عرض/ إبراهيم غرايبة
يقرأ هذا الكتاب ما تفرزه العولمة على المجتمعات الإنسانية، وكيف يمكن لهذه المجتمعات أن توفق بين العام والخاص، وبين الدولي والمحلي، باعتبار أن هناك "خيرا عاما" مشتركا للجميع بين درجتي التسلط والاستسلام لما تفرزه هذه العولمة.

ويناقش مجموعة من القضايا، مثل حق استهلاك المعلومات، والعلاقة بين حرية التعبير وحماية الطفولة، وحقوق المواطن وحقوق المجتمع تجاه ما تفرضه منتجات الاتصال الحديثة كالهاتف المحمول والإنترنت، وحدود المراقبة على الأفراد، ومدى ما يتسبب به اكتشاف الحمض النووي من تقييد لحريات الأفراد.

- الكتاب: الخير العام: إشكاليات الفرد والمجتمع في العصر الحديث
- المؤلف: أميتاي إتزيوني
- ترجمة: ندى السيد
- عدد الصفحات: 309
- الناشر: دار الساقي، بيروت، ومركز البابطين للترجمة، الكويت
- الطبعة: الأولى/2005

بين العام والخصوصي
لم تكن للخصوصية والفردية أن تنضج لولا المجتمع والبيئة المحيطة، فالطفل يجد عناية من أسرته ومجتمعه، وبغير ذلك فإنه لن يتعلم شيئا ولن ينضج، ويصح نظريا تخيله يبقى طوال حياته يمشى على أربع ولا يستطيع الكلام، فالمجتمعات مهمة جدا بالنسبة للتكوين الإنساني وبالنسبة لقدرة الإنسان على التصرف كإنسان كامل الشخصية توجهه هوية محددة، وبعبارة فإنها تساهم في أن نكون أشخاصا أفضل مما كنا لنكون بدونها.

وتستطيع المجتمعات أن تنشئ كثيرا من القيم والسلوكيات التي وإن كانت تبدو أخلاقية فإنها تعزز الإنتاجية وتقلل من الجريمة وترشد الإنفاق الحكومي والمجتمعي.

ولكن يبقى ثمة مطالب واختلافات بين النزعة الفردية والخصوصية وبين المجتمعات، وهذه القاعدة تجعل لسؤال مثل إلى أي مستوى يجب إحياء الثقافة الاجتماعية؟ مصدر خلاف، فالمحافظون المتدينون يسعون إلى العودة إلى المعايير التقليدية للخصوصية الشرعية والمرتقبة، ويعطون تفسيرات أكثرة قسوة وصرامة لهذه المعايير، مثل قضية حجاب المرأة المسلمة.

ويرى بعض الليبراليين أن أي أمر يثير حساسيتنا اليوم لن يعود يستفزنا غدا مع ازدياد التعرض، فالتصرف الذي كان محظورا من قبل أصبح اليوم مقبولا، فالمسألة هي مسألة وقت قبل أن نتوقف عن الاهتمام بما يزعجنا اليوم.

ويبقى من المهم جدا تفادي الخلط بين العالمين السياسي والاجتماعي، وبالرغم من أن تشكيل وإعادة تشكيل علاقات السلطة والنفوذ هي في صميم العالم السياسي، فإن غالبية قراراتها تنطوي على بعد أخلاقي، وهكذا تبرز الأهمية القصوى للحوارات الأخلاقية التي تساعد على اتخاذ القرارات الأخلاقية المشتركة والتي هي نتيجة الحوارات الأخلاقية الناضجة.

"
الطرق المثلى لحماية الأطفال وبدرجة أقل المراهقين هي تلك التي تفصل بين التحديدات بحسب الأعمار والتي تتداخل بأقل قدر ممكن مع حق الراشدين بالاطلاع على أي مواد
"

الأطفال وحرية التعبير
حين تتعارض حرية التعبير مع حماية الأطفال، كيف يكون الحل لهذا الصراع؟ إن الإجابة السائدة والمبنية على استنتاجات علم الاجتماع هي أنه يوجد بالفعل مواد ثقافية مؤذية للأطفال، ومن ثم يحب منع وصول هذه المواد إلى يد الأطفال.

تنزع المجتمعات إلى فقدان التوازن القائم بين قيمها الجوهرية المتضاربة لصالح توجه عام أو غيره، ثم تعمد إلى تصويب الخطأ، فتميل في غالب الأحيان نحو التوجه المعاكس نظرا لافتقارها إلى آلية إرشادية محددة، وانطلاقا من هذا السياق عمل دعاة التحرر المدني على تعزيز الحقوق عموما والحق في حرية التعبير خصوصا كحقائق بديهية عميقة مسلم بها، ويمكن خفض حرية التعبير من دون الحاجة إلى المساومة على الحرية أو إلى تحول المجتمع عن النظام الليبرالي.

