عرض/ مؤسسة المستقبل للدراسات والإعلام
يشكل هذا الكتاب دراسة استشراقية حضارية للإسلام وانعكاساته على قضايا العصر وشؤون السياسية من خلال رؤية يهودية إسرائيلية معاصرة، يسلط من خلالها الباحث الضوء على الإسلام وتعاليمه وثقافته وحضارته تاريخا وواقعا، ويعرج على الصحوة الإسلامية وحركة الإسلام السياسي إضافة إلى تسليط الضوء على الحركات الإٍسلامية الراديكالية المعاصرة وما يصدر عنها من أعمال تطرفية بحسب رؤية الكاتب.

كما يتناول ممارسة هذه الحركات ضد مصالح الغرب وإسرائيل، ويبدو أن سعة اطلاع المؤلف وشموليته الثقافية بشأن الإٍسلام أعطت الكتاب قيمة مهمة لما يحتويه من أفكار ومعلومات ومتابعات للإسلام وحركاته، وما ينشأ من نشاطات وسبل وأفكار وتصورات تجاه الموقف من سياسات الغرب وإسرائيل.



- الكتاب: العيش مع الإسلام
- المؤلف: رفائيل يسرائيل
- عدد الصفحات: 200
- الناشر: دار أحياسف المساهمة المحدودة, تل أبيب
- الطبعة: الأولى/2006

فمؤلف الكتاب هو البروفيسور (رفائيل يسرائيل) مستشرق يهودي متخصص في شؤون الإسلام وحركاته المعاصرة ومستقبله السياسي, ويعمل أستاذا للدراسات الإسلامية في الجامعة العبرية بالقدس المحتلة، وأصدر العديد من الدراسات الإسلامية في هذا الاتجاه.

قسم الباحث كتابه إلى ثلاثة فصول مهمة إضافة إلى تمهيد وخاتمة، حيث بدأ التمهيد بالحديث بإسهاب عن أهمية الإسلام كدين وأحكام وسياسات وانعكاس ذلك على الساحة الإسلامية والعربية والدولية، وعرض في الفصل الأول حديثا تسلسليا عن مصادر الدين الإسلامي وأحكامه وتعاليمه.

فيما تحدث في الفصل الثاني عن سياسات الإسلام المضادة لليهود والصهيونية, وفي الفصل الثالث تعرض بالحديث المفصل عن الإسلام الراديكالي وأثر ذلك في تنمية العنف والتطرف عالميا مشيرا إلى ظاهرة الانتحار التي أطلق عليها اسم (الإسلاميكازا) والتي يرى أن الإسلاميين يوجهونها فقط ضد الغرب واليهود.

النظرة إلى الإسلام

"
الإسلام بثقافته وتعاليمه شكل مصدرا للكثير من الأحداث العالمية، حيث تمترس العديد من الجماعات الإسلامية السياسية خلف تعاليم هذا الدين الذي يملك أحكاما وأفكارا وسياسات بمقدورها أن تصنع ثورة راديكالية
"
يتعرض الكاتب إلى الحديث المفصل عن الإسلام كتعاليم ربانية نزلت من السماء على محمد صلى الله عليه وسلم في صحراء جزيرة العربية، حيث حول العرب من رعاة للأغنام إلى أصحاب حضارة وتاريخ.

فهو في نظر المؤلف خلاصة الدين اليهودي والمسيحي ونشره العرب وأصبح عالميا متعدد الأعراق والقوميات والثقافات واللغات، حيث يسلط الضوء على شخص محمد رسول الإسلام معتبرا أن هذا الدين يتمتع بشمولية كاملة ليس مثل اليهودية القائمة على العمل والأوامر وليس كالنصرانية القائمة على الإيمان واللاهوت، وإنما هو دين يجمع بين الدنيا والتعاليم الربانية ويجمع أيضا بين القرآن والدولة. لذلك فهو دين حضاري واقعي كما يؤكد على ذلك المؤلف.

ويشير الكاتب إلى أن الإسلام بثقافته وتعاليمه شكل مصدرا للكثير من الأحداث العالمية، حيث تمترس العديد من الجماعات الإسلامية السياسية خلف تعاليم هذا الدين الذي يملك أحكاما وأفكارا وسياسات بمقدورها أن تصنع ثورة راديكالية.

