عرض/ إبراهيم غرايبة
لا يتعرض هذا الكتاب للسيرة الذاتية لديك تشيني بالتفاصيل، بقدر ما يعرض كيف يمكن لرجل يملك المؤهلات بالمقاييس التقليدية التي تؤهله للوصول إلى أعلى سلطة في الولايات المتحدة الأميركية، ولكنه سلك طريق السلطة والتأثير من وراء الكواليس عبر منح ولائه للرجال الذين لا يستحقونه، وللسياسيين الذين لم يعملوا أبدا، ولأوهام الحكم العالمي التي لم يكن يحملها سوى المصابين بجنون العظمة، والشركات الكبيرة التي تجني من الحرب أكثر مما تجني من السلم.


- الكتاب: ديك تشيني، رئيس أميركا الفعلي
- المؤلف: جون نيكولز
-ترجمة: محمود برهوم، رغدة محمد، حسن عزيزية
- عدد الصفحات: 200
- الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت
- الطبعة: الأولى/2006

من وراء الكواليس
قد يحمل جورج ووكر بوش لقب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولكن الصلاحيات الفعلية بيد ديك تشيني، وهو شخصية مبهمة قضى أربعة عقود يثبت وبهدوء حقيقة ملاحظة أوليفر ويندل هولمز بأن "الجائزة التي يهتم بها الرجل القوي هي القوة".

لقد حقق تشيني قوته بالطريقة القديمة: تحفز وتآمر، إذعن وتنازل، فأصبحت المصالح الاقتصادية والعسكرية والسياسية المهيمنة التي توجه الولايات المتحدة، وبالتالي توجه العالم، مقتنعة بأنه يمكن الوثوق به وتسليمه مفاتيح المملكة.

إن تشيني المولع بالبقاء وراء كواليس السلطة، والذي يعبر عنه عملاء الجهاز السري دائما، (بالمقعد الخلفي) يملك سيرة ذاتية يمكن أن تؤهله للرئاسة، فقد عمل مساعدا لثلاثة رؤساء، وكان أصغر رئيس لطاقم البيت الأبيض في التاريخ الأميركي، وثاني أقوى عضو في حزبه بمجلس النواب، ووزيرا، ومديرا تنفيذيا لأقوى شركة ذات ارتباطات سياسية.

ينحدر تشيني من مهاجرين بريطانيين يعودون إلى فترة الحجاج-البروتستانت المتزمتين، وقد نشأ في لينكولن في مراهقته، واستغل المكائد السياسية بشكل جعل رجل نفط محلي يدعى توم ستروك يرى تشيني شابا طموحا.

فرتب لقبوله في جامعة ييل في بعثة دراسية كاملة في خريف 1959، ولم يستطع النجاح في الجامعة على الرغم من كونه طالبا ممتازا، ولم يتفوق إلا في مادة "العلاقات الأميركية الدولية" فلم يكن باستطاعته أن يحصل على شهادة رابطة الجامعيين مثل كيري أو بوش.

وانسحب من الجامعة عام 1962، وانصرف إلى حياة اللهو، وفي عام 1963 التحق بكلية كاسبر لفصل دراسي واحد بهدف التملص من الخدمة العسكرية، وبدأت حياته السياسية بعد ذلك بسنوات عندما عمل مساعدا مع النواب الجمهوريين ليصل إلى مرتبة رئيس موظفي البيت الأبيض، واختاره بوش الأب وزيرا للدفاع عام 1989، ثم رئيسا لشركة هاليبرتون.

كان تشيني ورمسفيلد صديقين عملا معا منذ أوائل السبعينيات مع الجمهوريين، وكان معروفا في فترة نيكسون بأنه مساعد رمسفيلد ورجله التابع، وبينما كانت رئاسة نيكسون تنهار كان تشيني يعمل بشكل خفي جدا مع شركة برادلي ووودز وهي شركة في واشنطن تقدم الاستشارات للبنوك الاستثمارية.

