عرض/علاء بيومي
مؤلف هذا الكتاب هو روبرت مري، الصحفي السابق بجريدة وال ستريت جورنال، وهي أكثر الجرائد اليمينية الأميركية نفوذا، والرئيس الحالي لوكالة كونغريشينال كوارترلي (فصلية الكونغرس) الإخبارية وهي أهم الوكالات الأميركية المعنية بتتبع أخبار الكونغرس الأميركي.

كتاب "رمال الإمبراطورية" مكتوب من وجهة نظر أميركية يمينية تقليدية واضحة، بشكل يجعل الكتاب نموذجا لما يعتري التيار الأميركي اليميني التقليدي من تناقضات مزعجة في أحيان كثيرة خاصة فيما يتعلق بوجهة نظر أتباع هذا التيار تجاه الآخر غير الأميركي وغير الغربي بصفة عامة وتجاه المسلمين والعرب بصفة خاصة.

- الكتاب: رمال الإمبراطورية
- المؤلف: روبرت مري
- عدد الصفحات: 320
- الناشر: سيمون آند شيستر، نيويورك
- الطبعة: الأولى/2005

هدف الكتاب
يهدف كتاب "رمال الإمبراطورية" بشكل رئيسي إلى تقديم رؤية نقدية للسياسة الخارجية الأميركية تقوم على فهم الخلفيات الفلسفية والثقافية للسياسات الأميركية.

وفي حقيقة الأمر يقدم الكتاب في الجزء الأول منه –الذي يغطي فصوله الخمسة الأولى– رؤية متميزة للأفكار الفلسفية المحركة للسياسة الأميركية، ويقسمها روبرت مري إلى فكرتين أساسيتين هما فكرة "دائرية الحضارة"، وفكرة "التقدم".

فكرة "التقدم" أو النظرة التقدمية للتاريخ التي يتناولها المؤلف في الفصل الأول من الكتاب، هي فكرة حديثة كما يرى المؤلف تعود للفكر الأوربي الحديث وخاصة لمفكري الثورة الفرنسية.

ويرى المؤلف أن أصحابها مالوا في غالب الأمر إلى النزعات المثالية والإنسانية، حيث آمنوا بقدرة العلوم والتكنولوجيا الحديثة على تغيير طبيعة وظروف الإنسان بشكل يدفع التاريخ إلى التطور الإيجابي بشكل مضطرد، كما آمنوا بقدرة الحكومات والهندسة الاجتماعية -إذا صح التعبير- على تغيير طبيعة الأفراد والمجتمعات إلى الأحسن.

لذا مالوا إلى النظر إلى التاريخ البشري على أنه يسير بشكل تصاعدي نحو الأمام تحت قيادة الحضارة الأوروبية الغربية.

أما فكرة "دائرية الحضارة" فيمثلها حديثا مفكرون مثل المفكر الألماني أوسلاند سبلنجر والمفكر البريطاني أرنولد تويني، ولكل منهما نظريات حول تطور الحضارات ومسار التاريخ البشري.

وهما يميلان إلى النظر إلى التاريخ البشري على أنه يتكون من مجموعة من الحضارات التي صعدت ثم هبطت بفعل عوامل داخلية وخارجية أدت إلى تردي هذه الحضارات، ومن ثم فهم يرون أن مصير جميع الحضارات مهما بلغت قوتها هو الانهيار.

ويرى روبرت ميرى أن فكرة "دائرية الحضارة" أقرب إلى الفكر الغربي في العصور القديمة والوسطى حين مال إلى النظر إلى الطبيعة البشرية على أنها طبيعة تحتوي على الشر ولا يمكن أن تتخلص منه، وأن الشر موجود في كل العصور ولا يمكن التخلص منه بالتقدم المادي أو الثقافي، وبذلك رفضوا رؤية "فكرة التقدم" المثالية للتاريخ وللطبيعة البشرية.

