عرض/ محمد عيادي
عالج الدكتور عباس الجراري مستشار العاهل المغربي الملك محمد السادس في آخر كتاب له "الإصلاح المنشود" موضوعا حيويا يتعلق بقضية مركزية في الفكر العربي الحديث والمعاصر.

ويتعلق الأمر بإشكالية الإصلاح التي فرضت نفسها على المفكرين العرب والمسلمين منذ عقود، مشيرا إلى السياق التاريخي والحالي للإشكالية، وتشعباتها الثقافية والدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية من جهة، وإلى أبعادها الداخلية والخارجية من جهة أخرى.

-الكتاب : الإصلاح المنشود
-المؤلف: الدكتور عباس الجراري
-عدد الصفحات: 182
-الناشر: مطبعة الأمنية، الرباط
-الطبعة: الأولى/2005

التغيير طريق الإصلاح
الإصلاح هو تصحيح واقع معين غالبا ما يكون فاسدا إما بتطوير عناصر الصلاح في المجتمع، وإما بتغييره أي الإتيان بما يعارض ذلك الواقع ويناقضه.

هكذا عرف المؤلف الإصلاح فجعله نتيجة للتغيير باعتباره عملية تخضع لاستمرارية قد تطول، وتتطلب هضماً سليماً وصحيحاً للمعطيات المختلفة، محلية وإقليمية ودوليّة، بكل ما يشكلها من شعارات وأفكار ورؤى، وتجاوز للأهواء الخاصة والمصالح الذاتية في اللجوء إليه أو مواجهته.

ولتحقيق الإصلاح اعتبر المؤلف وعضو أكاديمية المملكة المغربية، بأنه لابد من الاهتمام بالمسألة السياسية التي لا ينبغي أن تفصل عن الإسلام، مع إعادة النظر بتأن واعتدال في مختلف الأنظمة التي تسير عليها الأقطار المعنية، بعيدا عن أي مظهر للغلو والتشدد، وذلك من خلال رؤية إسلامية صحيحة وواضحة تهدف إلى تحقيق السمة الشمولية، وإرساء دعائم الديمقراطية الحق في بعدها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ولفت الانتباه إلى أن الديمقراطية بدون أهلية لممارستها قد تتحول إلى نقيضها لتركز الديكتاتورية، خاصة في غياب التنمية ببعدها الإنساني المتكامل، مما يجعلها أولوية من أولويات الإصلاح.

غير أنها لن تتحقق بدون إعادة النظر في وضعية النخب (القوى الحقيقية لتوحيد المجتمع) في أفق جعلها مؤهلة لتمثلات جديدة.

ذلك أن العلماء والمفكرين والفقهاء (النخبة) أولى من غيرهم بالتحديث، لكي يسعفهم في الانتقال من ثقافة السلطة والانعزال، بما يكتنفها من تردد وحيرة إلى ثقافة ميدانية، عملية عاملة بانية ومؤسسة، متركزة على العلم والعقل والإبداع والاجتهاد، وهو أمر ممكن حسب صاحب كتاب "الإصلاح المنشود"، إذا ما استعاد المثقفون الثقة بأنفسهم وفكرهم ودورهم الحق، وأدوه بكل شجاعة ومسؤولية.

ويشير الكاتب إلى أن الدولة مطالبة من جانبها بالعناية بهم، استماعا لآرائهم وعملا بها وتقريبا لهم من مراكز المسؤولية لكي لا يحسوا بالإقصاء والتهميش.

وتكمن أهمية النخبة عند الدكتور عباس الجراري في مدى ارتباطها العضوي بالجماهير، والتعبير عنها واستمداد القوة منها في موقع رسمي أو غيره، مرجعا فشل الدعوات الإصلاحية التي نادى بها علماء ومفكرون على امتداد أطراف العالم العربي والإسلامي منذ بداية نهوضه قبل نحو قرنين في تحقيق هدفها إلى عدم قدرتها على ملامسة بعض القضايا العميقة لدى الجماهير المنهمكة في مشاكلها اليومية ومعاناتها القاسية، وإثارة المشكلات الناتجة عنها.