لكنه في نفس الوقت يرى أن هذا الدين دين رحمة وعاطفة يحض على احترام أصحاب الأديان الأخرى وبمقدور اليهود أن يعيشوا مع الإسلام والمسلمين ولكن شريطة عدم تحريف تلك التعاليم لا بل عدم تدخل حركات الإسلام السياسي المتطرفة التي حرفت الإسلام عن مساره الحقيقي كما يرى المؤلف.

حيث يشير إلى أنه جرى خلط بين مصادر الإسلام وأحكامه وبين الكثير من الأحداث التي جرت وتجري في هذا العالم وقد ساهم في ذلك زيادة عدد المسلمين وتنامي أفكارهم مشيرا إلى أن ثلث مدن العالم هي إسلامية فمن بين أصل (180) مدينة موزعة في العالم هناك 57 مدينة إسلامية.

ويشير الكاتب إلى تركز المسلمين في قارتي آسيا وأفريقيا إضافة إلى انتشار أقليات كثيرة في أوروبا وأميركا مؤكدا أن ثلثي المسلمين في العالم يتركزون في مناطق القارة الآسيوية، وقارة أفريقيا، وقد ساعد في ذلك دخول المغول والتتار إلى الإسلام.

نظرة الإسلام لليهودية والصهيونية
يناقش الكتاب ويعرض نظرة الإسلام لليهود واليهودية وكذلك الصهيونية مشيرا إلى أن الانتشار الواسع للإسلام لم يكن مستوعبا بالسرعة المطلوبة ولذلك أدى هذا الأمر إلى انقسام المسلمين إلى مجموعات وشيع ومدارس فكرية، بدأ بعضها على خلفية سياسية وتطور هذا الخلاف إلى خلافات مضاعفة أدت إلى تفكك الأمة الإسلامية مما سهل على الاستعمار السيطرة على بلاد المسلمين.

وأمام رحلة التفكك هذه كانت الأرض خصبة لحركات الإسلام السياسي التي برزت تحت مظلة ودعوى العمل من أجل تحرير بلاد المسلمين وعودة الإسلام.

"
هناك أسباب دفعت بالمسلمين في العصر الحديث ليتحولوا من رحماء لليهود عبر التاريخ إلى أعداء معاصرين لهم بسبب الاحتلال
"
وكان من أخطر التطورات في هذه المرحلة التفنن في عداء الغرب وإسرائيل وقيام حركات الإسلام السياسي بتربية جيل معاصر يتعبد الله بكره اليهود والصهاينة والغرب وكان في مقدمة هذه الحركات حزب الله وحركة حماس اللتان ساهمتا اجتماعيا وسياسيا وعسكريا في المشاركة في صياغة الحياة اليومية للعرب والمسلمين.

ويعرض الكاتب نماذج في التاريخ الإسلامي والتاريخ المعاصر بحيث يقارن بين احترام الإسلام للأقليات اليهودية في الدولة الإسلامية وخاصة في جزيرة العرب والأندلس وعدم احترام اليهود والصهاينة بل ملاحقتهم وقتلهم في العصر الحديث مؤكدا أن انتقال دفة التوجيه والحكم من الخليفة إلى أمراء الجماعات المتطرفة جعل اليهود يدفعون ثمنا غاليا.

حيث يتعرضون في ظل الإسلام السياسي الراديكالي للقتل والإبادة والملاحقة ويرى انه لا بد من دراسة جدوى الجلوس مع الإسلاميين ومدى تجاوز الخلافات الراهنة.

ولا يستغرب المؤلف في كتابه (العيش مع الإسلام) بروز أصوات كثيرة متناقضة مع الإسلام وتسعى إلى تصعيد العلاقة مع الغرب واليهود وذلك بسب الممارسة اللاسامية التي تمارس ضد المسلمين في العالم الغربي وفي إسرائيل أيضا، ولهذا فإنه يشعر أن هناك أسبابا دفعت بالمسلمين في العصر الحديث ليتحولوا من رحماء لليهود عبر التاريخ إلى أعداء معاصرين لهم بسبب الاحتلال.

ويعرض الكتاب لنقاط أربع لعودة علاقات التعايش وهي :

1- أن تكون الأحكام الإسلامية الأصلية هي الحكم.
2- أن يبتعد أنصار الإسلام الراديكالي عن دفة التوجيه.
3- ضرورة إزالة أسباب العداء والحرب القائمة مع المسلمين.
4- البحث عن قواسم مشتركة للعيش رغم الاختلافات الكثيرة.