"
حقق تشيني قوته بطريقة: تحفز وتآمر، إذعن وتنازل، فأصبحت المصالح الاقتصادية والعسكرية والسياسية المهيمنة التي توجه الولايات المتحدة، وبالتالي توجه العالم، مقتنعة بأنه يمكن الوثوق به وتسليمه مفاتيح المملكة
"

وعندما تولى فورد الرئاسة خلفا لنيكسون عام 1974 اختار رمسفيلد رئيسا لموظفي البيت الابيض الذي اختار تشيني نائبا له، ثم أصبح رئيسا عندما انتقل رمسفيلد إلى الوزارة، وكان هذا الثنائي أهم مساعدي الرئيس بوش.

ومع أن تشيني كان يسعى إلى البقاء بعيدا عن الأنظار، وهو موقف أكسبه اسمه الرمزي في الجهاز السري في منتصف السبعينيات "المقعد الخلفي" فإنه بتوليه منصب رئاسة موظفي البيت الأبيض أصبح في الواجهة، وكان صعودا يمثل دليلا على شخص يمكن أن يصل إلى القمة بفضل رغبته بالاهتمام بالأعمال الصغيرة التي يتجنبها عادة الأشخاص ذوو النفسيات المترفعة، وكانت ترقية تشبه إسناد وظيفة رئيس تحرير إلى أحد المحررين.

وكان تشيني وراء تحويل الحزب الجمهوري إلى اليمين لكسب ولايات الجنوب في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 1976، وهي الفكرة التي أدت إلى فشل فورد ونجاح منافسه الديمقراطي كارتر.

صمود تشيني السياسي
ما الذي يجعل مانديلا الذي صادق سجانيه، وغفر لأعدائه، وشارك جائزة نوبل مع قائد آخر حكومة تمييز عرقي، يعبر عن الكراهية لتشيني؟ لقد كان تشيني يتحرك في الكونغرس ضد الضغط على جنوب أفريقيا لوقف سياساتها العنصرية وإطلاق سراح السجناء السياسيين.

وأن يظل كثير من الأميركيين غير مدركين لتطرف تشيني الأيديولوجي أمر يوفر شاهدا على انهيار الصحافة السياسية الجادة في الولايات المتحدة، ورغم كل المحاولات لتصوير نفسه بأنه مشرّع دمث الخلق مهتم بالتفاهم فإن الحقيقة هي أن تشيني كان يكن احتراما ضئيلا للكونغرس أو أعضائه.

وحتى حين كان يخدم في مجلس النواب، فإنه كان يكافح لتقويض قدرة الفرع التشريعي على محاسبة الفرع التنفيذي، أشارت أليه واشنطن بوست بأنه معتدل، وبدلا من الاحتفال بحظه بإبقاء آرائه المتطرفة تحت رادار الصحافة الوطنية، أمر تشيني أحد مساعديه بالاتصال بصحيفة البوست ومطالبتها بتصويت.

واستذكر المساعد وهو ديف غرين، أن تشيني قال: أرجو أن تتصل مع البوست وتخبرها بأنني محافظ، ألا يتفحصون سجل تصويتي؟ إن لي سجل تصويت ويجب أن ينظروا إليه، فكان تشيني يصوت بهدف، فكان يعطي أصواته في مجلس النواب وعينه على زيادة مصداقيته لدى الكتلة المحافظة الصاعدة في الحزب.

"
بعد أن قاد فورد إلى الهزيمة في عام 1976 كان تشيني بضاعة تالفة سياسيا، فقد ترك البيت الأبيض وعاد إلى شركة برادلي وودز, لكنه نجح في الانتخابات الجمهورية بعد ذلك، ومع نهاية الثمانينيات تم انتخابه رئيسا للمؤتمر الجمهوري في مجلس النواب
"

وبعد أن قاد فورد إلى الهزيمة في عام 1976 كان تشيني بضاعة تالفة سياسيا، فقد ترك البيت الأبيض عندما غادره فورد، وعاد إلى شركة برادلي وودز، ومن حسن حظ تشيني أن تينو رونكاليو يحن إلى موطنه، النائب الديمقراطي من ويومنغ والذي بلغ الستينات من عمره أعلن عن رغبته في التقاعد.

وفجأة تذكر ديك تشيني مدى رغبته الشديدة الدائمة في تمثيل ويومنغ في مجلس النواب الأميركي، وكان يحتاج للقيام ببعض العمل لإقناع المحافظين بأنه واحد منهم، ونجح في الانتخابات الجمهورية، ومع نهاية الثمانينيات اعتلى تشيني المد اليميني المتصاعد عندما تم انتخابه رئيسا للمؤتمر الجمهوري في مجلس النواب.

