عرض/ علاء بيومي
صدور كتاب "أميركا وتحديات التنوع الديني" في هذه الفترة يمنحه أهمية خاصة بسبب اشتعال الجدل داخل أميركا بخصوص قضايا التعددية الدينية وتبعاتها منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

- الكتاب: أميركا وتحديات التنوع الديني
- المؤلف: روبرت وثوناو
- عدد الصفحات: 448
- الناشر: برينستون يونيفرستي برس، مطابع جامعة برينستون، (نيو جرسي، أميركا)
- الطبعة: الأولى/ 2005

مؤلف الكتاب هو روبرت وثوناو أستاذ علم الإجتماع ومدير مركز دراسة الدين بجامعة برينستون الأميركية العريقة.

ويتميز الكتاب بصفة عامة بأسلوب سهل ومنظم ما يرشحه بقوة ككتاب جامعي يمكن فرضه على طلاب الجامعات –داخل وخارج أميركا– المعنيين بقضايا التعددية الدينية بالمجتمع الأميركي، خاصة أن الكتاب يبدأ بمقدمة متميزة عن تاريخ التنوع الديني بأميركا ونظرة الأميركيين تجاه هذه القضية الهامة.

كما يعتمد الكتاب في جزء من منهجه العلمي على استبيان شمل 2910 أميركيين والعشرات من رجال الدين والسياسة الأميركيين الذين التقى معهم مؤلف الكتاب –من خلال مقابلات تليفونية وأخرى مباشرة– للوقوف على موقفهم من قضية التنوع الديني وأسلوب تعاملهم مع أبناء الأديان الأخرى داخل أميركا.

لذا يتضمن الكتاب عشرات من القصص الحية والمثيرة عن موقف أميركيين –ينتمون لأديان مختلفة- تجاه قضية التنوع الديني، ما يضيف مسحة من السهولة والقصصية على الكتاب.

التنوع الديني قضية هامة وصعبة

"
من الصعب التعامل مع قضية التنوع الديني لأنها تتطلب تطوير فقه ديني –داخل المسيحية والأديان الأميركية الأخرى– يشرح للمواطن الأميركي بوضوح كيف يمكنه النظر إلى أبناء الأديان الأخرى والتعامل معهم
"
يبدأ روبرت وثوناو كتابه بمقدمة عن أهمية موضوعه، وهو دراسة موقف الأميركيين من قضية التنوع الديني المتزايد داخل أميركا، حيث يعتقد المؤلف -كما يشير بوضوح في الفصل السابع من كتابه- أن كثيرا من الأميركيين تعمدوا التعامل مع هذه القضية الصعبة من خلال إستراتيجية ضمنية قائمة على "تجنب" التعامل مع ظاهرة التنوع الديني والأسئلة الصعبة التي تفرضها.

سبب صعوبة الظاهرة هو ارتباط الدين القوي بالهوية، ما يجعل التعامل مع قضية التنوع الديني تعاملا مباشرا مع هوية المواطن الأميركي ونظرته لنفسه ولبلده، وهنا يشير وثوناو إلى أن الأميركيين نظروا بصفة عامة لأنفسهم ولمجتمعهم على أنه بلد مسيحي قائم وناجح بسبب أسسه المسيحية رغم أن الأباء المؤسسين للولايات المتحدة أقاموا أميركا كدولة على أسس علمانية.

ويزيد من تعقد الظاهرة في الوقت الحالي استقرار أعداد متزايدة من المهاجرين الذين ينتمون لأديان أخرى كالإسلام والهندوسية والبوذية بأميركا، حيث يشير المؤلف إلى أن 22 مليون مهاجر دخلوا أميركا خلال الثلث الأخير من القرن العشرين، وهنا يرى وثوناو أن استقرار هؤلاء المهاجرين يمثل تحديا غير مسبوق لمقدرة الأميركيين على التعامل مع قضايا التنوع الديني نظرا لأصول أديان المهاجرين غير الغربية ولأن الأميركيين المسيحيين أنفسهم واجهوا صعوبات تاريخية في التعامل مع تحديات التنوع داخل المسيحية نفسها.