"
تحقيق الإصلاح منوط بطرفين، أحدهما مكلف بالتصور والتخطيط في توفيق محكم بين الحلم والواقع وهم المثقفون، وثانيهما مكلف بالتنفيذ وهم القائمون بالشأن العام من حكام ومسؤولين
"
كيفية الإصلاح
من غير تكلف يبين العلامة المغربي في كتابه "الإصلاح المنشود" -الذي هو عبارة عن مجموعة من المحاضرات ذات الوحدة الموضوعية ألقاها في ملتقيات ومنتديات ومؤتمرات وطنية وخارجية- أن الإصلاح بشكل صحيح وإيجابي لا بد له من مرتكزات أساسية أجملها في ثلاثة.

أولاً تحديد رؤية فكرية واضحة لهذا الإصلاح تبرز منظوره وتخطط له، وثانياً وجود إرادة سياسية قابلة للتغيير، وثالثا تهيئة وسائل تنفيذ هذه الرؤية وما تخطط له.

وأبرز المؤلف أن تحقيق ذلك الإصلاح منوط بطرفين، أحدهما مكلف بالتصور والتخطيط، وثانيهما مكلف بالتنفيذ، فالتصور(وضع رؤية شمولية وإستراتيجية) ويتكلف به المثقفون، في توفيق محكم بين الحلم والواقع، وبإشراك جميع فئاتهم، بعد أن تعود الثقة بينهم وقبل أن تعود فيهم.

وتقع مسؤولية التنفيذ على عاتق القائمين بالشأن العام من حكام ومسؤولين، وهو ما يتطلب بناء مؤسسات متطورة، تتسم بالجدية والشجاعة والانفتاح بكل ثقة على الجديد، وعدم التردد والتخوف من الصعوبات المحتملة في تهوين أو استهانة بها، وذلك بموضوعية وعقلية علمية، تتوسل بالأساليب الحديثة، بعيدا عن أي تجريد أو ارتجال.

كل ذلك مع الحرص في الوقت نفسه على التجاوب مع الهيئات السياسية، ومع مكونات المجتمع المدني بمختلف أفراده حتى يتجاوبوا ويثقوا ويُساندوا ويساهموا بحرية، ويخرجوا بذلك من اليأس واللامبالاة، من خلال فتح المجال أمامهم للعمل وإبداع الأفكار والحلول، بالإضافة إلى خلق مقومات الاستقرار النفسي والواقعي والاجتماعي وبالتالي التنمية والازدهار.

الثقافة أساس الإصلاح
في هذا الباب يبين الدكتور عباس الجراري أن دور المثقفين ومن ضمنهم المفكرون والعلماء في كل التخصصات، تراجع تحت ضغوط كثيرة عن أداء رسالتهم، بحيث وقفوا حيارى في أمرهم مترددين في اتخاذ المواقف اللازمة مما يحصل، هل ينخرطون في الواقع ويندمجون فيه دون قدرة على التصحيح؟ أم يبتعدون ويتخذون مسافة للنقد والملاحظة؟

ففقدوا بذلك دورهم الريادي في المجتمع والنظر في قضاياه، الأمر الذي خلق فراغا ملأته الخرافة والدجل والدعوات المتطرفة والمغالية التي أبعدت الناس عن الهموم الحقيقية، وبلدت إحساسهم، وصرفتهم عن كل ما يقتضيه الإصلاح ويدعو إليه.

وحدد الكاتب معالم الثقافة المطلوبة للإصلاح، باعتبارها شرطا في التخطيط للإصلاح العميق والشامل، بما في ذلك تشخيص الواقع وأزماته والكشف عن أسبابها، وتوعية الشعوب بها وبما يتطلبه حلها، لإشراكها وتحملها مسؤولية التغيير.

وحددها كذلك باعتبار الثقافة منظومة متكاملة يتداخل فيها الوعي مع المعرفة في مختلف أنماطها وأشكالها، ومع عدد من القيم التنويرية والأدوات المسعفة في الفعل، ثقافة متحررة من التناقضات مع الذات والآخر، ومن سلبيات التراث وشوائب الماضي، و متحررة كذلك من الإغراق في الخصوصيات المحلية.

