إبراهيم غرايبة
كان الملح حتى القرن التاسع عشر هو المادة الأعز التي بذل الإنسان جهودا مريرة للحصول عليها على مر العصور.

وبرز الملح منذ الاستقرار البشري بوصفه مادة أساسية يحتاج إليها للطعام، والتخزين، والصناعات الغذائية، والتحنيط، والأساطير والتراث، وأساسا للثورات الاستقلالية كما في الهند والولايات المتحدة وفرنسا، وقامت عليه مدن وحركة اقتصادية وتجارية عالمية.

- الكتاب: تاريخ الملح في العالم
- المؤلف: مارك كيرلانسمي
- المترجم: أحمد حسن مغربي
- الصفحات: 358
- الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت
- الطبعة: الأولى/2005

تاريخ ومعتقدات واقتصاد
يتفق المؤرخون على أن أقدم مصنع للملح ظهر في الصين، وكان الملح أساسا للحروب والصراعات حول بحيرة يونشينغ، ويعود أقدم سجل مكتوب عن إنتاج الملح إلى نحو 800 سنة قبل الميلاد، ويشير إلى أن إنتاجه بدأ قبل ذلك التاريخ بألف عام.

وعرف الصينيون صناعة المخللات وحفظ الأطعمة بالتمليح. وتطورت مع الزمن صناعة الملح وتجارته، ونشأت حوله سلسلة معقدة من الحروب والثروات والاحتكارات والصراعات، فقد دار جدل طويل في الصين حول احتكار الدولة للملح والضرائب التي تفرض على تجارته وإنتاجه.

وفي مصر استخدم الفراعنة الملح لحفظ الجثث، وظلت متماسكة محتفظة بجلودها ولحمها لنحو خمسة آلاف سنة، وعرف المصريون أيضا الأطعمة المملحة والخضار الممزوجة بالملح والصلصة، واستخدموا الملح لحفظ الأسماك.

وكان هذا النظام في الحفظ يساعدهم على مواجهة تقلبات الطقس وظروف ندرة الطعام في بعض أوقات السنة.

وربما يكون الفينيقيون بخبراتهم التجارية قد ساهموا في نقل الملح عبر أنحاء العالم ومقايضته بسلع وخدمات أخرى، وعرفت قوافل نقل الملح باستخدام الجمال والسفن.

وذكر ابن بطوطة أنه زار في العام 1352 مدينة تاغارا الأفريقية المبنية من الملح بما في ذلك مسجدها، وتحدث المؤرخ اليوناني بليني عن مناجم لصخور الملح والبيوت المشيدة من تلك المادة، وبعض المدن القائمة اليوم تستمد تسميتها من الملح مثل "سالتزبورغ".

وكانت ليفربول أهم مدينة بريطانية بعد لندن قد أقيمت أساسا عام 1207 على تجارة الملح الذي كان يعرف في جميع أنحاء العالم باسم ملح ليفربول.

ويعرف الشعوب الذين عملوا في الملح بالسالت، وقد وصفهم المؤرخون الإغريق والرومان وأرسطو أيضا بأنهم رجال أقوياء وضخام، ويلبسون أقمشة زاهية الألوان، ويضيفون الغرباء، ومن سوء الطالع أن يوصف شعب ما بهذا الوصف على يد أعدائه.

وكان الملح جزءا من الإمبراطورية الرومانية، واستولى الرومان على مدن الملح وورش السالتيين والفينيقيين لإنتاج الملح، وطوروا وسائل حفظ الخضار والزيتون بالملح، وامتلأت شواطئ المتوسط بورش الملح، وورثها العرب والمسلمون بعد انسحاب البيزنطيين وتراجعهم.

وتحولت الطرق التي شقها الرومان في أنحاء الإمبراطورية لتأمين نقل الملح إلى مراكز تجارية وثقافية، وكانت السيطرة على مراكز الملح في مرحلة الإقطاع بعد انهيار روما تعني السيطرة على الموارد والنفوذ أيضا.