كما يرفض وثوناو الحجة القائلة بأن الأميركي العادي لا يهتم بقضايا التنوع الديني، حيث يرى وثوناو أن زيادة الهجرات غير الغربية يعني أن المواطن الأميركي العادي لديه فرص أكبر للتفاعل المباشر مع أبناء الأديان الأخرى داخل مجتمعه الصغير – كمكان عمله ودراسته – ودون شك تثير هذه التفاعلات أسئلة هامة لدى المواطن الأميركي العادي، مثل طبيعة أديان المهاجرين؟ ومدى احتوائها على الحقيقة؟ وهل تحتكر المسيحية الحقيقة والطريق الوحيد للخلاص؟ وكيف يمكن التعامل من منظور ديني مسيحي مع أبناء تلك الأديان؟

وهنا يؤكد وثوناو –كما يشير في خاتمة الكتاب– صعوبة التعامل مع قضية التنوع الديني لأنها تتطلب تطوير فقه ديني –داخل المسيحية والأديان الأميركية الأخرى– يشرح للمواطن الأميركي بوضوح كيف يمكنه النظر إلى أبناء الأديان الأخرى والتعامل معهم، فلا يكفي –على سبيل المثال– أن تقول للمواطن الأميركي إن المسيحية هي الطريق الوحيد للخلاص أو إن المسيحية تتساوي مع الأديان الأخرى، إذ ينبغي عليك في الحالتين أن تشرح له بدقة معاني الأفكار السابقة ومدلولاتها على المستوى الديني وعلى مستوى التعامل اليومي مع أبناء الأديان الأخرى.

أميركا بلد مسيحي

"
مازلت الغالبية الأميركية تنظر لأميركا على أنه بلد مسيحي، وأن المجتمع الأميركي يختلف عن الدولة بهذا الخصوص، فالدولة تفرض قوانين صارمة لحماية حرية أبناء الأديان المختلفة، ولكن هذه القوانين لا تكفي لنشر فهم أفضل للتعددية الدينية
"
في الفصل الأول من الكتاب يرسخ المؤلف أحد أفكاره المحورية والتي تقول أن "الأميركيين أجمعوا مبكرا على قبول فكرة أن مجتمعهم –رغم تنوعه– هو (مجتمع) مسيحي بالأساس، وأن معني التنوع (الديني) يجب أن يفهم بشكل أساسي في سياق الأغلبية المسيحية".

ولشرح الفكرة السابقة يتعرض المؤلف بشكل سردي سريع لتطور نظرة الأميركيين الدينية لأنفسهم وللأديان الأخرى، حيث يقول وثوناو إن اكتشاف كريستوفر كولمبوس لأميركا كان في حد ذاته مدفوعا بأسباب دينية واضحة، حيث سعى كولمبوس للبحث عن طريق مختلف إلى الهند بعيدا عن بلاد المسلمين، كما حلم بالعثور على كنز يمكنه من "دفع تكلفة جيوش تحرر القدس من المسلمين"، الأمر الذي يشير إلى ارتباط أميركا منذ نشأتها بفكر ديني قوي ينظر لأميركا كبلد مسيحي اختاره الرب بعناية للقيام بدور رسالي معين في العالم.

ويقول المؤلف إن المستوطنين الأميركيين الأوائل لم يهتموا بفهم دين أهل أميركا الأصليين، ونظروا إليهم في الغالب على أنهم عصاة يعبدون الشيطان يمكن تحويلهم للمسيحية.

ومع منتصف القرن الـ18 بدأ الأميركيون في التعرض لأفكار علمانية وتنويرية متزايدة، فتحت الباب لانتشار فكر مدني ينادي باحترام الآخر والتسامح معه، ولكن المسيحية ظلت الإطار الرئيس للنظر للأخر وتقييمه، فكلما اقتربت عقائد غير الأميركيين من المسيحية تعامل الأميركيون مع الآخر بشكل أكثر تقبلا.