"
الإيمان بفكرة التقدم من شأنه أن يشعر الساسة الأميركيين بأن الغرب سوف ينتصر في النهاية، وبأن الغرب قادر على تغيير الشعوب الأخرى وإعادة صناعتها على صورته
"
أفكار محركة للسياسة الخارجية الأميركية
يرى روبرت مري أن للفكرتين السابقتين تبعات فكرية خطيرة على السياسة الخارجية لأي دولة بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث يرى أن إيمان صناع السياسة في الولايات المتحدة بفكرة التقدم لابد أن يدفعهم في اتجاه المغامرات السياسة الخارجية غير المحسوبة، وذلك لأن الإيمان بفكرة التقدم من شأنه أن يشعر الساسة الأميركيين بأن الغرب سوف ينتصر في النهاية، وبأن الغرب قادر على تغيير الشعوب الأخرى وإعادة صناعتها على صورته.

ولو آمن الساسة الأميركيون بفكرة "دائرية الحضارة" لاختلف سلوكهم السياسي، ولكان من الأولى بهم التركيز على شؤونهم الداخلية، وتقوية صفهم الداخلي، وحماية حضارتهم من قوى الانحطاط والانهيار التي هي مصير كل الحضارات، ولتجنبوا المغامرات السياسية الخارجية التي من شأنها إهدار قوة أميركا الداخلية وتأليب العالم ضدها.

وهنا يرى المؤلف أن الفترة التالية لنهاية الحرب الباردة شهدت جدلا فكريا واضحا على الساحة الفكرية السياسية الأميركية بين مناصري الفكرتين السابقين، حيث يشير مري إلى بعض العلامات الفارقة في الجدل.

فبينما يتعلق بمناصري فكرة "التقدم" يشير مري إلى كتابات فرانسيس فوكوياما عن نهاية التاريخ وكتابات توماس فريدمان عن قوى العولمة، فالأول رأى أن الديمقراطية الرأسمالية انتصرت في حرب نهائية على الأيدلوجيات الأخرى.

والثاني رأى أن انتشار قوى العولمة عبر العالم من شأنه أن يذيب الحواجز الثقافية بين شعوب العالم سعيا للاستفادة من المزايا الاقتصادية والمادية لعصر العولمة.

أما مناصرو فكرة "دائرية الحضارة" فيمثلهم بشكل رئيسي صموئيل هنتينجتون في كتاباته عن صدام الحضارات، الذي رأى فيه أن تقدم الغرب المادي لا يعني انتصاره الثقافي، وأن العالم مقسم وسوف يظل مقسما عبر حواجز ثقافية هي حدود الحضارات الكبرى، وأن هذه الحضارات مختلفة وفي طريقها للصدام.

وهنا يعبر مري عن اقتناعه بأن هنتينجتون لم يناد بصدام الحضارات بل توقعه فقط.

"
تطور الجدل الفكري حول السياسة الخارجية الأميركية بعد نهاية الحرب الباردة قاد إلى انتصار مناصري "نهاية التاريخ" على مناصري "صدام الحضارات"
"
انتصار نهاية التاريخ على صراع الحضارات
يستعرض روبرت مري خلال فصول الكتاب من السادس إلى الثامن –بشكل لا يخلو من تميز- تطور الجدل الفكري حول السياسة الخارجية الأميركية بعد نهاية الحرب الباردة وعلاقة هذا الجدل ببعض التيارات الفكرية المؤثرة على السياسة الخارجية الأميركية خلال القرن العشرين، وكيف قاد هذا الجدل إلى انتصار مناصري "نهاية التاريخ" على مناصري "صدام الحضارات".

إذ يرى أن انتصار أميركا في الحرب الباردة أعطى القوميين الأميركيين مزيدا من الثقة في أنفسهم، وبدأ رؤساء أميركا مثل جورج بوش الأب في الحديث عن النظام العالمي الجديد.