"
انتهت الثورة الأميركية بالاستقلال، وولدت أمة جديدة مع ذاكرة مرة عما يعنيه الاعتماد على الآخرين للحصول على الملح
"

الملح والحروب والاستقلال
فتحت عمليات صيد الحيتان وتجارتها المجال واسعا لصناعة الأسماك المقددة التي حمت أوروبا من المجاعة، وتوسعت تجارة الملح والأسماك في أوروبا وحوض المتوسط وأنحاء الإمبراطورية الرومانية اعتمادا على حملات الصيد الكبرى التي أبحرت بعيدا دون خوف من تلف السمك.

وبدأ الملح يستخدم أيضا في صناعة الجلود وفي الدواء والطب، ومثل رمزا للصحة والديمومة، وزينت الموائد الملكية في فرنسا بممالح على هيئة سفن، وكان وضع الملح على الطاولة من مظاهر الغنى.

وعندما وصل الأوروبيون إلى القارة الأميركية وجدوا أهلها الأصليين يعرفون الملح وينتجونه على ضفاف الأنهار.

وتعيد بعض القبائل قصة معرفة الملح إلى فيكستوسياتل التي نفيت إلى المياه المالحة من قبل إخوتها آلهة المطر، فاكتشفت الملح، فصار يقام احتفال في الشهر السابع من كل عام بذكراها.

ولدى بعض القبائل آلهة للملح، فكانت تسند عمليات إنتاج الملح إلى عائلات دينية باعتبارها مهمة مقدسة، ودارت حروب بين القبائل والشعوب الأميركية قبل مجيء الأوروبيين وكان الانتصار فيها يتوج بالسيطرة على الملح.

وقامت المراكز الحضارية في القارة الأميركية تبعا لإنتاج الملح ووفرته، فكانت على سبيل المثال مدينتا كوزكو وبوغوتا، في كولومبيا، وتواصلت أهمية الملح وحروبه بعد وصول الأوروبيين الذين أطلقوا حملات واسعة لاستكشاف مصادره ومظان إنتاجه.

كانت مشكلة المستوطنين للقارة الجديدة الذين طوروا تجارة وحياة اقتصادية مستقلة هي حاجتهم للملح المستورد من بريطانيا أو مستعمراتها.

"
غيرت الكيمياء إلى الأبد نظرتنا إلى الملح، وإن كان سيبقى مستخدما في إعداد الأطعمة، إلا أن  دوره يتراجع بصورة مستمرة
"

وتبنت طبقة التجار الأميركيين مقولة توم باين بأن القارة الأميركية لا يمكن حكمها من الجزر البريطانية، وبدأ البريطانيون في عام 1759 يواجهون الميل الأميركي للاستقلال بفرض تعريفات وضرائب عقابية على التجارة الأميركية تطورت إلى حالة تمرد وحرب عام 1775، وفرض حصار بريطاني على المستوطنات الأميركية المتمردة أدى إلى نقص فوري وخطير في الملح، واستهدفت المعارك والصراعات بين الجانبين مصادر الملح، وحاول كل طرف حرمان خصمه منها.

وبدأت الإدارة الأميركية المستقلة على الفور في جملة من السياسات والإجراءات تشجيع صناعة الملح ومواجهة نقصه الحاد والحصار البريطاني، فشكل الكونغرس لجانا للمشورة في طرق ووسائل إمداد الولايات المتحدة بالملح، وأعفي العمال العاملون في مجال الملح من الخدمة العسكرية، وواجه الصيادون والمزارعون أزمة خانقة في الحصول على الملح.

وفي اتفاقية باريس من سبتمبر/ أيلول عام 1783 انتهت الثورة الأميركية بالاستقلال، وولدت أمة جديدة مع ذاكرة مرة عما يعنيه الاعتماد على الآخرين للحصول على الملح.