ويشير المؤلف إلى أن العقود الأولى من القرن الـ19 شهدت مرحلة إحياء ديني واسعة وصعود الجماعات المسيحية الأصولية ونشاطها في التبشير، لذا أصبح المبشرون مصدرا رئيسا لشرح الآخر للشعب الأميركي، وهنا يشير روبرت وثوناو إلى أن المبشرين الأميركيين ربطوا بين الحضارة الأميركية والمسيحية، حيث رأوا أن أميركا قوية بسبب المسيحية وأن الشعوب الأخرى ضعيفة بسبب افتقارها للمسيحية.

أما حركة دراسة الأديان المقارنة فلم تبدأ في الانتشار بأميركا إلا في نهاية القرن الـ19، ما يوضح مدى حداثة التعمق في دراسة قضايا التعددية الدينية بأميركا، وهنا يشير المؤلف إلى مؤتمر عقدته منظمة تبشرية بالتعاون مع مؤسسات معنية بدراسة الأديان المقارنة بمدينة شيكاغو عام 1893 للحديث عن قضية التعددية الدينية وكيف يمكن أن ينظر الأميركيون إلى أبناء الأديان الأخرى، ويقول وثوناو إن بعض المتابعين للمؤتمر وصفوه بأنه علامة على وصول أميركا إلى مرحلة غير مسبوقة من الحضارة والتسامح في تاريخ البشرية، خاصة بعد أن دعت اللجنة المنظمة للمؤتمر قيادات من أديان غير مسيحية لحضور المؤتمر، وهنا يشير وثوناو إلى أن المؤتمر لم يحضره من مسلمي العالم سوى مسلم واحد وأن غالبية المؤتمر خصص للاحتفال بانتصار الحضارة الأميركية والمسيحية الأميركية على حضارات وأديان العالم.

أما التغير الكبير الذي حدث على صعيد التعددية الدينية في أميركا فقد ارتبط بانتشار فكرة النظر للتراث الأميركي على أنه تراث مسيحي يهودي مشترك وهي فكرة انتشرت في منتصف القرن العشرين معتمدة على التشابه بين المسيحية واليهودية.

وبهذا يوضح المؤلف أن الغالبية الأميركية مازالت تنظر لأميركا على أنه بلد مسيحي، وإلى أن المجتمع الأميركي يختلف عن الدولة بهذا الخصوص، فالدولة تفرض قوانين صارمة لحماية حرية أبناء الأديان المختلفة، ولكن هذه القوانين لا تكفي لنشر فهم أفضل للتعددية الدينية داخل المجتمع الأميركي.

"
 تنادي بعض التوجهات الفكرية بالنظر للتنوع الديني على أنه خطر ثقافي على أميركا، بينما يرحب آخرون بالتنوع الديني، غير أن الأفكار العديدة القائمة تحتم على الأميركيين العثور على إجابات إزاء هذا التنوع 
"
المتسوقون الروحانيون والاحتوائيون والاستبعاديون
في الفصل الثاني من الكتاب يقدم المؤلف نظرة سريعة على الجماعات الدينية الجديدة بأميركا خاصة المسلمين والهندوس والبوذيين وعن معتقدات هذه الجماعات ونظرتها لقضية التعددية الدينية، مؤكدا على تنامي تلك الجماعات، وعلى وعيها بأنفسها كأقليات دينية داخل المجتمع الأميركي المسيحي، ولتجاربها المختلطة –بين السلبي والإيجابي- مع الأغلبية المسيحية، وعلى مطالبة هذه الأديان الأغلبية المسيحية بفهم أديانها بشكل أفضل.

كما يخصص المؤلف الفصل الثالث لتفنيد بعض الأفكار المطروحة داخل المجتمع الأميركي حول قضايا التنوع الديني، حيث تنادي بعض التوجهات الفكرية بالنظر للتنوع الديني على أنه خطر ثقافي على أميركا، بينما يرحب أخرون بالتنوع الديني، وفي المقابل يؤكد وثوناو في نهاية الفصل على أن الأفكار العديدة القائمة تحتم على الأميركيين العثور على إجابات واضحة للأسئلة القائمة وإلا تعرضت هويتهم للخطر.

