عرض/ إبراهيم غرايبة
يجمع هذا الكتاب أعمال مشروع لليونسكو بعنوان "إسهام الحضارة العربية في ثقافة أميركا اللاتينية عبر إسبانيا والبرتغال" قام بترجمته إلى العربية مركز دراسات الوحدة.

يتكون المشروع من ثلاثة أجزاء: الأول والثاني منها تناولا التأثيرات غير المباشرة للثقافة العربية الإسلامية في أميركا اللاتينية، والثالث تناول التأثيرات المباشرة للثقافة العربية التي أفرزها وصول الآلاف من المهاجرين العرب.

وعبرت عن موضوعات الدراسات عناوين مثل الهجرة العربية إلى أميركا اللاتينية، والمساهمة الاقتصادية والثقافية للمهاجرين العرب في أميركا الوسطى في القرن التاسع عشر والعشرين، والحركة الأدبية في أميركا اللاتينية، وحرب الخليج في الصحافة الأميركية اللاتينية.


-الكتاب: الوطن العربي وأميركا اللاتينية
-إشراف: ماريا روزا دي مادارياغا ومجموعة مؤلفين
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
-عدد الصفحات: 384
-الطبعة: الأولى/ 2005

رؤية شاملة
عرف تاريخ العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر واحدة من أكثر الهجرات البشرية أهمية في التاريخ، وعلى الرغم من تراجع الأهمية العددية للهجرة العربية إلى أميركا اللاتينية، فإنها لم تتوقف إلى اليوم، وإن عرفت مسارا آخر من حيث الانتماء الديني للمهاجرين بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، إذ أصبحت أعلى نسبة منهم من الطائفة الشيعية.

ومن جهة ثانية، فإن الاقتصاد الرأسمالي الأوروبي أدى إلى تدمير البنى الاقتصادية التقليدية في الفلاحة والصناعة التقليدية، دون أن ينشئ بديلا جديدا. هذه العناصر، إضافة إلى عناصر أخرى من بينها النمو الديموغرافي الذي كانت تعرفه مناطق مثل جبل لبنان، جعلت من الهجرة إلى الخارج أمرا حتميا للخروج من حالة البؤس التي كان يعيشها الأهالي.

وقد بدأت الهجرة بالمسيحيين اللبنانيين الذين شجعهم عليها كون البلدان الأوروبية والغربية بشكل عام التي سيهاجرون إليها تدين بديانتهم نفسها، وبالتالي فمن المنتظر أن يجدوا أنفسهم فيها وكأنهم في بيوتهم.

ولم تكن أسباب الهجرة اقتصادية فقط، وإنما سياسية وثقافية متعلقة بسياسات الدولة العثمانية ثم الانتداب الفرنسي والبريطاني على المنطقة، ثم قيام دولة إسرائيل عام 1948، والحرب الأهلية اللبنانية عام 1975.

وهناك دوافع ذاتية من بينها رغبة الشخص الذي يحلم بالهجرة في تحقيق النجاح وجمع الثروة، وهنا تصبح هذه الهجرة ليس فقط وسيلة لضمان العيش الكريم، وإنما للحصول على اعتراف الآخرين وإعجابهم.

كان أغلب المهاجرين العرب الأوائل من الأميين، لا يتكلمون اللغة الأسبانية، ولا معرفة لهم بعادات بلدان المهجر، ويمارسون أنشطة تافهة.

كل هذه العناصر خلقت نوعا من الرفض من طرف أبناء البلد تجاههم، وهذا الرفض سرعان ما تحول إلى أحكام قيمة سلبية، ستبقى ملتصقة بالمجموعة البشرية التي ينتمي إليها المهاجر.

وحتى وإن نجحت هذه المجموعة البشرية في تجاوز عناصر الرفض السالفة الذكر، وتمكنت من اللغة، وحسنت مستواها الثقافي، وحققت النجاح الاقتصادي، ستبقى ملتصقة بها ولمدة طويلة.

وقد تمر سنوات قبل أن يحصل من يعرف باسم "توركوس" -وهم المهاجرون القادمون من الشرق الأوسط والمتحدرون من أبناء الجيل الثاني والثالث وحتى الرابع- على بعض التقدير الاجتماعي الذي منح للمهاجرين الآخرين مثل الإنجليز والفرنسيين والألمان منذ بداية هجرتهم.