ويميل دعاة التحرر المدني إلى اعتبار الأطفال راشدين ومعاملتهم على هذا الأساس، ولكنه موقف لا يمكن اعتناقه، فالقوانين السارية لا تتسع لتشمل الأطفال، بيد أنها تأخذ بعين الاعتبار واقع أن قدراتهم لا تزال في طور النمو، ولا مبرر للتعاطي مع الحق بحرية التعبير على نحو مختلف.

فمن الجلي أن الأطفال مخلوقات قيد النمو، وهم في البدء يمتلكون القليل، إن لم نقل لا شيء البتة من مزايا الأشخاص الراشدين، ولكي ينمو الأطفال نموا سليما لا يملك الأهل والمربون والمجتمع الحق وإنما الواجب لتشكيل المحيط الثقافي حيث سيكبرون، أما التعرض غير المقيد للمواد الثقافية المؤذية ولا سيما تصوير العنف كما تثبت بعض البيانات بغض النظر عن العنف نفسه، فتقوض أسس نموهم السليم.

وفيما يكبر الأطفال وتتعزز قدراتهم يمنحون حقوقا أوسع نطاقا للتعبير، لكنهم يبقون في حاجة إلى بعض أشكال الحماية، وبالتالي فإن الطرق المثلى لحماية الأطفال وبدرجة أقل المراهقين هي تلك التي تفصل بين التحديدات بحسب الأعمار والتي تتداخل بأقل قدر ممكن مع حق الراشدين بالاطلاع على أي مواد.

ولكن إذا تبين أن حماية الأطفال تقتضي فرض بعض القيود على الراشدين وخصوصا خطاباتهم التجارية فإن هذه الإجراءات تعد مبررة عندما يكون الأذى جوهريا وموثقا، ويتجلى هذا الواقع بوضوح أكبر عندما نقر بأن التعديل الأول لا يتفوق على الاعتبارات الأخرى، وعندما نبدأ بإضفاء قيمة أكبر على الأطفال مقارنة بما كنا نفعله في الماضي القريب.

الاتصالات الإلكترونية واختبارات الحمض النووي
اتخذ في الولايات المتحدة الأميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول أكثر من 161 إجراء بهدف إعطاء قانون مكافحة الإرهاب لعام 2001 الأدوات اللازمة لمهمته، ومن بين هذه الإجراءات ما يتعلق بمراقبة الاتصالات، الهاتف، والإنترنت، والشفرة المطورة، وكاشف المفاتيح والفانوس السحري.

"
يجب البحث عن حل يجمع بين ضرورة المحاسبة والحريات المدنية، وبخاصة أن التقنية الحديثة زادت الخوف على السلامة العامة
"

ولتحديد ما إذا كان إجراء عام شرعيا يتطلب أكثر من تحديد مساهمته في تعزيز السلامة العامة إذا كان قليل التدخل في الحقوق المدنية أو إذا كان يضعف الحقوق المدنية أو يجعل التعامل مع الحاجات العامة صعبا، إنه يتطلب إعطاء حكم بشأن أولئك الذين يستخدمون السلطات الجديدة وهل يحاسبون بما فيه الكفاية من قبل المراقبين والمشرفين، وبخاصة المواطنين. إن بعض السلطات غير ملائمة مهما قال المراقبون.

إن السؤال الأساسي يكمن هنا في معرفة إذا ما كان هناك محاسبة كافية، والعلاج إذا ما وجدت المحاسبة غير كافية أو صارمة أكثر من المطلوب يكمن في تصويب المحاسبة وعدم رفض الإجراء بشكل تام.

أما من ناحية معرفة إذا ما كانت السلطات المحددة الممنوحة إلى الحكومة في ما يتعلق بالمسائل قيد البحث تضعف التوازن بين الحقوق وبين السلامة، فالأمر يتوقف على مقدار قوة كل طبقة محاسبة، ومعرفة إذا ما كانت الطبقات العليا تدعم الطبقات الأدنى، صحيح أنه من الممكن أن يكون هناك الكثير من المحاسبة مثل أن يخشى بعض موظفي الدولة من القيام بواجباتهم خوفا من أن يعاقبهم مدراؤهم أو المحاكم أو خوفا من الصحافة، لكننا لم نر أية دلائل على مثل هذا الأمر منذ 11 سبتمبر/ أيلول.

ولكن يجب البحث عن حل يجمع بين ضرورة المحاسبة والحريات المدنية، وبخاصة أن التقنية الحديثة زادت الخوف على السلامة العامة.

ويجري استعمال مكثف لاختبارات الحمض النووي لبناء قاعدة معلومات واسعة عن الناس بهدف الدفاع عن السلامة العامة، وهو أمر موضع جدل بين أنصار الحقوق والحريات المدنية وبين أنصار السلامة العامة، فيرى مؤيدو الحريات المدنية أن الحقوق الفردية يجب حمايتها بحزم فتخص إجراءات السلامة العامة للمحاسبة والاختبار، ولكن الرأي المقابل يدفع باتجاه أن هذه الاختبارات تقلل من الجرائم وتساعد كثيرا في تحقيق العدالة، ويراها بعض الأكاديميين التقدم الأهم في تاريخ الطب والتحقيق الشرعي.