من الهروب من التجنيد إلى وزارة الدفاع
حانت فرصة تشيني للحصول على منصب وزاري رفيع عندما أراد بوش أن يقيل وزيره جون تاور الذي كان مولعا بالشرب ومطاردة النساء، فطلب بوش مساعديه بطرح بديل موثوق ذي علاقات مع الكونغرس، فجاء اسم ديك تشيني عن طريق برينت سكاوكرفت مستشار الأمن القومي، ووافق الرئيس بسرعة على اقتراح اسم تشيني.

وبدا أن تشيني ومنذ أيامه الأولى في وزارة الدفاع يهدف إلى الإبقاء على مجمع عسكري-صناعي يخدم مصالحه السياسية والمصالح التجارية للمساهمين في حملته ومستخدميه السابقين.

في بعض الأحيان كان تشيني يبدو غير متماسك في شغفه بالإبقاء على الحرب الباردة، وذلك بإيجاد عدو آخر غير موسكو، فوافق هو والرئيس الجديد لهيئة الأركان المشتركة "كولن باول" على غزو بنما باعتبار ذلك لعرض العضلات العسكرية التي خاف كلا الرجلين من أن تصبح لينة في فترة ما بعد الحرب الباردة، هذا الغزو لم يكن إلا نذيرا للجهود الأميركية اللاحقة ضد صدام حسين في العراق.

وفي عام 1992 وضع طاقم تشيني وثيقة سرية لتوجيه التخطيط الدفاعي بدت مثل بيان استعماري من واحدة من القوى الأوروبية الاستعمارية القديمة، حيث أن أميركا في نظرهم لن تقوم فقط بالاستجابة لتهديدات من الخارج بل سوف (تمنع أي قوة معادية من الهيمنة على منطقة يمكن أن تكون ثرواتها تحت سيطرة راسخة كافية لخلق قوة عالمية).

وقد أدى تسرب وثيقة توجيه التخطيط الدفاعي لأحد مراسلي نيويورك تايمز إلى غضب شديد ربما كان من أهم أسباب فشل بوش في مواجهة بل كلينتون، الحاكم الجنوبي المندفع في منافسته.

وبعد عشر سنوات أخذ أقوى نائب رئيس في التاريخ الأميركي يحدد المصالح الهامة للولايات المتحدة الأميركية على أنها موجودة في صحاري العراق، حيث أمل ذات يوم في إرسال القوات الأميركية إليها.

وعندما كان الجيش يتعرض للضغط لتقليص حجمه، فإن خصخصة كل شيء يمكن أن تسمح لوزارة الدفاع بتخفيض مئات الآلاف من الوظائف، مما يلغي الحاجة ليس فقط الأجور وإنما الإسكان والتعليم والرعاية الصحية.. إلخ، وفي الوقت ذاته فإن الخصخصة ستؤدي إلى توجيه مليارات الدولارات إلى حسابات المتعهدين الدفاعيين الذين يمكن أن يشكلوا قوة متنفذة بما يكفي لضمان ألا تواجه ميزانيات الدفاع مرة أخرى تهديد فوائد السلام، وعلى عكس الجنود والبحارة فإن المتعهدين كانوا في وضع يقومون معه بتقديم مساهمات كبيرة للحملة الانتخابية.

"
بدا تشيني منذ أيامه الأولى في وزارة الدفاع يهدف إلى الإبقاء على مجمع عسكري صناعي يخدم مصالحه السياسية والمصالح التجارية للمساهمين في حملته ومستخدميه السابقين
"
وبالنسبة لتشيني كان إغراء مشروعه للخصخصة واضحا: سوف يكون متعهدو الدفاع مسرورين حين يتعلق الأمر بفتح دفاتر شيكات المساهمة للحملة الانتخابية، وفي الشهور التي سبقت نقل البنتاغون إلى حكومة كلينتون المقبلة قام البنتاغون بقيادة تشيني بإعادة تشكيل ساحقة للحكومة، وفي أغسطس/آب 1992 منح شركة براون آند روث وبالتالي لشركة هاليبرتون وبسرعة عقدا لوجستيا من سلاح الهندسة التابع للجيش الأميركي الذي يسمح لها بالعمل إلى جانب الجنود في كل مكان يوجد فيه الجيش.