"
لم يعد الاهتمام بالعربية حكرا على المهتمين بالحضارة الأندلسية، وإنما شمل كذلك من يهتم بالتاريخ والأدب والتيارات الفكرية والفلسفية والسياسية في العالم العربي المعاصر
"
وإذا ما تساءلنا عن مصدر هذه النظرة التحقيرية، وهل ترتبط بانتمائهم العرقي أم بنوع النشاط الذي يمارسونه وهو التجارة المتجولة، فإننا نظن أنها ترتبط بهذا العنصر الأخير، لأن التجارة المتجولة لا اعتبار لها داخل المجتمع، ومن يمارسها من العرب.

وإضافة إلى تسميته "توركو" أصبح يعرف بـ"الميركاشيفلي" وهو اسم تحقيري يطلق على كل تاجر متجول يبيع المنتوجات التافهة، وكانت التسمية تطلق على الإيطاليين والإسبان الذين مارسوا التجارة المتجولة.

وأمام ما قوبلت به من رفض وتجاهل من طرف المجتمعات المضيفة بدأت الجاليات العربية في أميركا اللاتينية من خلال عدد من جمعياتها، ومنذ ما يزيد على نصف قرن، بتنظيم الملتقيات العلمية والمؤتمرات والندوات والمعارض التي تهدف إلى التعريف بالماضي العربي المجيد، وبمساهمة الحضارة العربية الإسلامية في ما وصلته الثقافة الإنسانية من تقدم، دون أن تنسى التذكير بما هو متجذر من مظاهر هذه الحضارة في بلدان أميركا اللاتينية.

وإذا كان ما أنجز من دراسات حول تأثير الحضارة العربية الإسلامية في الحضارة الأوروبية يسمح بمعرفة الدور الذي لعبته هذه الحضارة في التقدم الذي وصلت إليه أوروبا، وبخاصة شبه الجزيرة الأيبيرية، فإن غياب الدراسات إلى الآن، يحول دون معرفة الكيفية التي ساهمت بها الحضارة العربية الإسلامية، وبخاصة الأندلسية، في تطوير حضارة أميركا اللاتينية.

إن الارتباط العرقي الذي نتحدث عنه يفسر لنا كيف أن العديد من المهاجرين العرب وكذلك المنحدرين منهم، مازالت تربطهم روابط متينة ببلدانهم الأصلية وهي تقتصر على زيارة الأقارب خلال فترة الإجازة في المدينة أو القرية التي ينتمي إليها الآباء أو الأجداد المهاجرون، وإنما هو ارتباط قد يستجيب لأغراض سياسية إذا كان المعني من الأيديولوجية نفسها للأحزاب أو التنظيمات السياسية التي توجد في الوطن الأصلي.

وبخصوص انتشار اللغة العربية في البلدان الغربية فإن ذلك لا يزال متواضعا جدا، وهكذا ففي بلد مثل إسبانيا بقيت اللغة العربية مدة طويلة حكرا على قلة من الطلبة والباحثين الذين كانوا يودون تعلمها من أجل معرفة المزيد عن الحضارة الأندلسية.

غير أن هذه الوضعية بدأت تعرف نوعا من التغير خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد الاهتمام بالعربية حكرا على المهتمين بالحضارة الأندلسية، وإنما شمل كذلك من يهتم بالتاريخ والأدب والتيارات الفكرية والفلسفية والسياسية في العالم العربي المعاصر.

والشيء نفسه يقال عن تعلم الأسبانية في البلدان العربية، فقد بقي مقتصرا على لمدة طويلة على فئة من الباحثين المهتمين بالحضارة الأندلسية، إلا أننا بدأنا نلاحظ في السنوات الأخيرة نوعا من الاهتمام المتزايد بالتاريخ والأدب المعاصرين للعالم الأيبيري، وبخاصة أميركا اللاتينية.

