على عروبة العراق، إذ استمرت حركة الانتقال من الجزيرة العربية إلى العراق بلا توقف حتى النصف الثاني من القرن العشرين.

وفي القرن الرابع الهجري كانت مناطق أعالي الفرات ودجلة حتى بلاد الروم إضافة إلى الجزيرة قد أصبحت موطناً لكلب ومضر وتغلب وبكر وعشائر ربيعة الأخرى، بينما سيطرت عشائر قضاعة على المنطقة الواقعة بين بغداد والبصرة، مع وجود تميم وهمدان وإياد وعبد القيس في المنطقة نفسها وخصوصاًَ الكوفة والبصرة.

وانتشرت طيئ انتشاراً واسعاً عبر صحراء الشام وجنوب العراق، كما انتشر بنو أسد بين جنوبي بغداد والكوفة.

وقد أدى سقوط بغداد بيد المغول سنة 1258 إلى تراجع دورها الحضاري، وسمح تراخي الحكم المركزي وغياب الأمن بقدوم موجات هجرة جديدة.

وأكدت عشائر المنتفق نفوذها في الفرات الأوسط، كما سيطرت على البصرة، وتفرعت عن زبيد عشائر الجبور والعبيد والعزة على امتداد دجلة من بغداد وديالى حتى الموصل وكركوك.

وامتدت عشائر الدليم على امتداد الفرات من الفلوجة إلى عانة، ودخلت قبيلة قشعم العراق في بداية العهد العثماني واستقرت جنوبي الكوفة والنجف.

وفي 1690 ظهرت شمر للمرة الأولى جهة نهر عيسى، واستقر قسم منها (شمر طوقة) بعد ذلك بجانب دجلة الممتد من ديالى إلى كوت العمارة، بينما استقر قسم آخر هو شمر مسعود في أطراف المسيب وكربلاء، كما سكنت شمر زوبع غرب بغداد باتجاه الفلوجة.

أما عشائر عنزة فبدأت في الظهور في نهايات القرن 18 حيث استقرت في الصحراء العراقية.

ويطرح المؤلف نماذج عن عملية التعريب والانصهار التي دخلت فيها عناصر من قوميات مختلفة حيث لعب الإسلام والانتماء الإسلامي دوره الحيوي في ذلك.

فيلاحظ أن عشائر البيات التركمانية تبنت اللغة العربية، وكذلك تعربت عشائر كرد لواء الديوانية.

ومن أمثلة التعرّب بين الجالية الفارسية عائلات علمائية شهيرة كبحر العلوم، والأنصاري، والخليلي، والكرباسي، والماقاني، وآل نجف، والشهرستاني، والحكيم (الطبطبائي)، والخوئي.

وتتعدد الأمثلة في الدولة العراقية الحديثة فجعفر العسكري ونوري السعيد تركمانيان، وكان بكر صدقي صاحب أول انقلاب في تاريخ العرب الحديث كردي الأصل.

ويتحدث المؤلف عن نشأة الحركة القومية العربية في العراق، فيلاحظ أنها عند نشأتها كانت حركة نهضوية متعددة الأعراق، وأنها لم تبدأ بالانغلاق إلا نحو سنة 1940، وينهي دراسته بالإشارة إلى نشأة حزب البعث فرع العراق سنة 1949.

"
المعايير السنية والشيعية لم تكن هي الحكم في اختيار المسؤولين، وتصوير نظام البعث على أنه نظام حكم عربي سني اضطهد الشيعة والأكراد تصوير تنقصه الأدلة
"
التنوع العرقي الديني
يقدم المؤلف في خاتمة كتابه خلاصة مهمة، ويلاحظ أن العراق لم يعرف الدولة بمفهومها الحديث إلا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وأن تنوعه العرقي والديني ليس استثناء، ولكن أحداً لا يستطيع الجدال في وجود العراق، وأن العراق لم يعرف الحرب الأهلية بدلالتها الحديثة منذ الفتنة الكبرى.

ويقدّم عدداً من الملاحظات عن الحكمين الملكي والجمهوري في العراق مؤكد أن المعايير السنية والشيعية لم تكن هي الحكم في اختيار المسؤولين، وأن تصوير نظام البعث على أنه نظام حكم عربي سني اضطهد الشيعة والأكراد هو تصوير تنقصه الأدلة.

لم يشغل المؤلف نفسه بجانبين حساسين يدخلان في صلب موضوع الكتاب، الأول: القضية الكردية، والثاني: سياقات الوحدة والانقسام في العهدين الملكي والجمهوري التي أشار إليها لماماً في الخاتمة. وهما جانبان أعلن منذ البداية أنه لن يناقشهما في هذا الكتاب.

سيلقى هذا الكتاب معجبين وناقدين من السنة والشيعة والعروبيين والإسلاميين وغيرهم، لكن الجهد المبذول فيه لا يمكن إلا أن يكون محل تقدير، وسيكون مرجعاً مهماً لكل من يعنيه الشأن العراقي.

المصدر : الجزيرة