وما سبق يوجب حسب المؤلف تحرير العقل، بما يعنيه ذلك من تغيير الرؤى والأفكار، وما يرتبط بها من نظم اجتماعية وغيرها، وتبديلها بأخرى تكون مبنية على رؤية بعيدة للمجتمع كيف نريده؟ وكيف ينبغي أن يكون؟ بشكل يسمح بالتخطيط لعمل بنيوي أساسي، في إطار المتطلبات الوطنية والتطلعات العربية والإسلامية، وكذا الأهداف الإنسانية.

واشترط الكاتب أن يكون ذلك مع إدراك واع لموقع الأمة في التاريخ وفي العصر، وفي ما تتوق إليه في المستقبل القريب والبعيد، بعدما بات الإصلاح قضية حتمية، ليس فقط بحكم ناموس الحياة القائم على التطوير الدائم لهذه الحياة، ولكن لأن واقع الشعوب الإسلامية يفرض ضرورة الإصلاح.

وعلل الجراري ذلك بأن المجتمع بات في حاجة ملحة لثقافة تقطعه عن خطاب التباكي على العجز، وتقدم قراءة ناقدة وموضوعية للفكر الإصلاحي بمختلف توجهاته، وتؤسس لخطاب هادئ وموضوعي ومقنع يكشف بوطنية وبمسؤولية وروح إسلامية الاختلالات التي يعانيها المجتمع.

"
أي إصلاح لا ينطلق من مقومات الذات وقيمها الفكرية والروحية يكون محكوما عليه بالفشل، ومن العار أن يسجل التاريخ وقوع الانقياد للضغوط الخارجية على حساب الطموحات الشعبية
"
الإصلاح بين ضرورات الداخل وضغط الخارج
ليس الإصلاح بالأمر السهل بالنسبة لصاحب كتاب "الإصلاح المنشود"، لأنه يتطلب الصبر، وتحمل الصعوبات والتغلب عليها بشكل موضوعي وعقلاني، باستحضار الحاضر وتمثل المستقبل والاستفادة من الماضي والاستعداد لتحديات المستقبل.

ونبه الكاتب إلى أهمية الإعلام الحر الناقد الموجه في التوعية بالإصلاح، والمساهمة فيه دون إثارة أو طعن عشوائي في هوية الأمة ومالها من مرجعيات، لأن هدف الإصلاح الذي يقصده المؤلف هو التقدم، وتقوية أنظمة الحكم وتحسين الأوضاع الاجتماعية التي يكمن في سلامتها ضمان استقرار هذه الأنظمة.

وهذا الهدف يرى الكاتب أنه لا بد أن يتم مع التوفيق بين مقتضيات العولمة بقيمها التي لا تخلو من ملامح إيجابية، وبين متطلبات الهوية الصحيحة والثابتة في مقوماتها الوطنية ومكوناتها العربية والإسلامية.

وفي هذا السياق طالب الجراري بضرورة التمييز في الإصلاح بين البعد الوطني المحلي، والبعد العربي الإسلامي، ثم العالمي وذلك باستحضار مستلزمات تلك الأبعاد في الحفاظ على مقومات الذات وضرورة الاندماج فيما هو إنساني، والتعاون معه على أن يتم ذلك بوعي وباعتدال واتزان.

وداعا في الوقت نفسه إلى أخذ الضغوط الكبيرة والكثيرة التي تواجه الدول العربية والإسلامية بعين الاعتبار، لما قد يكون لها من جانب إيجابي يتمثل أو ينبغي أن يتمثل في رد الفعل، أي في تحريك الوعي الداخلي لدى الشعوب المتعطشة والمستعجلة على قيام الإصلاح، أو ما قد يكون لها من جانب سلبي من حيث رغبة الخارج في فرض منظوره لهذا الإصلاح القائم على تعميق الفوارق العرقية والطائفية والدينية والخصوصيات الثقافية، وعلى محاولة تقسيم للأقطار العربية والإسلامية وفق خارطة جديدة تخدم م في الأساس صالح ذلك الخارج.