ولهذا يرى الكتاب أن الإٍسلام ليس هندوسيا ولا بوذيا وإنما هو دين عملي قابل للتفاهم والحوار والتناغم مع الآخرين.

الإٍسلام الراديكالي
يشير الكتاب إلى أن ظاهرة التحول في الإسلام من الاعتدال إلى التطرف لها أسباب قد تكون وجيهة وقد لا تكون كذلك، ويرى أن حالة الانفصال التي نشأت ما بين الجماعات الإسلامية الراديكالية والإسلام التقليدي هي التي أدت إلى تحولات سياسية كبرى في العالم.

مشيرا إلى أن الإسلام أصبح مظلة للعديد من الجماعات التي تسعى لإثبات برامجها الجامحة بالقوة والعنف، مستغلة فرضية الجهاد كعنوان للمرحلة وضرورة للتخلص من كابوس الغرب ممثلا بإسرائيل وأميركيا، حيث ترى هذه الجماعات أن الغرب يشكل في سياساته المعاصرة تجاه العالم العربي والإسلامي امتدادا لحركة الاستعمار التي بدأت في بدايات القرن العشرين.

"
تنامي ظاهرة الإسلام الراديكالي تغلق كل فرص التعايش بين اليهود والمسلمين خاصة أن هذه الحركات خلفت بل عززت ثقافة جديدة في المنطقة هي ثقافة العنف والتطرف
"
وأثرت على الواقع النفسي والاقتصادي والسياسي للعرب والمسلمين ولهذا ترى هذه الجماعات أنه من المستحيل التعايش مع اليهود والغرب لأنهم امتداد للاستعمار الذي تمقته الشعوب العربية.

ويستعرض الكتاب ظاهرة العنف العالمي التي طالت الكثير من المواقع العالمية حيث تصدرها تفجير برجي التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر/أيلول عام 2000م والتي أصبحت نقطة تحول في تاريخ دول المنطقة.

حيث يرى المؤلف أن تنامي هذا التطرف يعود إلى الفهم المغلوط للإسلام وتوظيف العديد من الأحكام لاستنباط تشريعات تبيح التطرف لهذه الجماعات وتعطيها الرخصة في استباحة العنف في الشرق الأوسط تتمثل في الإسلام كدين ثوري محرك للشعوب وللحركات الإسلامية التي تسعى لعملية التطبيق العملي للإسلام من خلال إبراز المظاهر الإسلامية والنزول إلى الميدان.

ويؤكد الكاتب أن ظاهرة العنف تتنامى وأن تنظيم القاعدة وحماس وحزب الله يأخذون النصيب الأكبر في حركة التنامي المشهودة، ويرى أن هناك حركات لا تمتلك قاعدة اجتماعية كتنظيم القاعدة وتحاول تصدير أزمتها للواقع من خلال القيام بالمزيد من العمليات المتطرفة ضد مرافق حيوية في العديد من الدول لإثبات نفسها وللأسف (والكلام للمؤلف) يستظل هؤلاء بتعاليم الإسلام ويبث قادتهم مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري العديد من الكلمات المتلفزة التي يخيم عليها العديد من الآيات والأحاديث.

ويبدو أن هذه الخطابات والتوجيهات لامست أسماع الكثير من الأحباب والأنصار الذين أصبحوا جذورا أوفياء للقاعدة. وكذا الحال مع حزب الله الشيعي وحركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين اللتين تكنان العداء المطلق لإسرائيل وتوجهان الضربات المتواصلة لها.

ويرى المؤلف أن تنامي هذه الظاهرة (ظاهرة الإسلام الراديكالي) تغلق كل فرص التعايش ما بين اليهود والمسلمين خاصة أن هذه الحركات خلفت بل عززت ثقافة جديدة في المنطقة.. ألا وهي ثقافة العنف والتطرف ثقافة المواجهة التي أصبحت جزءا من روتين المجتمع المعاصر الذي بات يستقبل أحداث التطرف القاتلة بكل برودة أعصاب وهو يحتسي فنجان قهوة.