عرب أميركا اللاتينية

"
شاعت بين العرب بالأرجنتين التجارة المتجولة وأصبحت مقترنة بهم، ولم يكونوا أول من مارسها غير أنهم أصبحوا يسيطرون عليها
"
يعرض الكتاب للوجود العربي في دول أميركا اللاتينية معطيا لكل دولة دراسة خاصة بها، وقد ركز على الأرجنتين والبرازيل باعتبارهما أهم دولتين، وربما يمكن تعميم حالتيهما على الدول الأخرى.

وبالنسبة للأرجنتين فقد سعى قانون "أبياندا" والذي صدر عام 1876 لتشجيع الهجرة الأوروبية بشكل عام، واستقبلت الأرجنتين في الفترة ما بين عام 1895 وعام 1914 أكبر موجة هجرة في تاريخها، إذ وصل إليها حوالي 3.5 ملايين مهاجر، وكان من بينهم حوالي 130 ألف مهاجر عربي.

ولكن عدد المهاجرين العرب بدأ يتراجع، بل وغادرها في أثناء الحرب العالمية الأولى حوالي خمسة آلاف مهاجر عربي مقابل ألف مهاجر وفدوا إليها.

وبدأت الأرجنتين منذ عام 1930 تضع قيودا على الهجرة إليها بعد الانقلاب العسكري الذي وقع فيها والأزمة الاقتصادية العالمية، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1967 هاجر إليها أكثر من 35 ألف عربي.

وشاعت بين العرب في الأرجنتين التجارة المتجولة وأصبحت مقترنة بهم، ولم يكونوا أول من مارسها في الأرجنتين، بل سبقهم إليها المهاجرون الإيطاليون، غير أن العرب أصبحوا يسيطرون عليها بشكل كامل منذ ثمانينات القرن التاسع عشر.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية وبسبب أخطار الملاحة التي عاقت وصول النسيج الأوروبي إلى عدد من أسواق أميركا اللاتينية ازدهرت المؤسسات الصناعية العربية في الأرجنتين والبرازيل لأنها تحولت إلى بديل للمنتجات الأوروبية.

واختلفت المستويات الثقافية للعرب المهاجرين وتبع ذلك اختلاف في مستويات اندماجهم مع المجتمع الأرجنتيني، وبالطبع فقد استطاع المثقفون والأغنياء والحضريون الاندماج والمشاركة في الطبقة الأرستقراطية.

وشهد الجيل الأول حالات كثيرة من الزواج من خارج الجالية ولكن من غير الأرجنتينيين، ويبدو أن المهاجر العربي ظل مرفوضا من قبل المجتمع الأرجنتيني، وشهد الجيل الثاني والثالث من المهاجرين عودة إلى اعتبار الدين في الزواج وبخاصة بالنسبة للنساء المسلمات.

وأصدر المهاجرون العرب مجموعة من الصحف متواضعة المستوى الثقافي، ولم يكن عدد صفحاتها يتجاوز الأربع، وكانت تتضمن أخبارا قليلة الأهمية، وكتبت بأسلوب بسيط تغلب عليه العامية.

ولم تبدأ الصحف العربية في الأرجنتين بأخذ طابع الأهمية إلا في بداية القرن العشرين، ومن أهمها: أخبار الوطن.

"
لقي العرب قبولا كبيرا في البرازيل بسبب حاجة البلد للأيدي العاملة ولاستيعاب المساحة الجغرافية
"

وبدأت مع الإصلاح التعليمي تتكون نخبة مثقفة من العرب، وترتب أوضاعها في الأرجنتين على أساس إقامة دائمة، واتجهت مجموعة كبيرة من الشباب إلى التعليم الجامعي، وبدأ العرب يشغلون مواقع مهمة، مثل مديري المستشفيات وأساتذة الجامعات، ومن هؤلاء يوسف طوبيا، أول عربي تخرج من الجامعة الأرجنتينية عام 1926، وعمل طبيبا خاصا برئيس الجمهورية.

ولقي العرب قبولا كبيرا في البرازيل بسبب حاجة البلد للأيدي العاملة ولاستيعاب المساحة الجغرافية الواسعة، ولم تفرض على المهاجرين شروط للحصول على الحقوق المدنية، وبدأت الحكومة عام 1938 تنظم إقامة الأجانب وعملهم.

وبالرغم من أن معظم المهاجرين العرب وكانوا في أغلبيتهم من السوريين واللبنانيين يغلب عليهم الطابع القروي، فقد استقروا في المدن وشاركوا في النظام الاقتصادي الرأسمالي القائم.