وبعد أن شدد المفكر المغربي في كتابه على أن أي إصلاح لا ينطلق من مقومات الذات وقيمها الفكرية والروحية يكون محكوماً عليه بالفشل، أوضح أنه سيكون من العار أن يسجل التاريخ وقوع الانقياد للضغوط الخارجية على حساب الطموحات الشعبية.

واعترف في الوقت نفسه بأنه ما كان للغرب أن يقدم مشروعه "الإصلاحي" دون أن يشرك من يعنيهم أمره، لولا عجز هؤلاء المعنيين بالإصلاح، وكذا حذرهم وتخوفهم منه، ولولا تفشي ظاهرة التطرف والإرهاب المنسوبة ظلماً وعدواناً للإسلام والمسلمين.

ولتفادي اللبس والمغالطة ووقوع ما لن تحمد عقباه، أعطى المؤلف الأولوية للعامل الثقافي في عملية الإصلاح، وألح على ضرورة إسماع صوت الثقافة، وإعطائه المبادرة لا لإيجاد تصور فقط ، بل للإقناع به داخليا وخارجيا، لتخفيف أو إزالة الضغوط على الأنظمة.

وشدد على ضرورة تجاوز الخلافات السياسية بين الفاعلين في المجتمع من السياسيين وغيرهم في منظمات المجتمع المدني، وبين الأنظمة وفتح باب الحوار وتجاوز الصراع المفتعل، للتعبئة والتحالف من أجل تحقيق الإصلاح وفق اتفاق موضوعي ونزيه يكون بعيداً عن أي مؤثر كيفما كان.

"
سعي الولايات المتحدة للحوار مع الحركات الإسلامية المعتدلة قد يكون مرحلة جديدة في العلاقة مع العرب والمسلمين، ما لم يتبين أنه مجرد سلوك عابر تمليه المصلحة الوقتية، والرغبة في احتواء تلك الحركات أو استغلالها
"
الحوار ممكن ولكن
في سياق حديثه عن مناخ الإصلاح شدد المؤلف على أن حوار العالم العربي والإسلامي مع الغرب أمر ممكن، بل بات مع العولمة ضرورة لا مناص منها.

وربط نجاحه من جهة بضرورة استحضار دور عنصر الدين بعد فهمه بشكل علمي ودقيق، وتصويب ما ألصق به من تحريف، لما له من تأثير على البشر من حيث التهدئة والطمأنة، وإزالة عوامل الصراع، و من جهة أخرى بتوفر شروط أساسية، على رأسها الاعتراف بحرية الآخر وبثقافته وحضارته وقيمه، وحقه في اختيار ما يلائمه من حضارة الغرب وثقافته، و قبول التعامل معه باحترام وبفكر واقعي ومعرفة صحيحة به دون استعلاء، وبعيدا عن الأوهام والأباطيل، بما يعنيه ذلك من تنقية للذاكرة من رواسب الماضي، والتأسيس للمستقبل.

وعمليا وبشكل مباشر اعتبر مؤلف كتاب "الإصلاح المنشود" أن قيام علاقات الصداقة بين العرب والمسلمين والولايات المتحدة الأميركية أمر ممكن، إذا تخلصت هذه الأخيرة من الوهم الذي وقعت فيه، من أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال الخطر الشيوعي فإن ما أصبح يهددها هو هذا العالم الإسلامي الذي تتهمه وعقيدته بالتطرف والإرهاب، وإذا تم إنهاء احتلال العراق وعولجت آثاره النفسية والمادية كذلك.

وأشار إلى أن سعي الولايات المتحدة للحوار مع الحركات الإسلامية المعتدلة قد يكون مرحلة جديدة في العلاقة مع العرب والمسلمين، ما لم يتبين أنه مجرد سلوك عابر تمليه المصلحة الوقتية، والرغبة في احتواء تلك الحركات وربما استغلالها لإزعاج الأنظمة القائمة.

المصدر : الجزيرة