وارتبطت الثورة الفرنسية أيضا بالملح، فقد كانت الضرائب التي تفرض على الملح سببا في السخط والتذمر ثم الثورة، فقد أعاقت القوانين الضريبية الاتجار بالملح وزادت من كلفة إنتاجه، فانتشر تهريب الملح الذي قابلته الحكومة بقوات مسلحة للتفتيش والملاحقة، وتحول هؤلاء "الغابيلوز" إلى قوة غاشمة ترمز إلى العسف والظلم.

وفي أواخر القرن الثامن عشر صدرت أحكام بحق أكثر من ثلاثة آلاف رجل وامرأة وطفل بالسجن أو الموت بسبب التهرب من ضرائب الملح.

وفي عام 1789 ثار الفرنسيون وألغت الثورة فورا ضريبة الملح "الغابيل" دون اهتمام بإيجاد مصدر دخل بديل لتمويل خزينة الدولة، وأطلق سراح جميع المسجونين بسبب ضريبة الملح وأعفي المطلوبون والمطاردون بسببها، وأعدم الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة أنطوانيت.

الصوديوم والتقدم العلمي
لقد غيرت الكيمياء إلى الأبد نظرتنا إلى الملح، والحال أن اكتشافات في مجالات أخرى غيرت جذريا دوره في العالم، وسيبقى الملح مستخدما في إعداد الأطعمة، ولكن دوره تراجع بصورة مستمرة.

جاءت الضربة الأولى للملح على يد الطاهي الفرنسي نيقولاس أبير، الذي اخترع طريقة لحفظ الأطعمة بدون تمليح بتسخينها ووضعه في أواني معدنية أو زجاجية مغلقة بإحكام "التعليب"، وكانت هذه الأطعمة المعلبة اكتشافا مذهلا للحملات العسكرية والسفن والأساطيل التجارية والعسكرية.

وجاءت صناعة الثلج لتوجه ضربة قاصمة للتمليح والملح نفسه، ثم انتشر تجميد الأسماك واللحوم والأطعمة لتتلاشى تقريبا الأسماك واللحوم المملحة والمقددة.

وشهدت صناعة الملح نفسها ثورات صناعية وتقنية طورت من عمليات تصنيعه وإنتاجه، ومع اكتشاف النفط والآلات البخارية تحولت صناعة الملح وتكريره إلى التقنيات الجديدة، ودخلت مراجل التبخير الميدان، وانتهت ورش ومدن وعائلات الملح وتحولت إلى جزء من التاريخ.

"
بريطانيا احتكرت صناعة الملح في الهند، ومنعت الملح الهندي الرخيص من المنافسة، فاشتعلت انتفاضة متواصلة بسبب هذه السياسة الاستعمارية الشاذة
"
الملح وروح الهند العظيمة
عاشت الهند تحت إدارة استعمارية من النوع الذي رفضه الأميركيان توماس جيفرسون وجايمس ماديسون، فبالنسبة إلى الإنجليز لم يكن الاقتصاد الهندي سوى وسيلة لإغناء بريطانيا العظمى، وأديرت الصناعة في الهند لصالح رجال الأعمال الإنجليز في ميدلاند، وأدير الملح الهندي لصالح شيشاير.

ومثلت الهند استثمارا تجاريا للإنجليز الذين ما كادت أقدامهم تطأ شبه الجزيرة الآسيوية حتى وضعوها بيد شركة تجارية خاصة "شركة الهند الشرقية" بمرسوم ملكي من إليزابيث الأولى.

وتصرفت تلك الشركة رغم كونها مشروعا خاصا وكأنها أمة كاملة، فصكت عملتها الخاصة، وسيرت موظفيها بالطريقة التي ارتأتها مناسبة، وشكلت جيشها وأسطولها الخاصين بها، وأعلنت بنود الحرب وناقشت السلم مع أمم أخرى.

كانت الهند قبل أن يصلها البريطانيون تتمتع بملح يصلها بوفرة وبأسعار معقولة، ولكن بريطانيا احتكرت صناعة الملح في الهند، ومنعت الملح الهندي الرخيص من المنافسة.