كما أعطت حرب تحرير الكويت التي خاضتها أميركا بناء على حسابات برغماتية في الأساس مزيدا من الثقة لتيار نهاية التاريخ وسيادة أميركا العالمية.

ويقول مري إن هذه النزعة التدخلية لم تقتصر على القوميين بل أصابت الليبراليين أيضا الذين طالبوا بتدخل أميركا في حل المشاكل الدولية على أسس إنسانية كما حدث في البوسنة والصومال.

وهنا يرى مري أن هذه التطورات قادت أميركا بشكل تدريجي للقبول بالنزعة الإمبريالية للمحافظين الجدد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول التي توجت بغزو أميركا للعراق، وهو غزو يرفضه روبرت مري بشدة حيث يرى أنه بمثابة إحياء لصدام الحضارات.

وهنا يتفق روبرت مري مع فريق من المحللين الأميركيين –من بينهم أندرو باسيفيتش مؤلف كتاب "النزعة العسكرية الأميركية الجديدة" الذي يشير إليه مري بشكل متكرر– في النظر إلى المحافظين الجدد على أنهم تيار ظهر نتيجة لتطور تدريجي للسياسة الأميركية خلال العقود الثلاثة الأخيرة وخاصة منذ نهاية الحرب الباردة.

ويرفض أصحاب هذا الاتجاه النظر إلى المحافظين الجدد على أنهم عصابة اختطفت السياسة الخارجية الأميركية، ويرون في المقابل أن السياسة الخارجية الأميركية تعرضت على مستويي الفكر والحركة لتطورات مختلفة خلال العقود الأخيرة ساهمت تدريجيا في صعود المحافظين الجدد وسيادة أفكارهم على النحو الذي حدث بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

"
نزعة المحافظين الجدد المثالية لإعادة صياغة العالم على صورة الديمقراطية الغربية هي نزعة مصيرها الفشل لأن العالم من منظور صدام الحضارات سوف يظل مقسما مختلفا ولن يذوب أبدا في حضارة واحدة
"
النزعة الإمبراطورية المثالية
يرى مري أن صعود المحافظين الجدد هو بمثابة انتصار لفكرة نهاية التاريخ المثالية على فكرة صدام الحضارات الواقعية، كما يرى أن هذا الانتصار كارثي، خاصة وأنه يقود أميركا في اتجاه إمبريالي بدعاوي مثالية.

فالمحافظون الجدد يريدون أن تسود أميركا العالم لتعيد تشكيله ونشر الديمقراطية فيه، وخاصة في بلدان الشرق الأوسط وإعادة تشكيلها على صورة الديمقراطية الغربية.

ويرى روبرت مري أن هذه الأفكار كارثية لأن الإمبريالية الأميركية سوف تألب العالم والقوى الكبرى على أميركا، كما أنها سوف تستنزف موارد أميركا وتصرفها عن الاهتمام بقضايا الداخل.

كما أن نزعة المحافظين الجدد المثالية لإعادة صياغة العالم على صورة الديمقراطية الغربية هي نزعة مصيرها الفشل، لأن العالم –كما يراه مري– من منظور صدام الحضارات، سوف يظل مقسما مختلفا ولن يذوب أبدا في حضارة واحدة.

أميركا في حرب حضارية مع العالم الإسلامي
مشكلة الكتاب التي دعتنا إلى الحديث عن تناقضاته المزعجة في مقدمة هذا العرض هي أنه لم يكتف بهذا الحد، بل تعداه لوصف الوضع الدولي الراهن من منظور "صدام الحضارات" الذي يؤمن به المؤلف بشكل لا يخلو من نظرة سلبية نحو الإسلام والعالم الإسلامي وخاصة الثقافة العربية الإسلامية.

إيمان مري بأن العالم مقسم إلى حضارات مختلفة متصادمة جعله ينظر نظرة سلبية مليئة بالصور النمطية للإسلام وللثقافة العربية الإسلامية سعيا منه لإثبات أن الثقافة العربية الإسلامية مختلفة عن الثقافة الأميركية بشكل سلبي لا علاج له.