وفي السنوات الخمس التالية والتي رأس فيها تشيني الإدارة التنفيذية لشركة هاليبرتون حققت الشركة أرابحا مضاعفة، فقد غرفت 2.3 مليار دولار من الخزينة الأميركية، وذلك يعود إلى قدرة تشيني على الوصول إلى العقود التي كان قد فتح لها الأبواب عندما كان في البنتاغون وإلى علاقاته الخارجية السابقة كوزير للدفاع.

الرئيس الفعلي لأميركا
عندما تولى جورج دبليو بوش منصب الحاكم في عام 1995 في تكساس أخذ تشيني يدس نفسه في الدوائر الداخلية للولد وأبيه، وكان متأكدا من أن العائلة ستعطي الترشيح الجمهوري لجورج دبليو، معتقدا أن فرصته معقولة بالفوز.

والجميع يعرف أن جورج دبليو سيحتاج إلى راع، لأنه كان مهملا، ولم يكن لديه خبرة بواشنطن، وليس لديه خبرة عسكرية سوى وظيفة بلا عمل مع الحرس الوطني الجوي في تكساس، وهي وظيفة ابتدعت لأجله ليبقى بعيدا عن القتال في فيتنام، فكان هناك إدراك شخصي لدى بوش الأب وأعوانه أنه سيكون من الضروري وضع شخص مسؤول عن حكومة الابن.

أكد الرئيس السابق لابنه أهمية اختيار الشخص المناسب لإدارة البحث عن زميل التذكرة "نائب الرئيس"، يجب أن يكون شخصا على دراية بطرق واشنطن وذا صلة جيدة بالحزب الجمهوري، ومفتاحا للمتبرعين المؤسسين وقاعدتهم العريضة، ومواليا لقبيلة بوش، وهكذا جاء تشيني الذي كان يعرض المساعدة دائما.

"
لم يستطع تشيني أن ينتظر حتى يتولى المسؤولية، فبينما كان بوش ينتظر المحكمة العليا لتأكيد اختياره كرئيس، انطلق تشيني إلى واشنطن ليدير فريق بوش الانتقالي حيث ظهر كمتحدث رسمي باسم بوش ومديره الشخصي والإستراتيجي، أي باختصار رئيسه التنفيذي
"

أعلن بوش أن تشيني سوف يبدأ (استعراضه الشامل والجليل) لمرشحين محتملين للتذكرة، وأوضح بوش قائلا: توصلت إلى رجل دولة مميز وذي خبرة ليقود عملية البحث.

وبدأت عملية استعراض مؤهلات كثير من المرشحين المثيرين للاهتمام، وبعد عملية فحص وتمحيص مضنية لتشيني الذي كان دائما يضيق الخيارات، بحيث أصبح مفهوما لدى الكثيرين بأن ذلك مضيعة للوقت، كما قال أحد المرشحين.

وفي الحقيقة كان تشيني قبل أسابيع من إعلان ترشيحه قد اتصل هاتفيا مع بوش الأب حيث ناقشا فكرة تذكرة بوش-تشيني، الذي كان يثمن تشيني عاليا.

في 25 يوليو/تموز 2000 وفي أوستن تكساس أعلن جورج دبليو بوش أنه قد تبين له "أن تشيني كان أفضل مرشح يمكن أن يجلس إلى جانبي"، وهكذا كان تشيني.

لم يستطع تشيني أن ينتظر حتى يتولى المسؤولية فبينما كان بوش ينتظر المحكمة العليا لتأكيد اختياره رئيسا، انطلق تشيني إلى واشنطن ليدير فريق بوش الانتقالي حيث ظهر كمتحدث رسمي باسم بوش وهمزة اتصاله القانوني ومديره الشخصي والإستراتيجي، أي باختصار رئيسه التنفيذي.

كان تشيني يجمع صلاحيات كثيرة جدا وبسرعة كبيرة جدا حتى أنه أرهق نفسه وأصيب بنوبة قلبية، ولم يكن تشيني يظهر كرجل ثان في سلم القيادة حيث وصفه سكوت ريد في برنامج (واجهة الصحافة) بأنه "ربما يكون مثل رئيس الوزراء".

المصدر : الجزيرة