ظاهرة الإسلاميكازا

"
باتت لغة الانتحار عدوا شرسا للغة الحوار التي ينبغي أن تسود بين شعوب المنطقة, ومهما تعكرت الظروف فلا بد من البحث عن لغة التعايش والتفاهم والحوار
"
يعتبر أن أعظم ظواهر التطرف هي ظاهرة الانتحار الجسدي التي كانت أولى بداياتها في الحرب العالمية الثانية عندما كون اليابانيون فرقا انتحارية من الطيارين كانوا يلقون بأنفسهم وطائراتهم لكي تتفجر فوق البوارج والقطع البحرية الأميركية وأطلق على هذه الظاهرة آنذاك ظاهرة (الكاميكاز).

لكن الكاتب يتحدث عن هذه الظاهرة في جزء من كتابه تحت عنوان (الإسلاميكازا) حيث يستعرض عمليات الانتحار التي جرت باسم الدين في أكثر من موقف وخاصة تلك التي كان خلفها الإسلاميون الذي يؤمنون بالموت من أجل طلب حياة كريمة في الجنة.

ويشرح الكاتب في هذا الجزء أسباب ظاهرة الانتحار مشيرا إلى أن الجماعات الإسلامية تزين هذا العمل للأفراد على أنه مستقبل عظيم مشرق غدا في الجنة، وأن من يقوم بهذا العمل سيتمتع بسبعين من الحور العين وبجنات متسعة ورحبة مستشهدين على ذلك بآيات من القرآن وأحاديث للرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

ويرى الكاتب أن هذه التعليمات الدينية تشجع الشباب الذين هم في مقتبل العمر والذين تمتلأ صدورهم حمية وحماسا ولهذا يستمعون إلى موعظة الشيخ ويربطون حزام المتفجرات ويقول (يا الله.. أين طريق الجنة).

ويشير الكاتب إلى أن أول من استعمل هذا الأسلوب في المواجهة على صعيد العالم العربي هو حزب الله والحركات المقاومة في لبنان ومن ثم حركة حماس والجهاد الإسلامي وبعد ذلك تنظيم القاعدة، حتى أصبحت هذه الظاهرة نهجا لدى حركات الإسلام الراديكالي.

وقد خلفت ظاهرة (الإسلاميكازا) المزيد من الضحايا والقتلى وباتت ظاهرة مرعبة تقطع كل خيوط البحث عن التعايش والحوار بين الأطراف المتنازعة.

"
الإسلام عبارة عن كتاب مقدس فيه شعائر ولا علاقة له بالسلطة والسياسة والقوة ولذلك فإن على الشعب الإسرائيلي المنهمك في نزاع دموي طويل مع هذا الدين (الإسلام) أن يبحث عن حل يوفر له ولأبنائه الأمن والسلام
"
بل باتت كما يرى المؤلف ظاهرة مقززة تنافي كل المفاهيم الإنسانية لا بل يشير إلى أن مهندسي هذه الظاهرة هم عديمو الإنسانية، ويضيف: أن لغة الانتحار باتت عدوا شرسا للغة الحوار التي ينبغي أن تسود بين شعوب المنطقة, مؤكدا أنه مهما تعكرت الظروف فلا بد من البحث عن لغة التعايش والتفاهم والحوار وهذا يقتضي مزيدا من البحث عن أسباب تنامي الظاهرة ووضح حد لها.

ويختتم الباحث كتابه بكلمات مهمة يثبتها في خاتمة الكتاب حول ضرورة إزالة أسباب العنف والتطرف والعودة إلى مصادر الإسلام الرئيسية التي تدعو للحوار والتفاهم والإنسانية، ويرى أنه لا بد من تخطي أحداث 11 سبتمبر/أيلول والتعامل مع الإسلام السياسي وحركاته بفهم وروية دون التوجه نحو ردات الفعل.

وعلى صعيد الساحة الإسرائيلية يرى المؤلف أن اليهود تائهون في كيفية بناء علاقة مع الإسلام الذي يعتبر دينا كبيرا فهو عبارة عن كتاب مقدس فيه شعائر ولا علاقة له بالسلطة والسياسة والقوة، ولذلك فإن على الشعب الإسرائيلي المنهمك في نزاع دموي طويل مع هذا الدين (الإسلام) أن يبحث عن حل يوفر له ولأبنائه الأمن والسلام.

المصدر : الجزيرة