لذا يعد الفصل العاشر من الكتاب -الذي خصصه المؤلف للحديث عن الثقافة العربية الإسلامية بغرض بيان اختلافها الكبير والأبدي عن الثقافة الغربية- فصلا مليئا بالصور النمطية السلبية عن المسلمين والعرب.

هذه الصور ذهبت بالمؤلف إلى حد القول –مستعينا ببعض الدراسات المتحيزة ضد المسلمين والعرب– بأن النساء العربيات يرضعن بناتهن عاما أو عامين بينما يرضعن أولادهن ثلاث سنوات، كعلامة على مركزية قضايا الشرف والجنس في الثقافة العربية الإسلامية وعلى أن هذه الثقافة قائمة على التمييز ضد المرأة.

كما يقول المؤلف إن "الحداثة تمثل تحديا أكبر للعالم الإسلامي أكثر مما تمثله لأي حضارة أخرى"، وإن الثقافة العربية الإسلامية قائمة على "الحساسيات القبلية، وقوة الشعور بالعار.. ودونية المرأة .. والعداء للآخرين".

كما يتحدث الكتاب في فصوله المختلفة عن أن أميركا موجودة بالفعل في حرب حضارية مع العالم الإسلامي مستخدما في بعض الأحيان عبارات قوية فجة تخلط بين الإسلام كدين والعالم الإسلامي ككيان جغرافي ومجتمعات تمثل هذا الدين.

"
يجب أن تتحالف أميركا علانية أو سرا مع الحكومات المسلمة الدكتاتورية ما دامت هذه الدول راغبة في التحالف مع أميركا ضد الجماعات الإرهابية، كما يجب عليها الحد من نمو المسلمين في أميركا
"
يقول المؤلف في إحدى صفحات الكتاب "نحن (الأميركيون) حقا في حرب مع الإسلام"، كما يقول إنه مع اشتعال الحرب الحضارية بين العالم الإسلامي والغرب سوف يرغم المسلمون عبر العالم على "الاختيار بين ثقافتهم والغرب"، وإن "أقلية سوف تختار الغرب".

وبهذا يضع مري الثقافة الإسلامية في صدام حتمي لا مفر منه مع الثقافة الغربية دون الحديث عن فرص للتعايش من منظور تعددي يقوم على الاعتراف بالتنوع والسعي لبناء جسور الحوار والتعاون.

أما الفصل الثالث عشر والأخير من الكتاب فهو مليء بالأفكار المزعجة عن تصور المؤلف للسياسة الخارجية الأميركية المفترضة انطلاقا من رؤيته لصدام الحضارات، إذ يدعو أميركا إلى مزيد من التقارب مع الدول الأوروبية لتقوية الصف الغربي في حرب الحضارات، وإلى أن تتحالف مع روسيا على أن تحرس الأخيرة حدود الحضارة الغربية الشرقية مع دول آسيا الوسطى المسلمة.

ويدعو كذلك إلى أن تتحالف أميركا علانية أو سرا مع الحكومات المسلمة الديكتاتورية ما دامت هذه الدول راغبة في التحالف مع أميركا ضد الجماعات الإرهابية، بل يصل الحد بالمؤلف إلى أن يقول إنه "كلما كثر السكان المسلمون داخل أميركا، كلما تعاظم التهديد الداخلي"، ويقترح الحد من نمو المسلمين في أميركا.

وفي الخاتمة يجب التأكيد على الأزمة التي يعاني منها الفكر المحافظ التقليدي كما يمثله روبرت مري، إذ في الوقت الذي يرفض فيه هذا الفكر النزعة الإمبريالية مفضلا الانكفاء على الذات ينخرط هذا الفكر بشكل مؤسف في موقف شديد العدائية تجاه الآخر العربي والمسلم.

المصدر : الجزيرة