ويخصص المؤلف الفصول من الرابع وحتى السادس للحديث عن ثلاثة توجهات شائعة بالمجتمع الأميركي للتعامل مع قضايا التنوع الديني، أولها توجه "المتسوقين الروحانيين" الذين ينظرون للأديان المختلفة على قدم المساواة، ويتنقلون بينها وبين تعاليمها كما يتنقل المتسوقون بين البضائع مع تركيزهم على الروحانيات دون تعاليم وعبادات دين بعينه.

التوجه الثاني هو توجه "المسيحيين الاحتوائيين" الذين ينظرون إلى المسيحية على أنها دينهم الأساسي ولكنهم يعتقدون أيضا أن الأديان الأخرى تمثل طرقا صحيحة للوصول إلى الحقيقة والغفران لأبنائها كما هو الحال في المسيحية بالنسبة للمسيحيين.

التوجه الثالث هو توجه "المسيحيين الاستبعاديين" الذين ينظرون إلى المسيحية على أنها الطريق الوحيد للخلاص في الأخرة.

ويتعرض وثوناو من خلال عشرات القصص الشخصية المثيرة لحياة أفراد ينتمون للتيارات الثلاثة، حيث يسعى وثوناو لفهم الظروف والأفكار التي أسهمت في تشكيل كل تيار في عرض فكري مفيد وجذاب للقارئ الأجنبي والأميركي على حد سواء.

نحو تعددية جادة

"
يطالب المؤلف التعدديين بالنظر بجدية لأفكار التنوع الديني وعواقبها، ومحاولة فهم الأديان الأخرى ورفض التعامل مع تلك الأديان بعمومية، كما يطالب التعدديين بتطوير هويتهم كدارسين وباحثين عن المعرفة والحقيقة بشكل دائم
"
يتهم وثوناو المتسوقين الروحانيين والمسيحيين الاحتوائيين والمسيحيين الاستبعاديين بعدم الجدية وبعدم الإجابة على عشرات من الأسئلة الهامة الخاصة بكيفية التعامل مع قضايا التنوع الديني، ويحاول وثوناو في خاتمة كتابه تلخيص بعض هذه الأسئلة أو التحديات القائمة أمام التعددية الدينية في أميركا، التي تتمحور حول تحديين محوريين، أولهما كيفية النظر الفقهي للأديان الأخرى من منظور تعددي يشرح مدى احتواء الأديان المختلفة على الحقيقة أو خلوها منها، أما التحدي الثاني فهو أن تقوم المناظير الفقهية السابقة بتطوير فهم واضح لكيفية التعامل باحترام وتقدير وسلام مع أبناء الأديان الأخرى بناء على نظرتهم الفقهية لتلك الأديان وموقفها من الحقيقة.

كما يضع وثوناو بعض المعايير للفكر التعددي الديني، التي تنادي التعدديين بالنظر بجدية للأفكار وعواقبها، ومحاولة فهم الأديان الأخرى ورفض التعامل مع تلك الأديان بعمومية قائمة على التجنب أكثر منه على الفهم، كما يطالب وثوناو التعدديين بتطوير هويتهم كدارسين وباحثين عن المعرفة والحقيقة بشكل دائم، وبأن يسعوا لتطوير أفكار ومؤسسات تواجه الرافضين للتعددية الدينية، وأن يؤكدوا ضرورة احترام أبناء الأديان المختلفة.

كما يؤكد روبرت وثوناو على أهمية العلاقات الشخصية المباشرة في بناء علاقات إيجابية بين أبناء الأديان المختلفة، حيث يرى أن التركيز على بناء تلك العلاقات يعد السر الأكبر وراء نجاح أي نشاط يهدف إلى بناء الحوار والتعاون بين أبناء الأديان المتنوعة.

أخيرا بقى لنا أن نشير إلى أن الفصل السابع من الكتاب يحتوي على نتائج الإستطلاع الذي قام به المؤلف حول موقف الأميركيين من قضايا التنوع الديني، حيث تتضمن نتائج الإستطلاع معلومات شديدة الأهمية حول نظرة الأميركيين للمسيحية وللأديان الأخرة بما في ذلك الإسلام.

المصدر : الجزيرة