وقد مر مسلسل النشاط المهني للعرب في البرازيل بالمراحل التالية: التجارة المتجولة، ثم الانتقال فيها من تجارة التجزئة إلى تجارة الجملة، ثم الصناعة.

وأما في فنزويلا، وكولومبيا، والإكوادور وكوستاريكا فقد استقبل استقبالا حسنا برغم تعرضهم أحيانا لمضايقات ناجمة إما عن صدام ثقافي، وإما عن طبيعة النشاط الذي كانوا يزاولونه.

وقد نجم عن وضعية الرفض التي واجهها أوائل المهاجرين العرب أن بعضهم رغبة منهم في التخفيف من حدة ذلك الرفض عمدوا إلى إخفاء أصولهم من خلال تحويل أسمائهم العائلية التي ترجمت ترجمة حرفية إلى البرتغالية.

الحركة الأدبية

"
اهتم الباحثون العرب بالتاريخ والأدب الأندلسيين، والعلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية الإسبانية العربية، واللغة والأدب الإسبانيين، والأدب والثقافة في أميركا الإسبانية
"
كان ضمن تلك الأعداد المهمة من المهاجرين الذين غادروا بلدانهم نسبة لا بأس بها من المثقفين والشعراء الشباب، هؤلاء حمل أكثر من واحد منهم، وهو في طريقه إلى المهجر في حقيبته كتبا للقراءة، وفي قلبه بقايا أحاسيس منكسرة واستعارات أدبية متشوقة لرؤية النور.

وأنشأ هؤلاء فيما بعد حركة أدبية عربية ذات خصوصيات متميزة على مستوى الأسلوب والمنهج والروحانية، اعتبرت بمثابة ثورة فريدة من نوعها في الأدب العربي.

ونسجل هجرة مجموعة من الشعراء إلى البرازيل من بينهم إلياس فرحات (1910) ورشيد سليم الخوري (1913).

وبوصول هؤلاء الشعراء إلى العالم الجديد تم تأسيس النوادي الأدبية التالية: الرابطة القلمية في نيويورك عام 1920، العصبة الأندلسية في سان باولو عام 1933، ندوة الأدب العربي في بوينس أيرس عام 1948، الندوة الأدبية في سنتياغو (تشيلي) عام 1955.

ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين، وبفضل إنشاء مراكز وأقسام اللغة الأسبانية وآدابها في عدد من المؤسسات الجامعية في البلدان العربية، بدأت الدراسات العربية المهتمة بالعالم الإسباني تمس شيئا فشيئا مواضيع متنوعة لم تكن تتناولها من قبل.

وهكذا لم تعد هذه الدراسات مقتصرة على تعليم اللغة والثقافة الإسبانيتين، وإنما أصبحت لها مهمة مزدوجة: من جهة نشر اللغة والثقافة الإسبانيتين، ومن جهة أخرى الإقبال على البحث العلمي المتعلق بهذه الثقافة، وترجمة الأعمال الفكرية الصادرة باللغة الإسبانية.

وتدور الأبحاث العلمية التي أنجزها الباحثون العرب والمهتمون بالعالم الإسباني حول التاريخ والأدب الأندلسيين، والعلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية الإسبانية العربية، واللغة والأدب الإسبانيين، والأدب والثقافة في أميركا الإسبانية.

وقد عرف عقد السبعينات والثمانينات قفزة مهمة بخصوص الأعمال المترجمة من الإسبانية إلى العربية، على المستوى الكمي أو الكيفي مقارنة بالعقود السابقة، فقد ترجم ما يزيد على ستين عملا، وفي مجال الشعر ترجمت عدة أعمال سمحت للقصيدة الشعرية الإسبانية بأن تتخطى الحقل الأكاديمي العربي، لتصل إلى جمهور أوسع من القراء.

وفي سنوات الخمسينات عرفت الترجمة خطوة مهمة تمثلت في صدور طبعات باللغة الإسبانية لثلاثة أعمال، الأيام لطه حسين، ويوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم، وثالث هو مختارات من الشعر العربي المعاصر.

المصدر : الجزيرة