اشتعلت انتفاضات متواصلة بسبب هذه السياسات الاستعمارية الشاذة، بل إن الحكومة البريطانية منعت حتى كشط الملح عن سطح التربة تحت طائلة عقوبات قاسية، ومنعت شعوبا كانت تعتمد بأكملها على صناعة الملح والاتجار به من مواصلة عملها الذي اعتادت عليه آلاف السنين.

وفي أواخر العشرينات قاد غاندي ثورة الملح، بتحويل هذه المادة إلى قضية وطنية يتركز حولها الاستقلال، وبدأ غاندي مع 78 من معاونيه مسيرة على الأقدام لمسافة 520 كلم للوصول إلى البحر لمواجهة القانون البريطاني واستخراج الملح.

وعندما وصل إلى البحر بعد مسير 25 يوما كان برفقته الآلاف من كل طبقات الهنود وفئاتهم وطوائفهم، واستأنف شعب أوريسا صناعة الملح التي منع منها برغم ارتباطه بها آلاف السنين، وسمحت الإدارة البريطانية بعد حملة اعتقالات واحتجاجات واسعة لسكان الشواطئ بالتقاط الملح لاستخدامهم الخاص، ولكن الهنود حصلوا في النهاية على استقلالهم الكامل عام 1947.

"
الملح كان مستخدما في طقوس المباركة والأعياد الدينية، وفي حفظ سمك المرلين الضخم، وفي الدواء، وفي غايات التطهر خلال فترات الصوم
"

الملح الصغير والملح الكبير
في لو كروازيك ميناء الملح القديم ثمة مبنى حجري بأعمدة ضخمة يرجع إلى العام 1615 وقد اعتاد التجار استخدامه لشراء الملح من السفن الراسية، ويحتوي على مطعم اسمه لو بريتاني، وهو أحد المطاعم المتخصصة في سمك الشبص في منطقة جيروند الفرنسية، وتوضح كمية الملح المستعملة أنها تأتي من تقاليد الطهو للأثرياء، أو من العصر الحديث، حين صار الملح رخيصا.

بعد آلاف السنين من الصراع للتوصل لصنع ملح أبيض ومتساوي الحبات يدفع الأثرياء حاليا مالا أكثر للحصول على أملاح غريبة الشكل والألوان.

في نهاية القرن الثامن عشر أورد الكابتن البريطاني جايمس كوك أن أهالي هاواي يصنعون ملحا ممتازا، وفي المقابل اشتكى من ملح جزيرة أتووي، التي تعرف اليوم باسم كاواي، لأنه بني وقذر، ويرجع ذلك إلى تقليد يقضي بخلط الملح مع طين بركاني محلي أحمر اللون، اسمه اللايا، ويأتي اللون الأحمر القرميدي من ارتفاع نسبة الحديد في ذلك الحجر.

ولم يفهم كوك أن ذلك الملح لم يكن معدا للموائد، والحال أنه استعمل في طقوس المباركة والأعياد الدينية، واستخدم في حفظ سمك المرلين الضخم، واستعمل دواء، ولغايات التطهر خلال فترات الصوم، ويسعى اليوم خلف هذا الملح كبار الطهاة والذواقة.

لقد اختفى كثير من التقاليد الفرنسية في منطقة الجيروند المسماة كيغسال وماتت صناعة الملح بين عامي 1986 و 1994، ولم يتبق في تلك المنطقة سوى 21 صانعا للملح.

وفي العام 1995 كونت مجموعة من السكان المحليين إضافة إلى بعض الأجانب تعاونية للملح، وصمموا على إحياء صنع الملح التقليدي.

ويعمل الآن أكثر من 160 شخصا في برك الملح في تلك الجزيرة ويبيعون ملحهم من خلال التعاونية.

وجذب الجيروند نوارموتيه (ملح إيل دو ريه) انتباه كل الفرنسيين الراغبين في العودة للعمل بالزراعة، ويعمل اليوم في هذه الورش اليدوية حوالي 300 عامل معظمهم قدم من المدن بهدف إعادة إنتاج ملح خاص يباع بعشرة أضعاف الملح الشائع اليوم.

المصدر : الجزيرة