وقد يكون من المخارج ألا يسمح بإجراء الاختبارات على الأبرياء وألا يسمح للسلطة بالوصول إلى المعلومات المتعلقة باختبارات الحمض النووي التي أجريت لأغراض طبية أو عسكرية، ولكن ماذا عن انتهاك الحقوق الأساسية على يد المؤسسات الخاصة؟.

"
تركز غالبية المحادثات حول إنهاء القومية على التطورات الدولية، مثل الدور الأكبر الذي يعطى للمنظمات غير الحكومية الدولية، والقانون الدولي والمحاكم الدولية، وما يقتضي ذلك من تطورات محلية داخلية مرافقة
"

حول إنهاء القومية
القومية عقيدة تمجد الأمة، وتعتبرها قيمة جوهرية، وهي تؤثر إلى حد بعيد على شعور المواطنين بأنفسهم وعلى استقرارهم النفسي وعلى هويتهم، وغالبا ما يظهر بعض الشعور بالتفوق على الأمم الأخرى بالإضافة إلى الرهبة والحذر من الأجانب، وقد تؤدي هذه المشاعر والانتماءات إلى قيام موانع أمام مشروعات سياسية واقتصادية، مثل فشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، والتظاهر ضد منظمة التجارة العالمية لأنها تنتقص من السيادة الوطنية، وهي أيضا مشاعر وانتماءات تساعد على الالتزامات بالتنمية والنهضة والحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية.

وتركز غالبية المحادثات حول إنهاء القومية على التطورات الدولية، مثل الدور الأكبر الذي يعطى للمنظمات غير الحكومية الدولية، والقانون الدولي والمحاكم الدولية، وما يقتضي ذلك من تطورات محلية داخلية مرافقة.

إن الجيل الحالي تواجهه تحديات كبيرة، فالعولمة مازالت مقتصرة على الاقتصاد والتكنولوجيا ولم تعن بالشؤون الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، نتيجة لذلك فإن قدرة الأشخاص في العالم على السيطرة على مصائرهم قد تضاءلت، فالحكومة الوطنية تصدر القوانين المختلفة، ولكن هذه القوانين تبدو غير فاعلة في عهد الإنترنت، مما يستدعي وجود هيئات دولية سياسية واجتماعية وأخلاقية تؤيد وتعزز هذه القوانين، ويكون مداها ونطاق عملها منتشرا بقدر انتشار التحديات، وتبدو القومية عقبة في طريق تطور هذه المؤسسات.

الفضاء الإلكتروني والديمقراطية
هل من الممكن نشوء مجتمعات إلكترونية؟ وهل هذه المجتمعات المرتبطة بالفضاء الإلكتروني بإمكانها أن تحكم نفسها بطريقة ديمقراطية؟.

"
يتوقع أن تستخدم الإنترنت في المستقبل للتصويت والانتخاب, وهو إجراء مازال مشوبا باحتمالات الخطأ والتزوير ولكن يمكن مواجهته بدرجة تفوق التصويت من خلال الصناديق
"

إن العمليات التي يقوم بها مستخدمو الإنترنت تقع في المجالات التالية على الترتيب: بريد إلكتروني (72%) البحث لأغراض العمل (47%) البحث عن الأخبار والمعلومات الجديدة (38%) الدردشة عبر الإنترنت (22%) وكان عدد الذين شاركوا في الدردشة حول قضايا سياسية يساوي 4% فقط، وهي أرقام تشير إلى أن قيام مجتمعات عبر الإنترنت مازال مستبعدا.

وقد ساعدت الإنترنت في تقوية العلاقات الأرضية (الانتماءات الجغرافية والسياسية والثقافية) ولكنها لم تنشئ مجتمعات وعلاقات قائمة على أساسها بالقدر الذي يمكن اعتبارها مجتمعات قائمة بذاتها، ولكن المجتمعات العادية تتغذى علاقاتها بالروابط الإلكترونية، ويمكن أن تضيف وسائل اتصال وعلاقات إدارية وشخصية، مثل التجمع وتحديد المواعيد وتبادل المعلومات، وأما المجتمعات الإلكترونية البحتة فهي نادرة جدا.

ومازالت نسبة استخدام الإنترنت على العلاقات والأنشطة اليومية والعادية كالجلوس مع العائلة وقراءة الصحف ومشاهدة التلفزيون ومقابلة الأصدقاء تبدو ضئيلة وغير مؤثرة، وقد وجدت دراسات أن استخدام البريد الإلكتروني عزز العلاقات والتواصل مع العائلة والأصدقاء.

ويتوقع أن تستخدم الإنترنت في المستقبل للتصويت والانتخاب والتشاور وجمع الآراء والتمهيد لاتخاذ قرارات، وهو إجراء مازال مشوبا باحتمالات الخطأ والتزوير ولكن يمكن مواجهة هذه المشكلة بدرجة تفوق التصويت من خلال الصناديق والمكاتب المخصصة لذلك.

المصدر : الجزيرة